تٓجسّسوا !! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تٓجسّسوا !!

حالة من هوس

  نشر في 13 فبراير 2016 .

للمعلومة والخبَر مكانة عالية في إقامة درعٍ واقٍ ضدّ المستجدّات غير المرغوبة أو المستحدثات المشبوهة ، ويتفاوَت الباحثون عن هذه الخيوط والحِبَال من الأحاديث والمعطيات المعلوماتية في طُرِق الحصول عليها أو الاستماع لها عبر قنوات أو وسائل ممنوعة في الأصل مسموحٌ بها في أرض الواقع عالمياً ومحلّياً ..

والنظريّة الأخيرة في الدّولة الحديثة بعد سقوط حصون الخلافة والامبراطوريّات يُحَتّمُ على الحكام والقادة أن ينشئوا أجهزةً ودواوينَ خاصّة لجلب هذه المعلومات والأخبار وإفراغها في صفائح الأرشفة والتخزين والربط بينها للانقضاض على أصحابها أو من يرد اسمه أو وصفه أو شبيه به في جزء من هذه الأخبار وهو متلبّس بما نُقَلَ عنه على ألسنة الجواسيس والمخبرين ..

لذلك يُعتبَر مفهوم المخابرات أو الاستخبارات مغرقاً في التعقيد والأهمية في نفس الوقت لدى السياسيين والسّائسين دولاً وشخصيات ، في حين أن مفهوم المباحث أو البحث الجنائي والشرطي يقترب من ذلك حثيثاً عندَ منفذي القانون والعاملين في مجال المحافظة على الأمن ، وتأتي الدبلوماسيّة المتمثلة في سفارات الحكومات وقنصليّاتها لدى الغير مظنّة لكثير من الريبة والشك في مصطلح المراقبة والتجسّس ..

والقضيّة المزمنة في تلميحي لهذا المنحى هي هوَس الإجراءات النظاميّة بأجهزتها للحصول على معلومات دون تصريح من صاحب الشأن الذي في الأصل هو إنسان كامل الأهلية للمحافظة على مقتنياته الشخصية من أخبار تخصّه دون غيره ، ومع ذلك الأصل الذي ترفع مواثيق حقوق الإنسان والهيئات الأمميّة شعارَه ومكانتَه إلا أنّ الظروف ـ كما يقولون ـ قد تلزم القوانين بسنّ مخارجَ تُخوّل للدولة كسر حاجز الخصوصيّة هذا ..

ومضى زمنٌ بعيد على خوفٍ استحْكَمَ من قلوب الناس وتفكيرها عند حديثهم أو كلامهم أو حتى إقدامهم على أية خطوة للأمام نتيجةَ ما زخَرت به تلك الحقب الماضية من مرافقة المُخبرين للشعوب في البأساء والضرّاء والسرّاء وفي النوم والاستيقاظ والخلوة والإنجاب ، وصارَ الشك هو أساس الاختبار لكلّ من نلتقي بهم أو نقابلهم أو يعرضون خدماتهم أو صداقتهم أو حبهم ..

اليوم وضمن إفرازات التفاعلات المنصرمة بهذه الطريقة المبغوضة والمفروضة سارَ الفرد نحوَ تقديم المعلومة طائعاً مختاراً دونَ أن يكلّفَ أجهزة البحث أو الاستخبارات وقتاً أو جهداً أو ذكاءً لمعرفة ما يدور في بيته أو عمله أو خاطره ، فقطَع الطريق الطويل الذي كانَ يعيش منه كثير من العاملين سرّاً وجهراً في هذا المجال ، ومع ذلك بقيت مؤسّسات هذه الأغراض قائمة متضخّمة دون عمل مضني سبقتها فيه مثيلاتها ..

ولا تخلو مهمة يقوم بها الإنسان اليوم عملياً أو معنوياً من معلومات مسبّقة يقدّمها عن نفسه تتيح أخباراً مجانية لمن يقرأها أو يطّلع عليها سواء كان يعنيه الأمر أو فضوليّ الاستطلاع ، وهي أيضاً تتيح مساحة عريضة لاستدرار معلومات مستجدّة عن ذات الفرد في المستقبل لمن يدعوه عمله لمزيد من التصنّت أو تتبّع الأخبار من نقطة لأخرى قد لا تنتهي إلا بوفاة الإنسان واستقرار سجلّه في حاسب إدارة الوفيّات ..

لكنّ الطّمع الإنساني في الجديد والفضائح والمعرفة لم يقتصر عند حد المعلومات التي يبذلها الواحد منّا طواعية مفترضاً أن سرّيتها ستكون هي أسلوب التعامل معها عند المسجلين ، بل امتدّ السمّع وتطاولت الآذان لكثير من أساليب التجسّس الحضاري والتكنولوجي شمَل كلّ أعضاء الجسد ومقاصد الحياة ، ليأتي الدور في الحركة المعلوماتيّة للعصر الحديث على تحليل الأخبار والمعطيات وإعطائها شكلاً آخر غيرَ ما هي فيه أصلاً ..

وفي الحقيقة أن ما كانَ آباؤنا وأجدادنا يسمّونه (سِرّاً) في الأزمنة البائدة لم يعد له مكان اليوم تطبيقاً وتصنيفاً سوى ما يحتفظ به القلب ولم تفعله أو تترجمه الجوارح وقليلٌ هوَ ، ومصداق ذلك لو نظرتَ إلى كلّ المعلومات المسجّلة عنك في فروع المؤسّسات الحكوميّة وغير الحكوميّة على مستوى مدينتك الصّغيرة فقط لاكتشفتَ أنّ غسيلك منشور في كلّ سُطوحَات مقارّهم ..

ولو تعقّبتَ كلّ تاريخك الإلكترونيّ في تعاملك مع شبكة الأنترنت بمعلومات صحيحة أو زائفة لعثرتَ على كمٍّ هائل من الأخبار عنكَ وددتَ في هذه اللحظة أن لو لم تكن متوفّرة للغير ، لكن سبَقَ الحفظُ الحذفَ ..

ومن الممكن أستنتاج أن هذا التحوّل المهول في التجسّس الاختياريّ هو ما اهتدى إليه عقل الإنسان الذي يطوّر أجهزة التحكّم ، فاختارَ إغراء جميع بني البشر بأصناف وأشكال وأنواع من وسائل الاتصال والتدوين والتسجيل أرضياً وجوياً وبحرياً حتى تكون المعلومة هي ذاتُ حبّات الأكسوجين الذي نستنشقه صباح مساء ولا تغيب الأخبار لمن يريد أن يعرِف ..

المشكلة في التُّخمة الكاتمة على الأنفاس من أثر البحث والتفتيش عن المعلومات هي ما يسيطر على الفضوليين والمتطفلين من شعور بأهمية غير المهم وخطورة غير الخطير ، فتتولد لديهم قناعات واختيارات بأن الاستفادة من تلك المعلومات واجب إنساني يستخدمونه في أغراض أربكت راحة الإنسان حتّى في غرفة نومه ..  



   نشر في 13 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا