أسئلة المساء..ما فعله المستحيل بـ"الممكن" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أسئلة المساء..ما فعله المستحيل بـ"الممكن"

عبدالوهاب شعبان

  نشر في 18 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 01 ديسمبر 2018 .

لم يعلمنا الأساتذة شيئًا عن مقاومة الإحساس بالعجز، ولا آباؤنا، تركونا للمواجهة.

(1)

صباح الخير أيها الغائب:

هذه أسئلة حطت على رأسي قبيل نوم أتوسله كل مساء، وأتوسلها أن تتوقف، مبدؤها بك، ومنتهاها إليك، وغايتها الوصول، وباعثها الفضول..

-لماذا لم نترك أبرياء؟، لماذا لم يبرأ الأنقياء؟، ماهو ربيع العمر بالضبط ؟..وما مقاييسه؟ السن؟ حياة الأبوين؟ التحقق؟ الحب؟ الأنس بالأصدقاء؟ البراءة؟ الوفاء؟ إدراك الطموح؟...(كيف يمكن تصنيف هذا الربيع ؟)..

(لا تذهب الحيرة إلا باثنتين، حكمة الفراق، وفجأة العناق)..

(2)

ما بعد الأسئلة، ما قبل الغياب، مؤجلات العذاب.

ملّ الأصدقاء ما يكتب من سرديات الأسى، واشتهاء اللقاء، والعزف على وتر غربة الروح المتهالك، وهذه الأسئلة صارت محرمة، لاجدوى من تكرارها إلا في دواخلنا التي أوشكت على الانفجار، وكلما قلت لهذه الناضجة الواثقة (متى هو ؟)، ألقت ابتسامتها وقالت: في الآخرة إن شاء الله..

أعود إليك، لا قميص ألقيه على وجهي، ولاتغيب رائحتك، وابتهل فلا تصعد كلماتي سقف الغرفة، فضلًا عن سماوات الله التي تئن بشكاوي المظلومين، وأطرح ما كتبت لك في الفضاء، لا أنت تسمعني، ولا أنا بالغ مداك، ولا أمانيّ رؤياك.

فلماذا إذن نلتقي، نتعلق، تذوب أرواحنا، ثم تشطر نصفين بيد غليظة ؟

(3)

إذا كانت عينا نبيّ الله يعقوب (الواثق بمقادير ربه) ابيّضت من الحزن، فماذا عمن لم يُنبَأ، ولا وحي لديه ؟

ارسم على ورقة بيضاء جدارًا عازلًا، ويدين تسعيان إلى فتح نافذة، يستغرق الأمر وقتًا طويلًا رغم كونه خيالًا، فاضطر مرغمًا رسم وجهك، اتأمله، وانصرف عن الجدار الصلب المرسوم، رمزية الحجب مؤلمة حتى في خيالاتنا، كل هذا العجز تراكم بفعل بسط الأمنيات، واعتياد الأمل؟، لما ركنت إلى اليأس كخيار آمن، وجدت عنده عجزًا أثقل من سابقه.

ما حيلة العاجز ياصديقي؟، الدعاء؟، الرجاء؟، العدمية العرجاء؟، حتى إذا كانت الإجابة واحدة من هؤلاء، فأين اليقين؟..ومن يوقف جريان السنين؟

(4)

- كل آتٍ قريب (هذه قاعدة يستحيل معها السؤال بـ "متى").

الحزن ليس خيارًا ضمن خيارات حياتية مطروحة، إنّه حالة مفروضة بـ"غياب" الأحبة، لم يُعاتب عليها "يعقوب النبيّ" رغم مضيّ سنوات متعاقبات، فلماذا نعاقب عليه الآن ؟.

ما الحزن إلا "سيّد البلاغة" يهذّب اللغة، ويطوّع مفرداتها، فتسيل على جانبي الهمّ معان رقيقة، وعبارات أنيقة.

(5)

أيهما يسبب الآخر (العجز يسبب الحزن، أم العكس)؟..لا تتوقف الأسئلة إطلاقًا..

في طفولتنا كنّا نلوذ بالبكاء في الحالتين، فيأخذ الآباء بأيدينا في العجز، ويمحى أثره تمامًا، كأن العجز لا يكون إلا عند فقدان السند، أما في الحزن بصفته فعل قلبي يظهر بعفوية بالغة على ملامحنا، فإنّه يراوح بين التسلي بالموجود عن المفقود، يروح، ويجيء بتجدد الذكرى..

وليتك تدري أن غيابك هذا أسقطني في غيابة الإثنين معًا، حزن لفقدك، وعجز عن مواجهته..

(6)

ربّ أب لك لم تلده جدّتك-(يعرف هذا المعنى من عانقوا اليُتم في طفولتهم، وساقتهم أقدارهم إلى ملاذ رحيم).

و"الأبوّة" ليست اسمَا مضافًا في أوراق رسمية لإثبات النسب، إنّها حالة وجدانية استثنائية يصعب تفسيرها، جسد من جسد، وكلاهما مرتبطان بعلاقة طردية، كلما زاد جفاء الإبن، رق قلب الأب، وقدّم الاحتواء على الإقصاء، والإيواء على الهجر.

أثبتت التجربة أن بعض الناس يولد "مرتين"، هذا يعني أن بعضهم قد يتذوق "اليتم" مرة أخرى بعد ولادته الثانية.

(7)

كلما دعوت لك(بالعودة سالمًا)، تقول صديقتي: الغائب لا يمكن أن يعود كذلك.

ولما أضع رأسي بين يداي مستغرقًا في عبارتها اتساءل: لماذا لا أرى كوكبًا مثلما رأى يوسف؟، إنه في المحنة (أوى إليه أخاه)، وفي اللقاء(رفع أبويه على العرش).

معظم الغائبين في القصص الأسطورية عادوا سالمين، الغياب الوحيد الذي لا سلامة معه هو غياب اليقين، ولا يقين لعاجز.

والعجز هو جلاء الممكن –كل الممكن-لتوطين المستحيل.

(8)

لست أدري أينّا يمكنه العودة أولًا(من العجز، أوالحجز)، بأيّنا العائد، سيعود الآخر.

وحين تتوقف الأسئلة المتصارعة في المساء، ربما نكون على مشارف اللقاء.

انتظرك في براحٍ "عادل"، لا يضيق بـ"صبري".

يا صديقي.


  • 6

  • عبدالوهاب شعبان
    حاصل على جائزة مصطفى وعلي أمين في القصة الإنسانية عام 2017.... حاصل على جائزة نقابة الصحفيين في التغطية الميدانية عام 2014
   نشر في 18 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 01 ديسمبر 2018 .

التعليقات

سارة نور منذ 1 شهر
أشاطرك أفكارك يا أستاذنا و مشاعرك حيال الأستاذ و الوالد عادل صبري ، و لا نمل أبدا من كلماتك الرقيقة المعبرة
3
عبدالوهاب شعبان
ربنا يكرمك يا سارة، شكرًا لاهتمامك
Wafa Leghribi منذ 1 شهر
فلماذا إذن نلتقي، نتعلق، تذوب أرواحنا، ثم تشطر نصفين بيد غليظة ؟.جميلة.
2
عبدالوهاب شعبان
عيناك هما الجميلتان يا أستاذة
Wafa Leghribi
شكرا للباقتك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا