خلق الرحمة: الإنسان قضيّتي الأولى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

خلق الرحمة: الإنسان قضيّتي الأولى

خلق الرّحمة

  نشر في 20 أكتوبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 22 فبراير 2016 .

   منذ الطفولة المبكّرة، وعبر مختلف مراحلنا العمريّة الموالية، يتمّ حشونا بأفكار وقناعات متعلّقة بالقضايا الرئيسيّة التي على الواحد منّا أن يتبنّاها في حياته حتى ينعَم برغد العيش و"السعادة" و"النجاح"، ومشتقّاتها من القناعات المُجَرَّدَة التي تتخذ من خصوصية تجربة كلّ شخص منّا معنىَ خاصّاَ مختلفاَ.

كان أبي رحمة الله عليه، فلاّحاً بسيطاً، يعمل في حقول أحد مُلاَّكِ الأراضي الزراعيّة من أهل قريته مقابل خُمُسِ المحصول، قبل أن يلتحق بالخدمة العسكرية الإجبارية قصد تعزيز صفوف الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية. كان منتهى طموحه أن أتخرّجَ مُعلِّماً، فما يلبث (ابتداءً من سن السّابعة، أولى سنوات دراستي الابتدائية) في كلّ مرّة تسنح له الفرصة أن يذكّرني بأمنيّته وهو يطليها في مخيّلتي ويزيّنها بكل الألوان الزاهية الجاذبة للانتباه. ما أستغربه الآن، وأنا أستعيد بعض مشاهد تلكم الحوارات التي جمعتني به، رحمة الله عليه، وهو يوصيني بأهميّة مستقبلي واستقراري المهني بعد تحصيلي شهادة الباكالوريا والتحاقي بمركز تكوين المعلّمين والمعلّمات، تساؤلي وأنا إبن العاشرة في:

 مدى أحقيّة أن يفرض إنسان على آخر السّعي لتحقيق حُلُم خاصٍّ به هو، مهما كان رابط القرابة وطيداً بينهما !

أو ليس لكلّ إنسان أحلامه الخاصّة به، مهما ظهر فيها من تفاهة ونقص في نظر الغير ؟

أو ليس لكلّ منّا قلب يرشده لطبيعة الرسالة التي جاء لأدائها على وجه هذا الكوكب !

أتذكّر جيّداً، آنئذٍ وطوال فترة ما ينعتوه بسنّ المراهقة، كلّما تلقّيتُ قصفاً بالنّصح والتوجيه فيما يتعلّق بمستقبلي وما ينبغي عليّ أن أكون عليه وأن أتشبّث به من حلم، أكتفي بالابتسام، وبداخلي صوت يردّد: " أفتوا كما شئتم .. لكم حلمكم ولي أحلامي ! ". بعدها، وخلال السنوات الأربعة عشر الموالية من الدراسة الأكاديمية، تحتكّ بأقرانك وأنت محمّل بتجارب الطفولة المنقوشة بقوّة المشاعر، المرافقة لها، بداخلك. كلّ وما أُقنِعَ به من حلم، وقلّة قليلة جداًّ كانت تعرف ما تريد ويتماشى مع ميولها، وطبيعة تكوينها. الجميل في معاشرة الأقران، أنّك تنفتح على أحلام كثيرة ومختلفة، منها ما تضعه في خانة التّافه ومنها المُبهِر ومنها ما لا ينتمي لا إلى هذه ولا إلى تلك.

لتأتي مرحلة ولوجي سوق الشّغل، واشتغالي في أكثر من منصب بأكثر من مجال وتخصّص، على مدى الثمان سنوات الأخيرة. خلال هذه الفترة تتجلّى لك قناعات البشر ممّن تجمعك بهم صلة مهنيّة أو شبه مهنيّة أو فئة تنتمي لشريحة من المجتمع سنحت لك الفرصة أن تراقب تصرّفاتهم في مواقف مختلفة. لتكتشف واحداً من أعظم الاكتشافات (في نظري على الأقلّ) تعكسه أنماط عيش النّاس، ألا وهو: سخافة أغلب القضايا التي يعيشون لأجلها؛ إن بوعي منهم أو بدونه !

أغلب الناس، ممّن عرفتهم، قناعاتهم خَطِّيَّة توازي مسار حياتهم من حيث كمّ اللحظات، الساعات، الأيام المعاشة. خطّيّة، بمعنى توالي وتراتبيّة على خطّ الزمن في ما يخصّ الإنجازات؛ من: دراسة – عمل – تكوين أسرة – إنجاب أبناء – تربيّتهم – استقلال الأبناء – تقاعد – بحث عن استقرار نفسي – انتظار انتهاء التجربة البشرية. ثُلَّة نادرة جداًّ وجدتها تركّز على "الكيف" و"جودة الحياة" وتتبنّى قناعات تجاري نظام وقوانين الحياة المتّزنة والمتطوّرة في تغيّرها المستمرّ. على مدار السنوات المذكورة تعرّفتُ على أناس كان شغلهم الشّاغل تشكيل الثّروة باعتبارها تكديس للأموال في الحسابات البنكية وامتلاك للعقارات والأشياء ذات قيمة مادية، ظنّاً منهم أنّ الزيّادة في الامتلاك تحقّق الأمان ممّا ينعته جلّهم بـ "غدر الزّمان". كما عاشرت من الذّكور من كان همّه الوحيد وشغله الشّاغل بناء جسمه، بفتل عضلاته، من خلال ساعات طويلة يقضيها في أداء التمّارين اليوميّة، في حين يعيش ويأكل من عرق مُعِيلٍ له من عائلته. تطول اللائحة وتختلف مشارب كلّ من مرّوا بي، لكنّي أجزم يقيناً أنّ لكلّ منظومة من المتغيّرات، تتجلّى في حياتهم بشكل متواصل، هدفها الرّئيس الرّقيّ بالشّخص من ضيق الرؤية للذّات والأحداث، للمحيط والأشخاص، للظّواهر والعلاقات؛ إلى شساعة الفهم والاستيعاب لِكُنهِ وجَوهَرِ ما نَنَعَتُهُ بـ: "الحياة".

أقف اليوم لأتأمّل ما مرّ بي من أشخاص وأحداث، وفي ذات الوقت أوجّه نظري للدّاخل حتى أكتشف القيمة الكبرى التي اعتلت مصفوفة قيمي خلال ما يربو عن ثلاثة عقود من العمر. وأنا بين يدي سفري الأثيري ذاك، توالت أمام عيني مشاهد؛ "بسمة الرضّى" لمّا استشعرت حجم سعادة أحد عمّال النّظافة بالحي الذي سنكته بالدار البيضاء، حين قدّمتُ له مبلغاُ محترماً كهديّة، بعد أول أجرة أحصل عليها. "دمعتي" حين فارقنا والدي على بغتة إلى العالم الآخر، وأنا بسنتي الأخيرة من المرحلة الثّانوية. "كآبتي" وأنا أحمل همّ عيش أختي وأمّي في سنتي الجامعيّة الأولى، ولم يترك الوالد إلا معاشاً هزيلاً لا يسدّ حتّى مصاريف فاتورتي الماء والكهرباء. "وحدتي" حين بِتُّ ليلة كاملة على شاطئ مدينة طنجة، فارشاً الأرض ومُلتَحِفاً السّماء، وفي جيبي درهمان، لا غير، (اشتريت بهما "حرشة" سدَّت شيئاً من رمقي صباح اليوم الموالي) وحقيبة ملأى بسلعة ثالث رحلاتي التّجاريّة داخل الوطن. "محنتي" حين طلبت من أخي الأكبر سلفاً بقيمة مائتي درهم لاستكمال واجب كراء أحد أَشهُرِ سنتي الجامعية الثانية، ليتأخر في الردّ أسبوعاً بِطُولِهِ ثمّ يُرسِلَ لي نصف المبلغ المطلوب. "سعادتي" وأنا أمتطي ظهر الحصان لأوّل مرّة بمزرعة جدّي، رحمه الله، والألفة التّي جمعتني به كأني خبير بالفروسيّة. "قهقهتي" حين ينطق جارنا الأمازيغي "عمّي محمد" بكلمة "مشاع الله" قاصداً بها "إن شاء الله". "غبطتي" و"امتلائي الروحي"، في طفولتي، حين كانت أمّي تغنّي لي أغنية حفل عقيقة الملك محمد السّادس: " السي محمد يا المير يا بو جلاّب أحرير .. واللّي ما يبغيك أ المير تصبح دارو خاوية " ( محمد أيّها الأمير يا صاحب الجلباب الحريري .. من يكرهك يا أمير يضحى بيته فارغاً). "شفقتي" على جارتنا "خالتي ماما" التي ابتُلِيَت بابن سكّير يضربها إن هي بخلت عليه أو لم تجد ما تناوله إياه ليشري خمرته اليوميّة. "تعاطفي" مع صديق وابن قرية أبي "عمّي العياشي" الذي يرى فيّ الإبن الصّالح ويتحسّر على مصير ابنه بعدما جُنَّ من كثرة تناوله لمخدّر الشيرا. "تقديري" لمشاعر العطف والأمومة التي حفّتني بهما جارتنا "خالتي رابحة" وأنا طفل أتكلّم بالرّاء على منوال نطق "أهل فاس" حين أجلب لها الغطاء الحديدي لمشروب كوكا كولا وأسألها "واش رابحة هادي أ خالتي رابحة ؟" (هل يحتوي هذا الغطاء على "الشّكل" الرابح في المسابقة يا خالتي رابحة ؟) فلا تفهمني وتتمتم بلكنة أمازيغ الأطلس المتوسّط قائلةَ: " أويهانو مايدايتيني وا .. ! " (" يا إلاهي .. ماذا يقول هذا الطفل الشّقيّ .. ! "). "فيض الطاقة" الذي يعتريني بعد مباراة المصارعة الحرّة الأخيرة التّي جمعت النّمر المقنّع بالعضّاض. "فرحتي" حين كانت تتغيّب "المعلّمة ربيعة"، معلمتي اللغة العربية في الصّفّ الابتدائي الرابع، لكثرة تربّصها بي لمعاقبتي إن أخطأت في الإعراب وقواعد النّحو. "إحساسي بالفخر" حين أثنى عليّ أستاذي في مادّة العلوم الفيزيائية بسنتي الثانوية الأولى لسرعة حسابي الذّهنيّ، دون الحاجة لاستعمال الآلة الحاسبة.

تجتمع هذه الذكريات وتتناثر أمام ناظري، لتخبرني كم كنت ولا زلت أقدّر "الإنسان" الكامن في كلّ بشريّ منّا، بصيغة مجرّدة عن كل الصّفات، بعيدة عن الأنساب والمراكز الاجتماعية والشواهد الأكاديمية.

تعلّمت أن:

أعامل عامل النظافة بنفس الاحترام الذي أعامل به مديري في العمل وربّما أكثر،

أتعاطف مع بائع الخضر والفواكه المتنقّل وأبتسم في وجهه وأنا أحكي له طُرفَة؛ أكثر مما أفعل مع بقّال الحي،

ألاَ أدير ظهري لمعدمٍ مدّ يده وعيناه في الأرض؛ خجلاً ممّا آل إليه حاله، حتّى ولو اضطررت لاقتسام رغيفي الوحيد معه.

باختصار، تعلّمتُ أن "الرّحمة" بأخي "الإنسان" مهما كان معتقده، جنسه، لونه، مكانته، مقامه؛ من أنبل ما يمكن أن أتقاسمه معه خلال المتبقّي من رحلتي على هذا الكوكب الجميل.


  • 10

   نشر في 20 أكتوبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 22 فبراير 2016 .

التعليقات

لو إحترم كُلّ واحد منّا نفخة الّروح الإلهية في كُلّ إنسان مهما كان جنسه و معتقده ،لدخلنا جنّة الأرض قبل جنة السّماء.مقال رائع يفيض إنسانية ،كثّر اللّه من أمثالك
0
Mohamed Boumediene
مشكورة لالّة خديجة :)
Fatiha Sibt منذ 1 سنة
حياك الله محمد، اسلوب جميل،نعم الانسان انت.
0
Mohamed Boumediene
شكراً لك لالة فتيحة :)
M.Logos منذ 1 سنة
مقال فيّاض بالمشاعر الإنسانية البسيطة في شكلها وعميقة في معانيها
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا