المستذئب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المستذئب

  نشر في 04 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 07 فبراير 2019 .


جسد هزيل ملقا بعشوائية محتفظا بحذائيه و سط غرفة ليس لها من الاسم غير جدرانها البالية وبعض الملابس المتناثرة و باب لا يكاد يقف على استواء  قد لا يدفع صوتا ولا يحجب ضوءً ، وسط منزل مكتظ بساكنيه يفتقر الى ابسط مكونات الحياة.

يستيقظ رويدا و قد بدأت اطرافه تتحرك ببطء شديد، و حركة تحت جفنيه بغير ما تناسق يمنة و يسرة و كأن  العيون تمسح شيء من بقايا الاحلام او الكوابيس للأبصار من جديد.

  يصعب مغادرة الفراش رغم بساطته، فلم يكن يوما وثيرا  او على الاقل نظيفا الا ان تختلس فيه غفوة في اخر الليل على استعجال.

كانت الساعة حيناها تشير الى الخامسة مساء، و بعد عملية حساب سهلة لكنها نالت من دماغ ليس مهيئ لمثل هذا النشاط وهو في قمة الفتور. . . " اثنتا عشرة ساعة من النوم ! قرابة يوم في سبات !"  مخاطبا نفسه في امتعاض.

كأن اليوم شبيه امسه و الامس شبيه سابقه، تتكرر الاحداث و يتراكم معها اليأس وقد يصبح السكون للتَّوَاري عن الناس لأيام، خير من ان تتسكع بين الازقة و الشوارع لتعلن فشلك امام الجميع.

وفي اثناء هذا السجال بين الخلود للفراش و استجماع القوى للنهوض، يُفتح الباب بقوة  دون اي استئذان يتطاير غبار المكان و تتعالى الصيحات و الويلات لأُمٍ ترى فلذة كبدها يضيع امام ناظريها و سيول الانهزام تأخذه من بين يديها فتزداد هوة الضياع و تتبخر كل الحلول  .فيجيبها بصمت ابلغ من الاف الكلمات :"لما الخوف من ضياع ابخس الاشياء (متحدثا عن نفسه) ؟ لما الحماسة الزائدة لغد افضل؟؟ لن يجدي الصراخ نفعا ولا الويلات "... 

فقد اُخمد بركان الشباب قبل الاوان، و قدَّم النشاط شهادة الغياب منذ زمن طويل و تناثرت قيمة الانسان في الهواء كالرماد.

يترك البيت وراءه و قد غادره دون ان تستقر لقمة واحدة تسكت قرقرة بطن تجوف من شدة الجوع.

وهو البكر الذي افْتُرض ان يعين لا ان يزيد السوء الى ما دونه، فهذا الصراع حول تقاسم الاعباء ليس عليه بالجديد، لا يلق له اهتماما و لا ينعته سوى بالهراء ، وقد رأى جحافل الشباب من الاقران ممَّنْ  خانتهم الاوطان بين مبتلى و يائس و طامع في حياة خلف البحار الى من يطلب فتات الرزق بين ارجل الاغنياء.

يواصل ممشاه بهدوء،  وخطاه تتعاقب بسلاسة ، فهي تعرف الوجهة جيدا و لا تحتاج لدليل.

هناك قبالة الشارع الكبير يسند ظهره لحائط يكاد يبادله التحية، فيستل من جيبه حبات عباد الشمس ليسهر و مسَلْسَله الطويل الذي التزم على متابعة حلقاته لسنوات. فإن غاب عن الجدار ارخى فراغا على المكان فتساءل عنه عُمَّارُ الشارع من باب الفضول ليس إلا!

فراغ ثم فراغ لا شيء غير الفراغ، و الايام تتعاقب بدون جديد كنشرات الاخبار التي تُبَثُّ طوال النهار و عنوانيها  حول إذاعة اليأس و الحروب و الدماء لم تتغير قط على مر السنين، يمارس هاهنا ارهاب النفس بلباقة و اناقة، تتقنها المذيعة خلف عدسات الكاميرات و هي لا تتحدث الاّ عن المصائب بابتسامة عريضة و وجه بشوش احتوى على كل مساحيق التجميل.

وكأي دابة شاردة عن القطيع، ترمقها الضواري من بعيد و لعابها قد سال وهي تتحين الفرصة للانقضاض، كذلك أباِلسَة الانس وهم على كل باب من ابواب الموبقات لتعجيل و ثيرة الانضمام  و الافتخار بكل وافد جديد!

تشربت طينته فكر العبث قصد نسيان الهموم و اضحى مستعدا للأبحار بغية كسر قيود الممنوع  و الانتشاء بربيع الشبابفيقول :" لعل الوقت حان لوضع بعض الرتوشات على معيشة  » مَيِّتَة «  لم تلبس من الثياب غير السواد، فالحلول سهلة متاحة بل و بخسة في اغلب الاحيان  فباعة كل مخدر في انتشار، و منتوجاتهم تتزايد نوعا و كمًّا يوما بعد يوم".

لم يكن الامر في البداية يتعد حدود الفكرة حتى انتقل الى حيز التنفيذ فانقلب الى نمط حياة تشابكت فيه الخيوط،  فقد لا  يخطر التخفيف من الجرعات على البال ناهيك عن الاقلاع.  الاسى حين تعلم انه نمط حياة يستلزم مصاحبة زمرة الاشرار ثم بعد حين تساق مغمض العينين نحو طريق معبد ذو وجهة واحدة تفضي الى اسوء سيناريوهات الحياة.

و في عز الحاجة الجامحة لإشباع رغبة السعادة الزائفة  و المستحوذة على كل الافكار، تمتد اليد خلسة الى حيز المتناول دون استثارة الشكوك،  لتتطور بعد حين الى تربص بالأبرياء للحصول على المراد بالإكراه.

   فتتوالي الايام  لتكتمل الصورة لمراحل تطوره من انسان في ابهى خلق الى أنبذ المخلوقات …  فَرْدٌ من سلالة المستدئبين،  يعيش على ايقاعين في الحياة، حياة على نمط بني البشر قصيرة حين يكون في منأى عن محفزات التدمير و اخرى تستحوذ على المشهد برمته يعيشها بفيزيولوجية متوحشة، ليس حين يكتمل القمر، بل حين يتعاطى سموما تنقله الى عالم الهمج هناك اين يهيمن شرار القوم يرقبون الغير بعيون الغدر، انيابهم تنهش الضعاف  بلا اي ضمير !!

تموت الاحاسيس و يموت الشعور ويبقى الوحش ساكنا في الاوصال يسحل اي ذرة تفكير ليُرَوِّض ذاك الجسد المنهك لخدمته كيفما اراد  . فتطفو آلام النفس ظاهرة في كل تفاصيل البدن، عيونه الشاخصة لا ترتد لها جفون احتوت من الوان الادمان الكثير ، و جروح على اشكالها شوهت حسن التقويم، والوجه صار شبيها بقطعة قماش قديم.

ايامه لم تعد تدور إِلاَّ حول ساحات وَغًى تُستل فيها السيوف للسيطرة و تحصين مكان النفود و الفوز بغنائم تمكنه من الاستمرار.

فيأتيه القدر المحتوم بعد هروب طويل ليستوطن بيتا من اربعة جدران، بأبواب ليست آيلة للسقوط، بل من حديد و اقفال مؤصدة  لا تفتح حسب اهواء المقيمين!

يطول المكوث و يتبعثر ترتيب الايام في رتابة لم يُشهد لها نظير و يطول الانتظار لأي شيء قد يخترق حيز الموت البطيء و سط زنزانة فرضت قانونا له قبضة من حديد قد يطارد حتى الخيال من الهروب.

و في غفلة من كل رقابة على الافكار، يهاجر بالذاكرة الى الوراء وهو يرقب ذاك الباب المهشم و طلة امه  باستمرار و هي تستشيط غضبا لتوقظ فيه الهمم لعلها تفلح في ذلك ذات يوم،و أب تكسر ظهره من الأزمات وقد اخذ العمر منه كل مأخذ ،  يشقى وحيدا دون معين يصارع الصعاب الجسام من اجل اللقمة الحلال، لا يبرح مكان عمله الا لينام بعض السويعات مقابل اجر جد زهيد. صورة  كانت تمر دون اكتراث يتذكرها الآن بقلب يضخ الاسى مقام الدماء،و حياة البساطة الذي استوحش لذتها رغم قسوتها، و براءة الانسان، و مقتطفات تلو المقتطفات من حياة حارته التي دأب على متابعة احداثها  من ركنه المعهود.

تهيج العواطف و يقع قناع المستذئب من عل ليتناثر كشظايا مزهرية من زجاج سقطت على الارض،  و يبدأ بصراخ زلزل المكان و نفض عن الزنزانة الغبار! مشهد لا يخل من الدراما، حرك في كل سجين احاسيس الشفقة ولو غابت عنهم وسط عالم جامد من اسمنت و حديد.

نفس المشهد يبدأ في التكرار يوما بعد اخر لنفاد الحلول و استحالة معانقة الحرية من جديد ، ليدخل في عزوف عن كل اشكال الالتزام في احتجاج واضح لا يحتاج أي تأويل، لما الفقير دونة امام الغني ؟  لما انهاك الفقير ليستفحل فقره الى ابسط ادوات الحياة ؟ كيف  ينجو الفقير ولم يكسب من علم دينه و دنياه غير ما دون القليل ؟ كيف ينجو الفقير الجاهل و قد فتحت عليه مصائب العالم ترجُّه من كل الجوانب وحيدا يتقلب في بحر الحياة بلا سترة نجاة  ؟ !

يشتد الخناق من زنزانة ضيقة الى اخرى اشد ضيقا و من خلوة مع الناس الى اخرى اوحش، وجها لوجه مع النفس في حوار مستفيض و طويل لا تحصره الدقائق و لا الساعات.

فيمر شريط الحياة بأدق التفاصيل ليقف بكل انصات الى الزلات و يراجع حياة بأكملها اخذت مسارا مرسوما بشتى أنواع التعرجات.

كانت المحطة تلك، بمثابة دورة تأهيل مكثفة  لتدارك الاخطاء و اعلان ولادة انسان جديد، و قد صحا الامل و ظهر السعي للتغيير و ظهرت ثقة مثلى في مدبر الوجود واتى العلم جوادا يعدو بعد ان شرد بعيدا الى مَقام سحيق.

فلم تكن امنياته اكثر من كتب يلتهمها التهاما بعد ما كانت القريحة فارغة لم تملك من زاد العلم شيء على الطلاق.

 استمر الحال على النمط ذاته لسنين طوال بلا كلل او ملل، فارتقت النفس في منازل العلم الواسع  حتى انقلبت حياة تلطخت بأسوأ  انواع الجنايات الى  اخرى ترى لنفسها سببا في الوجود.

وصلت ساعة الافراج، ساعة  لطالما رفرف الشوق بجنباتها ينتظرها ايضا في شوق كبير خلف دفات ذاك الباب العريض، ليعانق الحرية بحرارة افتقدها لعقود.

مبتسما و الدموع تنهمر من مقلتيه فتغسل لحيته التي اشتاقت شعيراتها البيضاء لنسيم الصباح، فيحُطُّ رجليه خارج اسوار كتمت على حريته لسنين لكنها اخذته من نفسه يوم كان وحشا لا يشفق حتى على ذاته من ان ينزل بها اعتى انواع الانتقام.

فأسوار الامس هي  قصور اليوم، و قد اهدته  من سبل النجاح الشيء الكثير ولو بعد الويلات وثقل السنوات!

فصل جديد من اوجه الحياة على و شك الانطلاق، بإكراهات تحيطه من كل اتجاه، اسرة ممزقة بين فقر و قسوة الاحوال و صِدَام بين الآن و ما كان قبل هذه السّيِنِين الطوال و ما تستدعيه المرحلة  من تشمير للسواعد و تحفيز للهِمَم،  فهو البكر الذي لا زال يُنتظر منه الكثير و بين واجباته لإنقاذ اجيال هائمة في طريق الضياع وهو المتمرس الذي اتقن فنون البقاء.


ع.يونس


  • 1

   نشر في 04 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 07 فبراير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا