معاني الحب. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

معاني الحب.

رحلة مجانية بقارب الحب.. هيا لنذهب!

  نشر في 22 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 05 نونبر 2019 .

قبل أن نذهب في هذه الرحلة، سأطلب منك أن تترك ذاكرتك وعقلك هنا على ضفة النهر إلى أن نعود، بمعنى آخر ليس عليك أن تفكر فيما سأرويه لك اعتماداً على عقلك وتمثلاته. أنت لم تقتنع! حسناً، عندما نود أن نتعلم مثلاً لغة جديدة، يجب علينا أولاً أن ننسى ما نعرفه عن هذه اللغة و كيف نفكر حيالها، ومكتسباتنا السابقة حولها وكل شيء متعلق بها، ولكي نكتسبها جيداً وبدون أخطاء علينا أن نتعلمها من أصحابها أي الذين تعتبر لغتهم الأم، وأول ما نقوم به هو الإستماع الجيد والتركيز على كيفية نطق الكلمات، ثم نمر إلى الكتابة والقراءة بطريقة سليمة، وهكذا نبدأ شيئاً فشيئاً بتعلم بعض الخاصيات و نحاول تطبيقها بحذر، وبعد مدة من الزمن نكون قد تمكنا منها و صرنا نتحدث بها بطلاقة وبدقة. هكذا تعلمنا كل شيء في هذه الحياة بدءً من الملاحظة والإستماع إنتهاءً بالتطبيق. فإن أردت حقاً أن تتعلم مفاهيم آخرى عن الحب دعك مما علمته سلفاً، هذه جولتك لإكتشاف معاني جديدة عن الحب، وكل ما عليك فعله الآن هو الإنصات و التأمل بقلبك، هيا لنذهب.

هذا القلب الذي تحمله بداخل قفص عظمي متراص، أخبروك منذ أن أصبحت بالمرحلة التناسلية (سن البلوغ)، أن عمله ينحصر في كونه مضخة للدم، تفرغه سرعان ما تتمتلئ به، وأنه عضو وظيفي كسائر الأعضاء، أخبروك بتقشف، إرتباك، ريب وأنانية و ملامح الخجل ترتسم على وجوههم كأنهم قد إقترفوا ذنبا شنيعاً، أن القلب قد يكون منبع الإحساس بالحب و مشاعر آخرى من طينه، وأن القلب يستحال له أن يتميز بالتعقل والإدراك وإنما هذا من خصال العقل، وأنك إذا أحببت ستشقى و تتعذب و يمرض قلبك.

أحياناً نحن نتوهم المرض ونعيش خيالات تسبح في الخيال، نصبح معتلين دون عدوى الحب، نعيش إكتئابا خططنا لنموه بداخلنا عن طريق إحساس مغلوط أو منعدم الوجود. دعني أقوم بتصحيح ما قالوا، لأقول أنهم قيدوك بمفاهيم و معتقدات جلها متضاربة وليست كاملة وبعضها خاطئ. نعم أعترف بالعلم أن القلب مضغة تسقي الجذور المتفرعة في أنحاء الجسد و تمده بالحياة، وأنه عضو حيوي كالرئة، الدماغ و الكبد...، لكن كفانا نربط الصواب بالعقل و الخطأ بالقلب، إن هذا الأخير لا يقتصر دوره في تحقيق التوازن الجسدي بل حتى في تحقيق التوازن النفسي، لأن القلب في الدين الإسلامي هو موضع الوجدان و العقيدة والعقل، قال الله تعالى:" أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها" [سورة الحج، الآية 46]، لهذا يجب تصحيح بعض المعارف من قبل أن القلب سفيه و مشاعره ليست سوى ضرب من الجنون.

بين القرآن الكريم في آيات كثيرة حقيقة القلب، و ميزه بالتعقل والبصيرة و الإدراك، فكان الفؤاد فيه محل رؤية الحق، والشغاف فيه مقر محبة الخلق، لقوله جل جلاله: "قد شغفها حباً" [سورة يوسف، الآية 30]، هذا التميز من حيث المراتب جميل جداً، و إتصاف القلب بالتقلب شيء جميل قليلاً، فقد نقول أن الصراع الحقيقي لا يكون بين العقل و القلب بل بين القلب وذاته، فهناك تعقل وهناك تقلب، لكن التقلب ناتج عن أهواء النفس ورغباتها. ثم إن كان العقل المستقر بالجمجمة أشد صواباً من القلب لما قال العليم الحكيم: " يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم" [ سورة الشعراء، الآية 89]، هذه الآية تجزم بقيمة القلب العظيمة عند الله، لأن بصيرة الفؤاد أشد فطنة وحكمة من منطق العقل، و إلا لماذا كرر الله في كتابه آيات تربط القلب بالإدراك و الفهم، و التكرار يراد به التأكيد و ترسيخ المفاهيم.

إن ديننا هو دين حب، و الله لم يخلق عضواً فريداً كالقلب عبثا، ولم يودع فيه إحساساً كالحب مشقة وعناء للناس، بل ليبين لنا أن الحب منبثق من قلب عاقل رزين، إن الله ربط الإيمان بالحب، و كان أول من يصرح بحبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله إذا أحب عبداً، دعا جبريل، فقال: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، قال فيحبه جبريل، ثم يوضع له القبول في الأرض"، فكيف إذاً يكون الحب مجرد وهم وشعور ذنيء و إحساس مستمر بإقتراف خطيئة كبرى، إذا كان الله خلقه فرفع شأنه، وهنالك الكثير من الآيات التي وردت فيها هذه الجملة " إن الله يحب... "، إذاً لما علينا أن نستخف به ونصنفه على أنه نكرة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا"، هل هناك من الخلق أشد صدقا من رسول الله، لقد أقسم على أن الفوز بالآخرة يتحقق بالإيمان القائم على المحبة. 

الحب هو القوة الدافعة للحياة، فعندما تحب تصبح إنساناً عظيماً وصاحب هدف، إن لم تحب سترى السوء في كل مكان تحل فيه، وفي كل شخص تصادفه وكل زمن يمر عليك ستحس بثقله ويختنق العالم بصدرك، كأنك على حلبة المصارعة مع ذاتك ومع الكل، لكن الحب يجعل لك دوافعاً في الحياة وتصبح شخصاً متوازنا نفسيا وعاطفيا، فأينما وليت وجهك ترى الجمال، لكن هذا يتحقق عندما تدرك معنى الحب الصحيح، فليس كل ما يحبه المرء نلبسه رداء الحب. إن التراكم الحاصل في مفاهيم الحب من أطروحات فلسفية، دراسات علمية لامتناهية، كتب تحليلية، قصص سردية وأشعار...، كل هذا لم يعطي تعريفاً دقيقاً للحب، بل تعددت مواصفاته دون جدوى، فلا تغرنك كثرة الشعارات الهاتفة بالحب فأغلبها مزيفة ومصطنعة، فها هو العالم كله يبدو وكأنه يسقى من شراب الكراهية والبغض، الكراهية تتوالد مع كل رضيع حديث، والرغبات والشهوات تزداد يوما بعد يوم، و الحب يموت مع كل مسن عتيق.

الحب النابع من القلب أي الحب الخالص، هو حب متعلق بالله، و عندما نحب، فإننا نحب في الله حتى و إن ذهب الحبيب لا نتيه ولا نعتل ولا نفقد الأمل في الحياة، لأن الحب رزق من الله، والذي يعطيك يأخذ منك عندما يرى أن نفسك ستهلكك، و أكبر عدو للإنسان نفسه. فلا تخشى الحب، فقط إحرص على ألا يمتزج مع شهوات النفس، فالرغبة في الشيء لا تعني دائما حب الشيء. فعلى سبيل المثال عند أخذك للمخدرات فأنت ترغب في تخدير عقلك عن التفكير وقلبك عن الاحساس فتحس بمتعة كبيرة، هذه المتعة تنتهي فور إشباع رغبتك، أنت في قرارة نفسك لا تحب المخدرات لأنها تضر بصحتك، ثم يأتيك في بعض الأحيان تأنيب الضمير و لا يتحقق عندك الرضى التام، و هذا يحدث أيضاً عندما تقوم بعلاقة حميمية مع فتاة تشبع غرائزك الجنسية بشكل يجعلك تعتقد أن ماتفعله ناتج عن الحب، لكن هذا الحب يندمل سرعان ما تنطفئ رغبتك في جسد الفتاة، عندما تكون وإياها أنت لا تلاحظ شخصيتها و نموها الفكري ولا خوالجها، ولا كيف تتعامل مع موضوع ما، وهل هي تمتاز بأخلاق نبيلة. كل ما يشغل تفكيرك هو كيف تكوِّن قنطرة للوصول إلى تقاسيم جسدها و تتغزل بمفاتنها، الشيء نفسه ينطبق على الأنثى، تلبية غريزتها الجنسية بطريقة ترضاها يجعلها في مأزق لا مفر منه إلا إليه، لكن تميز الأنثى كما هو معروف بالعاطفة الزائدة يضيف شيئاً من الوقود إلى الحطب المشتعل، فإختلاط المشاعر الداخلية المترتبة عن إشباع رغبة جنسية يؤدي إلى إيقاظ عاطفة مضطربة، تتفاقم لتعطي محلولا مركزاً يدعى بالحب، لكنه ليس سوى إستجابة فعلية لتلبية حاجة بيولوجية.

إن الحب إحساس مستمر بدون أسباب و شعور سامي و سموه لا يعلقه بأفعال غير أخلاقية وغير لائقة بما جاء به ديننا الحنيف. إن الحب بين المرأة و الرجل ليس سوى غرفة واحدة من هذا النهر، و إن إغترفت منه برميلا لن ينفذ، الحب حق الكل لكل شيء جيد و كل هدف يستحق وكل شخص صالح وكل مكان جميل وكل زمن رائع، فإن أحب الشخص دينه كان ملتزماً به و متخلقاً بأخلاقه، وإن أحب والديه لا ينكر فضلهما، وإن أحب عمله يتقنه و إن أحب زوجته يخلص لها وإن أحب وطنه لا يخونه... .

     دع قلبك يا صديقي يعرف الطريق الصحيح لهذا الموطن الساحر المشرق، إزرع بأرض قلبك حبة حب ودعها تنبت سنبلة ثم إنثر بدور السنبلة تعطيك سنابلاً حتى تصير غنياً، فالحب ليس نزوات مريضة ولا فترات عابرة تعاش، الحب إستمرار للحياة، إحتواء لشخص ما، تضحية من أجل حلم، عطاء بلا مقابل، شجاعة كبيرة، رقي أخلاقي باهر، غيرة متوقدة، وثقة قوية، فهو يلغي الفوارق الاجتماعية، العادات والأعراف، المسافات والحدود، الأشكال والألوان... لاشيء يعيق مجراه، كواد يجرف بطريقه كل شيء يعيقه.

اليوم لا تخجل من حبك، بل أطلق سراح ذاك المعتقل بقلبك، فالعيب لم يكن أبداً في كوننا نحب بل في كوننا لم نعلم معنى الحب و كيف سنحب، فيظل الحب فينا خائفا مرتبكاً، لا يعلم حقيقته هل هو فضيلة أم رذيلة.

الحب يرفعك درجات عند الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، إن لله عزوجل عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على منازلهم وقربهم من الله"، فسأله أحدهم فقال: من هم يا رسول الله؟، فقال صلى الله عليه وسلم: " هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نوراً وثيابهم نوراً، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، أحبَّ وأحبِّ في الله و إمضي قُدماً، أحبَّ وأحبِّ من يعيدك لنفسك و يملأ روحك بالفرح، أحبِّ و أحبِّ من يجعلك ترتقي بأخلاقك و يحب لك الخير كحبه لنفسه ولأهله، أحبِّ من يطرق الباب لأجلكِ إبتغاء مرضاة الله، فوالله من يحبكِ لن يختلق أعذاراً، ومن يريدكِ يعلم جيداً طريقه إليكِ، والذي بنفسه علة يكون حبه كعلته، الإنسان المنافق حبه منافق والكاذب حبه كاذب و الجبان حبه جبان، لكن الصالح حبه صالح وثابت.

الحياة تذبل فينا و ماتت اللحظات السعيدة قبل أن نعرفها، بسبب أناس لا يكفون عن ترويج المعتقدات الخاطئة، وبسبب أناس يدعون الحب ماكرين، ويظهرون غير ما تبطن قلوبهم. نحن بحاجة إلى إحياء البهجة والسرور بقلوبنا المنطفئة، والدين غني بفيتامينات السعادة و الحب واحد منها، وتذكر أن الحب كرحلة هذا القارب، إنها مجانية وهادئة ومريحة، فدعونا نحظى بالمزيد من الرحلات المجانية. الآن إنتهت رحلتك. أحدهم ينتظر هناك، حان وقت فرصته.

أيا سيدي عد، فقد نسيت عقلك لم تأخذه، أظن أنه لم يعد بحاجته، آه! إنه الحب، هيا بنا سيدتي لنذهب. 



  • حياة سحيت
    حياة سحيت من المغرب، موجزة بشعبة العلوم الاحيائية التطبيقية، و مدونة مقالات وكاتبة في مجال القصة القصيرة وشاعرة هاوية.
   نشر في 22 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 05 نونبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا