الإشكالية المنهجية في قراءة الحوار الحضاري - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الإشكالية المنهجية في قراءة الحوار الحضاري

  نشر في 26 يوليوز 2017  وآخر تعديل بتاريخ 07 شتنبر 2017 .

       إن من أخطر العيوب التي تواجه الدارس لموضوع الحضارة، هو أن تقدم له دراسات حول حضارة ما، وهي مفككة وممزقة، لا ينظم بين مكوناتها ناظم، ولا يربط بين أجزائها رابط، لأن ذلك من شأنه أن يفقد الحضارة صبغتها الخاصة وهويتها الذاتية، وملامحها المتفردة التي تمنحها الخصوصية التي تميزها عن باقي الحضارات، فتتحول بذلك الدراسة للحضارة إلى مجرد أنشطة ثقافية أو معرفية، ولكنها لن تعكس التصور النهائي لرؤية المنتمين إليها للحياة والعالم والوجود.


      ولعل الخطر الأخر يمكن في مسألة التباس مفهوم الحضارة من حيث ماهيته ودلالاته ومضامينه، وربما يكون السبب الرئيس في هذا الالتباس إنما يرجع إلى طريقة تعاملنا مع المفاهيم. حيث اعتدنا النظر إليها بوصفها معطيات ثابتة أشبه ما تكون بمفاهيم مكتملة. ننظر إليها كمعطى لغوي وقاموسي، وليس كمفهوم تطوري، من حيث كونها ( المفاهيم) هي نتيجة تراكم علائق مفهوميه أخرى أو من حيث كونها خضعت إلى تطورات تداولية مختلفة. << إن المفهوم هو كائن متطور، ومخزون دلالي تاريخاني. إذ اللغة بشكل عام هي وسيلة لتأمل وفاعلية تواصلية متطورة وليست جوهراً توقيفياً مطلقاً. وهذا ما يعني أن مفاهيمنا تعبر عن لحظاتها التاريخية. وإنها بالنتيجة لا نهائية وغير مكتملة.>> (1)


      ولعل الخطر الأكبر من هذا وذاك والذي يواجه الدارس لموضوع الحضارة، هو اعتبار الحضارة كياناً منفرداً معلقاً بالهواء، لا تربطه أية علاقة بالحضارات الأخرى، أو أن ينظر للحضارة في راهنها وفي خصوصيتها فقط، بل لا بد من النظر إليها من خلال ماضيها وحاضرها واستشراف مستقبلها، وأن ينظر إلى الحضارة بوصفها نتاج إنساني لا يختص بعرق أو مجتمع أو أمة بعينها.


      << إن مشكلة كل شعب في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته، ما لم يرتفع إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها>> (2)


      إذاً لعله من المناسب دراسة أية حضارة ضمن مستويين العام والخاص في آن معاً. لأنه على الرغم من أن لكل حضارة خصوصيتها الذاتية وهويتها المتفردة، ولكن بالمقابل تشترك وتلتقي مع الحضارات الإنسانية الأخرى في الكثير من القواسم المشتركة، كما أن كل حضارة تأخذ من الحضارات الأخرى وتعطيها أيضاً. وإذا كان لكل أمة تاريخها، ولكل أمة حضارتها التي نضجت وأينعت ثمارها عبر التاريخ، فإن ذلك لا يلغي أن حضارة كل أمة هي جزء من الحضارة الإنسانية، ولا يلغي كون أن تاريخ كل أمة هو جزء من التاريخ الإنساني، وأن الأمم جميعها، تساهم في صنع التاريخ الإنساني، مما يجعل التاريخ كلياً، فتبدو الحضارة والحال كذلك كأنها شعلة تتناولها المجتمعات الإنسانية وتتداولها فيما بينها على مر التاريخ.


      ولعل من أهم ما يميز الحضارة الغربية اليوم، هو تفوقها على الحضارات الأخرى في منهج الدراسة الحضارية. وربما كانت دراسات الفيلسوف الفرنسي "روجيه غارودي" وأبحاثه ومؤلفاته في موضوع الحضارة من خير الأدلة على ذلك، فقد أدرك "غارودي" خطورة التغاضي عنها، لأنه يدرك طبيعة وخصوصية كل حضارة مع اعتقاده بأهمية التكامل بين الحضارات من خلال الحوار الحضاري الذي يجمع بين العام والخاص ويركز على القواسم المشتركة بين الحضارات ويحترم خصوصية كل منها. وبسبب دراية "غارودي" بطبيعة الحضارات.. كان يدعو للحوار فيما بينها لاعتقاده بإمكانية الحوار الحضاري وضرورته. ومن هنا خلص إلى أن مصير البشرية ومستقبلها يتحدد بنمط المنطق الذي يحكم العلاقة بين الحضارات.


      وإذا أردنا أن نسوق مثالاً على إشكالية العلاقة بين الحضارات، فلعله من المناسب تسليط الضوء على مستقبل العلاقة بين الحضارتين العربية والأوروبية في ضوء فلسفة "روجيه غارودي" وعندها سنجد أنفسنا أمام طرفين يجمعهما الكثير من نقاط الالتقاء، وتفرقهما الكثير من نقاط الاختلاف، فمن جهة الحضارة الأوروبية ـــ بحسب توصيف غارودي ــــ لا تعترف بالآخرين وبحقهم في الاستقلال الحضاري وتصادر أي جهد أو إنجاز حضاري لا يصب في مسارها أو يدور في فلكها، لأنها كما يرى غارودي أحادية النظرة، وتطبق عملياً نظرية إما نحن وإما أنتم أو إما نحن أو لا أحد، وهي بذلك ترفض التعايش المتكافئ وإن اعترفت بالآخرين فإنها تعترف بهم كأطراف وهوامش، في حين أن الحضارة الأوروبية هي الأصل والمركز. وأما من الجهة الأخرى، فإن الحضارة العربية في راهنها قد فقدت دورها الريادي والذي لا يمكن أن تستعيده إلا إذا صنعته بأيدي أبنائها كما فعل أجدادهم ذلك من قبل، فالحضارة لم تكن يوماً معطى مكتمل أو جاهز <<الحضارة لا تشترى من الخارج بعملة أجنبية، غير موجودة في خزينتنا، فهناك قيم أخلاقية، اجتماعية ثقافية لا تستورد وعلى المجتمع الذي يحتاجها أن يلدها>> (3)


      ومن هنا تتضح لنا معوقات الحوار بين الحضارتين العربية والأوروبية وكمخرج لإزالة هذه العوائق كانت دعوة "روجيه غارودي" إلى تحطيم جميع الأصنام التي تعوق الحوار بين الحضارات، فهو يعتقد بأن<< تحطيم الأصنام يقتضي، في جذوره، محاربة صنمية ((الأنا)) وهم ((الأنا)) بأنها تمثل حقيقة مستقلة مركز كل أمر وقياسه: (( صنم كل إنسان كامن في (أناه) الخاصة به)). وذاك لأن (( الأنا)) في الوقت نفسه مستقر ارتباطاتنا ورغباتنا، فهي التي تدخلنا إلى لعبة المبادلات، وحسابات توازن القوة، والترابطات السببية الدنيا التي تتبدى ذات شأن وتأثير بمعدل ما نحمل من وهم يزين لنا بأنها تستمد من ذاتها القوة، والمعنى والقيمة، وحتى حقيقة وجودها.>> (4)


      إن الأوروبيين، حينما يدخلون في حوار مع الآخر، فإنهم يهدفون ــــ في الغالب ـــــ من وراء ذلك إلى تحويل الآخر إلى سوق استهلاكية لمنتجاته الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ومن ثم إعادة تشكيل الآخر الحضاري قيمياً وعقائدياً وسلوكياً، فهم لا يرضون عن الآخر إلا إذا أصبح الآخر كما يريدون هم وليس كما يريد هو. ومن جهة الحضارة العربية، فهي في راهنها مفككة ومجزأة، وهي لم تنجز بديلاً حضارياً عن واقعها الحالي، كما لم تحدد أولوياتها، ولم ترسم تصوراً متكاملاً ومحدداً لمستقبلها.


      و هنا تكمن الصعوبة في الحوار بين الحضارتين العربية والأوروبية؛ فالأولى لم تحدد ماذا تريد، والأخرى تريد ابتلاع الآخر. لقد شخص غارودي الحالة ووضع أيضاً العلاج المناسب لها، والذي يكمن بالآتي: عندما يتعلم الأوروبيون كيف يصغون للآخر ويتعلمون منه ويعاملونه معاملة الند والمكافئ لهم وعندما يصنع العرب البديل الحضاري الذي يريدونه هم، وليس الذي يريده الآخرون لهم بمعنى أن يصنعوا مستقبلهم بأيديهم وليس بأيدي غيرهم، ومن منظورهم وليس من منظور غيرهم.عندها يمكن أن يجري الحوار المثمر والفعال بين الحضارتين العربية والأوروبية من موقع الندية والتكافؤ والوعي بأهمية وضرورة الحوار وعندها ستجني الحضارتين ثمرات الحوار الذي يأتي أكله كل حين. << وهكذا فقط يمكن أن نفتح أفق ثقافة كوكبية، مرسخة عبر اتحاد حقيقي للإنسانية، لا عن طريق تركيبة تلفيقية ، ولكن ثقافة مبنية على مفهوم مغاير لفكر الهيمنة، بحيث تكون تركيبة سيمفونية تعزفها الثقافات المختلفة>> (5)


      ومما تقدم ندرك بوصفنا أبناء الحضارة العربية أهمية قراءة الماضي وفهم الحاضر ورسم تصور للمستقبل قراءة وفهماً وتصوراً قائماً على أسس علمية موضوعية نستقرئ من خلالها قوانين الماضي وعبره وسننه ونفهم حاضرنا وواقعنا بجزئياته وكلياته ونرسم المستقبل بنظرة شاملة متكاملة، فنعطي كل ذي حق حقه بلا إفراط ولا تفريط، فنتعرف على حقيقة الأنا الحضاري العربي، ونتعرف على الآخر الحضاري سواء أكان الآخر أوروبي أم غيره فنعرف، ماذا نريد وماذا نأخذ وما ذا نعطي، عندها يمكن أن نستعيد مكانتنا الحضارية ودورنا الريادي ـ كما تنبأ غارودي وغيره الكثير من المفكرين العرب والأوروبيون وعندها يمكن أن تعم الفائدة و النفع علينا وعلى المجتمعات والحضارات الإنسانية الأخرى.


المراجع:

1: هاني إدريس ، حوار الحضارات: بين أنشودة المثاقفة وصرخة الهامش، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2002م، ص56.

2: مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة: عبد الصبور شاهين وعمر كامل مسقاوي، دار الفكر، دمشق،1979م، ص19.

3: مالك بن نبي، بين التيه والرشاد، دار الفكر، دمشق، 1978م، ص 172.

4: روجيه غارودي، الانقلاب الكبير ، ترجمة: سلمان حرفوش، دار كنعان، دمشق، ط1، 2007م، ص 147.

5: روجيه غارودي، أمريكا طليعة الانحطاط، ترجمة: عمرو زهيري، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1999 م،ص47.


  • 1

   نشر في 26 يوليوز 2017  وآخر تعديل بتاريخ 07 شتنبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا