قرارات البنك المركزي بشأن الاستيراد وتأثيرها على الحياة اليومية للأفراد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قرارات البنك المركزي بشأن الاستيراد وتأثيرها على الحياة اليومية للأفراد

  نشر في 28 فبراير 2022  وآخر تعديل بتاريخ 06 مارس 2022 .

انتشر الحديث مؤخرًا عن قرارات البنك المركزي المصري الصادرة بالخطاب رقم 49 بتاريخ 13/2/2022 والتي تضمن "إيقاف التعامل بمستندات التحصيل في تنفيذ كافة العمليات الاستيرادية والعمل بالاعتمادات المستندية فقط."

وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي العديد من النقاشات حول القرار وأسبابه وتأثيره على الاقتصاد والحياة اليومية للأفراد داخل المجتمع المصري ومدي انعكاس تلك الإجراءات على أسعار السلع. وهنا في هذا المقال نحاول شرح وتبسيط هذه الإجراءات في ست نقاط لغير المتخصصين حتى يتثنى للجميع فهم انعكاسات الإجراءات على الحياة اليومية.

أولا – احتياجاتنا اليومية:

نحن نستورد جميع احتياجاتنا تقريبًا من الخارج، سواء كانت منتجات نهائية قابلة للبيع مثل: السيارات، الهواتف المحمولة وغيرها أو مكونات تدخل في عمليات التصنيع والتجميع بهدف تصدير المنتج أو البيع محليًا مثل معظم الملابس والأطعمة والمشروبات وغيرها. وقد بلغ حجم الاستيراد 89,130 مليون جنية فى شهر أكتوبر 2021 مقابل 80,706 مليون جنية في شهر أكتوبر عام 2020 وهو ما يوضح الزيادة الملحوظة في حجم الاستيراد من الخارج بنسبة 10%.

رسم بياني يوضح قيمة الواردات المصرية بالمليون جنية. -المصدر: جهاز التعبئة العامة والأحصاء


ثانيًا - العلاقة المعقدة:

العلاقة بين حجم الاستيراد ونمو الاقتصاد هي علاقة معقده وتطبيقها على الحالة المصرية هو أمر أكثرًا تعقيدًا، ولكننا سنحاول سرد وتوضيح العلاقة وآثارها بشكل مبسط يناسب غير المتخصصين.

عندما نريد استيراد منتج معين، يتم التواصل مع الجهة المصنعة لهذا المنتج بالدولة الأجنبية والاتفاق معها على الكمية التي نريد استيرادها طبقًا لحجم الطلب على هذا المنتج في السوق ثم يتم الاتفاق على المقابل المادي التي سندفعه نظير هذا المنتج. وقد جري العرف الدولي أن يكون الدولار -وبعض العملات الأخرى- هي العملات التي تتم بها عمليات الاستيراد والتصدير وذلك ارتباطًا بالنظام المالي العالمي وبُناء على أسبابًا أخري نحن في غنا عن ذكرها الآن، ولكن الثابت أننا نريد أن ندفع مقابل احتياجاتنا بالدولار وهو عملة غير متوفرة لدينا بالشكل الذي يتماشى مع حجم الاستيراد الضخم والمتزايد وذلك لأن السوق المصري غارق بالمنتجات المستوردة من الخارج.

على سبيل المثال والتبسيط: الأمر أشبه بأنك تريد شراء 70% من احتياجاتك اليومية من "السوبرماركت" وهو لا يقبل عمليات البيع إلا بالدولار وأنت راتبك بالجنية المصري، بشكل تلقائي ستحاول البحث عن أي مصدر لاستبدال الجنية بالدولار وذلك لأنك لن تستطيع شراء احتياجاتك اليومية إلا بالحصول على الدولار، تخيل معي للحظة أن هذه هي حالة 110 مليون مصري يبحثون عن الدولار، والدولار عملة محدوده للغاية في مصر مما يؤدي إلى أزمات عديده.

ثالثًا - والحل؟

يمكننا أن نبحث عن طُرق للحصول على المزيد من العملة الأجنبية -الدولار- حتي نستطيع جميعًا شراء ما نريد. كما يمكننا أن نعمل على ترشيد وتخفيض احتياجاتنا قدر الإمكان وعدم الشراء بالدولار إلا ما هو ضروري فقط. ويمكننا أيضا أن نفتح "سوبرماركت" يبيع المنتجات بالعملة المحلية -الجنية المصري-.

الحل الأول،

يحدث من خلال جهود الدولة في زيادة حجم التصدير، تشجيع السياحة الأجنبية، زيادة حاصلات قناة السويس، جذب الاستثمارات الأجنبية. وذلك بهدف أن تلك الأنشطة عبارة عن تقديم منتج أو خدمة يتم تحصيل مقابلها بالدولار مما يزيد الدولارات المتاحة داخل البلاد.

الحل الثاني،

ترشيد احتياجاتنا، وهو حل شهدناه مؤخرًا في كثير من الأزمات، ويعتمد على الا يشتري الأفراد إلا احتياجاتهم بالغه الأهمية فقط وان نتنازل عن كل السلع الرفاهية التي تأتي بالعملة الأجنبية.

أما الحل الثالث،

كما تحدثنا سابقًا عن مثال "السوبرماركت"، هذا الحل يعنى أن نفتتح "سوبر ماركت" يبيع المنتجات بالعملة المحلية "الجنية المصري" ونشتري منه جميعًا ما نريد. ولكن هل الأمر بهذه البساطة؟

بالطبع لا، حتى يمكننا افتتاح "السوبرماركت" وإتاحة المنتجات فيه بالعملة المحلية، يجب أن تكون كل المنتجات المعروضه به يتم تصنيعها محليًا وان تكون غالبية مكونات الصناعة الخاصة بها هي مكونات محلية أيضا. بمعنى أن هذا الحل يتطلب سلسلة من الإجراءات طويلة المدي والتي تحتاج فهمًا دقيقًا لطبيعة مختلف القطاعات الصناعية في مصر وان يتم تصنيع وإنتاج احتياجاتنا محليًا بشكل كامل وهو أمر بالغ الصعوبة ويمكننا أن نتطرق له لاحقًا في كتابات أخري.

رابعًا - قرار البنك المركزي:

انتشر قرار البنك المركزي المصري الصادرة بالخطاب رقم 49 بتاريخ 13/2/2022 والذي تضمن "إيقاف التعامل بمستندات التحصيل في تنفيذ كافة العمليات الاستيرادية والعمل بالاعتمادات المستندية فقط."

وبغض النظر عن المفاهيم الفنية الواردة بالقرار والفرق بين الاستيراد من خلال "بوليصة التحصيل" أو الاعتماد المستندي وهو أمر فني قد يصعب فهمه على غير المتخصص. ولكن بإقرار نظام الاستيراد "بالاعتماد المستندي" قد لجأ البنك المركزي المصري في هذا القرار إلى التعامل مع أزمة نقص العملة الأجنبية (الدولار) من خلال سياسة الترشيد والتخفيض "الحل الثاني" الذي قد تحدثنا عنه سابقًا، وذلك لأن نظام الاعتماد المستندي يتطلب توافر سيولة ضخمة لدي المستورد أو فتح خط ائتمان مع البنك، والأمران غير متوفران في قطاع كبير من المستوردين مما يؤدي إلى ترشيد الاستيراد ويؤدي بطبيعة الحال إلى ترشيد الطلب على الدولار.

خامسًا - آثار القرار على الاقتصاد والأفراد:

1. ارتفاع الأسعار

في الحالتين ستزيد تكلفة المنتج لأن احتجاز السيولة لفترة ما لدي البنك أو فتح خط ائتمان بنكي كلاهما تكلفة إضافية سيتم تحميلها على المنتج والمستهلك بطبيعة الحال.

مع العلم أن البنك المركزي قد استثني بعض السلع من القرار وهي: (الأدوية والأمصال والكيماويات الخاصة بها والسلع الغذائية الآتية (الشاي – اللحوم – الدواجن – الأسماك – القمح – الزيت – لبن البودرة – لبن الأطفال – الفول – العدس – الزبدة – الذرة) وبُناء عليه فيما عدا تلك السلع المذكورة، نتوقع زيادة في أسعار جميع المنتجات المستوردة.

2. اختفاء صغار المستوردين

لن يستطيع الكثير من صغار المستوردين التكيف مع الإجراءات الجديدة نتيجة عدم توافر سيولة لديهم ولا قدرة على فتح خط ائتمان بنكي، مما يترتب عليه خروج صغار المستوردين من السوق أو اندماج بعضهم لتشكيل كيانات أكبر تستطيع مواكبة الإجراءات الجديدة.

3. مكافحة الاقتصاد غير الرسمي والتهرب الضريبي

تعاني الدولة المصرية منذ عقود من انتشار ظاهرة الاقتصاد الغير رسمي، وحاولت الحكومة مؤخرًا مواجهة تلك الظاهرة وضمها للاقتصاد الرسمي. ويحمل هذا القرار في طياته مرحلة جديدة من مواجهة الاقتصاد غير الرسمي، حيث أن بعض المستوردين لا يُظهر القيمة الحقيقة للبضائع المستوردة من الخارج بهدف التهرب الضريبي ولكن مع النظام الجديد "الاعتماد المستندي" سيتم القضاء على تلك الظاهرة بشكل كبير.

4. محاولة تفادي وتقليل آثار الأزمة الاقتصادية العالمية المقبلة

لا يخفى على أحد أن العالم مُقبل على أزمة اقتصادية عالمية حيث انتشرت الأحاديث عن "الركود التضخمي" ومما لا شك فيه أن الأزمة المُقبلة ستؤثر علينا في مصر بشكل أو بآخر. ومن هنا جاءت سياسة البنك المركزي الاستباقية لتحجيم الاستيراد ومنها الحفاظ على العملة الأجنبية لمحاولة تفادي آثار الأزمة العالمية بشكل استباقي.

5. تحسين أداء الاقتصاد المصري على المدي البعيد

على المدي البعيد ستساعد تلك القرارات على الحفاظ على أداء جيد للاقتصاد "نظريًا" من واقع المنطق التي جاءت منه القرارات، حيث أنها سياسة استباقية لتجنب سلسلة من الأزمات الاقتصادية المقبلة على العالم وعلينا في مصر بطبيعة الحال.

سادسًا - الخلاصة:

قرر البنك المركزي يحتوي على سلسلة إجراءات ضمنية بداية من ضبط التعامل بالعملة الأجنبية في الاستيراد، تحجيم الاستيراد، محاولة تفادي الأزمة الاقتصادية المقبلة، مكافحة التهرب الضريبي، وغيرها ويمكننا أن نطلق على تلك الإجراءات أن البنك المركزي بدء سياسة "ربط الحزام في الاستيراد" والتضحية بصغار المستوردين لصالح المنظومة الاقتصادية ومن الناحية "النظرية" يبدو ذلك لصالح الاقتصاد المصري ولكن هناك وجه آخر وسؤال لا احد يجيب عنه، "ماذا سيحدث بشأن استيراد المكونات التي تدخل في التصنيع بهدف التصدير أو البيع المحلي؟" فتلك المكونات تعرضت بشكل مباشر لضرر من القرارات ومع ارتفاع أسعار تلك المكونات يؤدي ذلك إلى ارتفاع تكلفة تصنيع المنتج وارتفاع سعره سواء كان بهدف التصدير أو البيع المحلي مما يؤثر على قدرته التنافسية بطبيعة الحال.

مع العلم أننا في هذا المقال لسنا في صدد تقييم القرار إذا كان صحيحًا أما خاطئ ولكننا نستعرض دوافعه وأسبابه وآثاره المتوقعة من وجهة نظر فنية حيادية ونحاول تبسيطها لغير المتخصصين محاولة منا لمساعدتهم على فهم الوضع الاقتصادي فى مصر.



  • إسلام جهادالدين
    حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال. عمل مع العديد من مشروعات التنمية والتعاون الدولي وبرامج التمكين الاقتصادي والإصلاح الحكومي.
   نشر في 28 فبراير 2022  وآخر تعديل بتاريخ 06 مارس 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا