عيد الأضحى ، من الأسطورة إلى الإبتذال .. بقلم مهدي جعفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عيد الأضحى ، من الأسطورة إلى الإبتذال .. بقلم مهدي جعفر

  نشر في 30 غشت 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 أكتوبر 2017 .

    

   يتجدد الطقس منذ 14 قرنا ، أو ربما أكثر ، حيث يمر في ظروف من البهجة و الفرح ، و إن كانت متسخة بالدماء و الأشلاء و مختلف أنواع الأوساخ ، فذلك لا قيمة له عندما يكون عنفوان الأسطورة متغلغلا في النفوس ، فكغيره من الأديان التي سبقته ، لم يستثني الإسلام الأضحية أو القربان للخالق من عقائده ، إذ ساير نفس الطقس الضارب في القدم ، و الذي مؤداه إهراق الدم تعظيما للآلهة/الإله .

  تحصل المذبحة السنوية في بلاد المسلمين ، انطلاقا من الإيمان بأسطورة ،تفيد : رؤية النبي ابراهيم لنفسه في المنام و هو يسوق إبنه إلى المذبح نزولا عند أمر إلهي ، ذلك ما قام به في اليقضة ، غير أن الله تكرم عليه بكبش عظيم للنحر بدل ابنه اسماعيل . 

  و للإشارة ، فإن القصة لم تبدأ مع ابراهيم كما تحكي اليهودية و بناتها (المسيحية و الإسلام) ، فطقس تقريب القرابين للآلهة تغص به ذاكرة البشرية ، لكن أقرب قوم مارسوا الطقس بخصوصيته الإبراهيمية و ربما عبرهم رآه لأول مرة هذا الرجل الصالح ، هم "الكنعايون" ، حيث تحكي القرائن التاريخية أن إبراهيم عندما حلّ في بلاد الكنعانيين في فلسطين ، عاش معهم ردحا من الزمان اطلع عن كثب على معتقداتهم و طقوسهم الدينية و منها تقديم القربان ، فالشواهد التاريخية تقرر أنّ الكنعانيين كانوا أحياناً يقدّمون أطفالهم كقرابين للآلهة ، و من جهة أخرى كان عشق إبراهيم لله و إيمانه العميق ، يدعوانه لتقديم أعزّ و أغلى ما لديه لله كاعلان عن هذا الحبّ و الولاء و خاصّة بعد ما رزقه الله الولد على كبر سنه ، فكان هذا الهاجس يراوده دائماً في تقديم مثل هذا القربان العظيم ، لأنّه من جهة لا ينبغي له أن يكون أقل حبّاً لله من حبّ المشركين لآلهتهم ، و من جهة أخرى كان يعيش التردد من الإقدام على مثل هذا العمل لمخالفته للقيم الإلهيّة و الأخلاقية ، غير أنه كاد أن يفعلها لو لم يرى بمحاداته كبشا .

  تصادف الدهشة المؤمن بالأسطورة قبل الكافر بها ، فكيف لأب أي يذبح ابنه بهذه الطريقة الإستسلامية لمجرد رؤية أو حلم ، ثم كيف لإله أن يأمر عبدا بالقيام بجريمة في حق طفل لا عهد له بمعصية ، كما يُتساؤل عن جريرة الخروف حتى يدفع ثمن رؤية منامية أبد الدهر ما بقي ؟ 

  ثم كيف لهذا كله أن يتحول إلى "عيد" ، أطواره مستمرة منذ زمن ليس باليسير ، دون قدرة على رفع صوت يكف كارنفال الدم ، فنحن هي الأمة الوحيدة المتبقية التي تحتفل بالنحر في الزمن المعاصر ، و كأننا حفرية تعود لعهد البربرية البائد ! 

  فلو كان كل شخص منا يريد تحقيق ما يشاهده في أحلامه -برعاية إلهية- لما بقية هناك إمكانية للحياة قط ، غير أنه مع ذلك مسألة ذبح شخص واحد ، ربما أحسن ، فماذا كان سيحصل لو حلم ابراهيم بقتل كل الناس ! .. لا داعي للتصور فعند من أوحى له بذلك مفاتيح الغيب و هو على كل شيء قدير .

  ننتقل إلى النظر فيما إذا كانت الظروف في العالم الإسلامي تسمح بالإحتفال بعيد بهذه الطريقة .. إذا تحدثنا من الجانب الأخلاقي العربي ، فالأمر متقبل طبعا عند معظم المسلمين ، خصوصا أنه مرتبط بطقس مقدس ، لكن ماذا عن الجانب الإقتصادي !

  لاداعي إلى التحدث عن نسب الفقر و العجز و الإعالة و عدم وجود استقلالية مادية عند الأفراد في العالم الإسلامي ، فالمسألة مشهور تبعاتها ، بدل ذلك فل نلقي نظرة عن اقتصاد الدول ، فيذكر هنا و فقا لتقرير صادر عن "المؤسسة العربية لضمان الاستثمار و ائتمان الصادرات" لسنة 2016 ، فإن إجمالي الدين الخارجي لـ 20 دولة عربية قفز من 426.4 مليار دولار في العام 2000 ، إلى حوالي 891 مليار دولار العام 2014 ، و نحو  878 مليار دولار العام 2015 ، ثم إلى 923.4 مليار دولار في العام 2016 .

   أي أن الدُّيون الإسلامية تتزاد سنة بعد أخرى بأرقام فلكية ، خصوصا و أن اقتصاد هذه الدول من أكثر الإقتصادات العالمية هشاشة ، ناهيك عن استيرادها تقريبا كل شيء ، من الدبابات و الطائرات إلى معجون الأسنان و الملابس الداخلية ، بمعنى أن حركة الصناعة غاطة في نوم عميق منذ زمن بعيد ، ما يستدعي تغطية الإيرادات كل جوانب الحياة تقريبا ، فالدول العربية و الإسلامية تعتمد على الإستيراد أكثر من التصدير ، بل لا تصدر إلا شيئين اثنين فقط هما : "النفط و الإرهابيين" ، ما يجعل عموما اقتصاد أغلب هذه الدول متأزم . لكن بالمقابل كم تبلغ تكلفة العيد في هذه الدول ؟

  حسب تقرير أفادت به الجريدة الشهيرة "العربي الجديد" حول أسعار الأكباش في الدول العربية ، و من خلال عمليات حسابية بسيطة نجد أن متوسط تكلفة العيد في 11 دولة عربية تبلغ : 80,930 مليار دولار ، هذا فقط ثمن الأضحية دون احتساب باقي أسقاع مناسباتية أخرى حيث يصرف المسلمين المزيد ، إذ بذلك قد يصعد الرقم إلى 100 مليار دولار ، العجيب هو أن هذا الرقم يمكن أن يجمع فقط في مناسبة عيد الأضحى (في بضع أيام) ، فما بالك إلى أي مستوى سيبلغ هذا الرقم لو وجدت مناسبات أخرى ، لذلك فهو معدل مالي كافي على أي حال لتنمية قطاعات ضرورية لهذه الدول ، من شأنها أن تذر أموال طائلة على مسلمين معوزين هم أقرب إلى العيش كالخروف منه إلى الإحتفال بشنقه أو ذبحه .

  قد يعترض معترض من أن هذا الرقم ربما هزيل .. لا نخفي إمكانية ذلك ، خصوصا مع صرف مليارات الدولارات فقط لشراء الأسلحة و تمويل حروب الجماعات المتطرفة من جانب ، أو صرف أموال طائلة على الوزراء و الحكام و سفرياتهم و قصورهم ، فالعالم الإسلامي لم يراوح مكانه بين فكي كماشة فكها العلوي سياسي و التحتي ديني ، فالدين و السياسة يشدان هذه الأمة إلى الخلف و لم تأتي بعد المناسبة إلى انفصالهما إلى الأبد ، كي تتفتق أنفاس جديدة حتى تفوح مرة أخرى نسائم التنوير و الوعي الديني و السياسي و الإجتماعي .

  أما عن تحول هذه الشعيرة إلى الإبتذال ، فيكفي التجول في أزقة و شوارع أحد البلدان الإسلامية في يوم عيد النحر ، حتى تشاهد صورة دراماتيكية تصور فعلا أحوال المسلمين التنظيمية و الأخلاقية ، حيث تصل روائح الدم و الأمعاء الكريهة إلى القمر ، دون الحديث عن البنية التحثية التي لا تستوعب الماء الذي يشفط الدماء و ينظف أطراف الدبيحة ، حيث تغلق أحيانا أو تنفجر المجاري كما حدث في ماليزية السنة الماضية ، فتتحول الشوارع إلى جداول و أودية للدماء ، حيث تتحول المدن في هذه الظروف إلى مسلخ عملاق .

  فلو حلق شخص من كوكب آخر بطائرة في هذا اليوم فوق الوطن العربي لتصور أن المسلمين في حرب أهلية ، إن هم في الواقع إلا محتفلين بأحد أعيادهم المقدسة .

  نضيف تأكيدا لإبتذال هذا اليوم ، إذ يمكن التصريح بأن هذا الطقس مع مرور الزمن ، للأسف ثم إفراغه من مضمونه الروحي و ثم شحنه بمضمون مادي شكلي ، فبدل امتلاء الروح في عيد الأضحى يتم متلئ البطن فقط ، حتى الرسالة التي يصدرها الإسلام المتلخصة في ذبح البهيمة و تقاسمها مع غيرك ، حتى و إن لم تكن تعرفه قط ، فيمكن الجزم بانقراض هذا "الحس التضامني" ، الذي ظهر بدلا عنه "حس تفاخري" ، حيث من يشتري أكبر خروف بأعلى ثمن يحاط بهالة من الوقار و التعظيم لا يستهان بها ، ما يجعل هذه المناسبة من زاوية سوسيولوجية ، مساهمة في إعادة هندسة العلاقات و الأدوار الإجتماعية و إن ظرفيا .

   أخيرا لا يسعنا إلا مباركة هذه المناسبة لكل من يؤمن بها و يمارسها ، كما نحب التوضيح أن كل ما ذكر أعلاه ليس لشيء إلا لإعادة النظر في هذا الطقس من كل الجوانب ، على أمل إدخال على ممارسته قوننة و تنظيما أكثر ، و استعدادا أكثر فعالية ، أو تجاوز العيد إلى صرف تكلفته على مشاريع تنموية من شأنها الدفع بالفقراء خارج دائرة العوز و الفاقة ، فالمساهمة في انعتاق البشر من العجز و الدونية أكبر عيد و مسرة .  












  • 1

   نشر في 30 غشت 2017  وآخر تعديل بتاريخ 31 أكتوبر 2017 .

التعليقات

أقباس فخري منذ 3 شهر
أحييّ جرأتك وأشد على يدك. ومن باب التشجيع والمساعدة على إيصال الكلمة، أحببت أن أترك تعقيباً.
إن كنت أتفق مع ندائك في القسم الآخر من من المقالة، لا يفوتني أن أسجّل ملاحظتين على القسم الأول منها. واعتراضي يقوم على أن تقديم القرابين "قرآنياً" هي شعيرة بدأت مع بدء جنس آدم عليه عليه السلام. إذ قدّم كلّ من ولديه قرباناً إلى الله، فتُقبل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر. وهذا يعني أن الشعيرة كانت معروفة ولم يأت بها إبراهيم عليه السلام فضلاً عن الأقوام التي عاصرته.
ولا يعني هذا نفي احتمال أن يكون الكنعانيون قد أخذوها عن أنبياء بني إسرائيل وليس العكس الذي تفضّلت به. واعلم بُنيّ أن الكنعانيون عاشوا في الأف الأولى قبل الميلاد فيما عاش إبراهيم في زمن ما من الألف الثالثة قبل الميلاد. إي سكن الشام قبل الكنعانيين بعصور. وهذا ينفي بقوة ما جئت به.
الملحوظة الثانية هي إن كان الوثنيون قد استخدموا الشعيرة في عباداتهم فذلك غير كافٍ للإستدلال على أنها شعيرةً وثنية بحتة. فمثلاً الصلاة بمعناها الروحي هو استجلاب للطمأنينة. وهي مطلوبة في المجتمعات كلّها بما فيها الغربية (بصورة تأمل Meditation أو شكر Gratitute) رغم تخلّيها عن العقائد. لكن الوثني يؤديها إلى المجسّمات، فيما يؤديها الموحّد إلى الخالق البديع الذي لا تراه العيون ولكن تبصره القلوب، ولا تتصوره العقول ولكن تهفو إليه الأرواح. فهل يعني ذلك بشكلٍ ما أن الموحدين تعلّموا الصلاة من الوثنيين؟! أو أن الملحدين تعلّموها من الموحّدين؟!
وقد عبّر القرآن عن الغاية السماوية من تقديم القرابين بقوله: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم. وهو يتفق مع ما عبّرت عنه أنت في قولك أن الغاية الروحية تتجلى في إطعام الجياع وكسوتهم حتى يفرح الجميع بمقدم العيد، فلا يكون حكراً على المقتدرين.
ملحوظة سريعة وأخيرة: لم يكن الأمر حلماً، ولو كان كذلك لما أبِه الخليل به، ولما استجاب اسماعيل الغلام لطلب والده بطاعةٍ وتسليم. بل كان وحياً جاء بصورة منام قضّ مضجعه ليالي كثيرة. وقد عبّر عن ذلك إبراهيم في القرآن بقوله: إني أرى في المنام.... ولم يقل رأيت، مثلاً، مرّةً أو مرّتين.
ختاماً سامحني إن أثقلت عليك. فما جذبتي لكتاباتك هو مضمونها الشائق.
1
مهدي جعفر
مرحبا ..
و ملاحظاتك في محلها ، شكرا .

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا