لست مستعدا للحياة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لست مستعدا للحياة

  نشر في 25 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 03 مارس 2020 .

اسعد ايام حياتي كانت يوم ذهبت مع امي للتسجيل في المدرسة،

فرح غامر، غريب يجتاح كياني، و رعشة جديدة في قلبي،

لا زلت اتذكر احتضاني لكيس فيه كتب أولى مراحل الدراسة الابتدائية،

ولا زالت اثار فرحتي حية في قلبي كان ملايين السنين الضوئية التي مرت منذ ذاك التاريخ، لم تمر!

اتذكر كيف كنت احلم بالمدرسة حتى اجيد القراءة و الكتابة و يصبح لدي العديد من الأصدقاء، 

و ماذا سيتمنى طفل وحيد لا يلعب في الشارع و ليس له أقرباء في مثل سنه و لا اصدقاء و لم يذهب إلى رياض الأطفال خوفا عليه من الأمراض و من الأطفال و من المعلمين، 

ماذا يتمنى غير أن يذهب إلى المدرسة و يصبح له دور في المجتمع، 

يصبح أخيرا شخصاً كبيراً ينتمي إلى عالم الكبار الذين نشأ بينهم ،

و هكذا كانت طفولة سعيدة لتلميذ مجتهد و سعيد،

 اذكر أيضا كيف أنهرت من البكاء عندما أكملت دراستي الابتدائية و كيف أحسست باني ساقتلع من جذوري، و لام اجد اثر الفرحة التي شعرت بها من ستة أعوام مضت،

و كان حدسي صحيحا ، 

أول الغيث كان مدرسة كبيرة لم اشعر فيها بالارتياح، نظرات التعالي و الغرور تفوح من عيون الصغيرات الذين يشعرن باهميتهن و انوثتهن أكثر مني، في الوقت الذي لم أغادر فيه طفولتي، كن يتقن لان يصبحن انسات.

قاعات كبيرة ، اشعر بالغربة فيها و لا استطيع ان ارى اللوح بوضوح من حيث أجلس ، 

و ها أنا ارتاد عيادات الاطباء،و ارتدي نظارتي الاولى و أبدأ بالاختباء خلفها إلى الابد،

و اتحمل ما اتحمل من الكلمات الثقيلة التي يستعملها الصغار في الشارع و في المدرسة و في البيت يصفون بها طفلا يرتدي نظارة ، كأنه مخلوق فضائي،

ثم تمرض جدتي و ننتقل بسبب ظروف مرضها إلى بيت آخر لا ارتاح فيه،

و تتفجر في الأسرة بعض الأزمات الاقتصادية، و العائلية،

و يكبر عقلي، و يصغر قلبي، و يضيق عالمي،

و اتشح بسحابة من الكابة و الوجوم،

اكره المدرسة و العن الفقر والمرض و اتوق إلى الحرية،

و في الخامسة عشر يصبح هدفي ان اهاجر و اعمل و ادرس أشياءا احبها 

المواد التي ادرسها لا تهمني، و المدرسة تحكمها المظاهر و المصالح، و العائلة ليست مكانا ارغب بالانتماء اليه،

و اكتشفت ان عالم الكبار بشع و المراهقة صعبة، و انا لا استطيع ان اغادرها إلى الطفولة، و لكني اريد ان اجتازها إلى النضج،

حيث عالمي الخاص و عملي و وحدتي و حريتي و استقلالي، 

احلم كيف ساغير اسمي و وجهي و حياتي بلا قيود و لا ضغوط، احلم بالحرية

لكن هذا لا يحدث و امضي اعواما اخرى في الجحيم،

ثم امرض و تنتهي السنة الأخيرة بمجموع ضئيل لا يؤهلني لدخول جامعة مرموقة،

و الأسوأ من هذا انني أصبحت بلا أهداف منذ زمن بعيد،

كان حلمي الوحيد ،هو ان اهرب،

و لكن هذا لم يحدث ابدا، 

لأنني لست محظوظة، و لأنني جبانة ايضا، و لا أدري ايهما يجب أن يأتي ذكره اولا،

و دخلت كلية عادية باختصاص لا اهتم لامره، بل لا اطيقه

و لكنني كنت سعيدة باني كبرت، و اني انتهيت من المدرسة، و من القيود،

كنت سعيدة بحريتي الجديدة، باستقلالي، بنضجي، ببلوغي سن الرشد،

و ان كنت لا زلت احلم بالهرب، لكنني هذه المرة احاول بجدية،

و اسمح لنفسي بأن احيا،

ادرس و اذهب الى الجامعة و اقضي وقتا ممتعا مع اصدقائي و مع اهلي و افكر في المستقبل،

افكر بطريقة عملية هذه المرة و افكر في الحب أيضا،

و كنت في العشرين انسانا سعيدا و جميلا و واثقا،

لكن هذا لم يدم ايضا،

السنة الأخيرة كانت صعبة حوادث مؤسفة و اضطرابات أدت إلى سوء حالتي النفسية و تداعى نظامي الغذائي  بشكل كبير ،

اودت بي جميعها إلى  قرحة في جهازي الهضمي،  

لم اشف منها الا بعد عام ،

و ما زلت أعاني من جهاز هضمي حساس حتى الساعة،

تخرجت و لم أشعر بحلاوة التخرج بسبب الظروف،

 و لزمت المنزل لعامين اخرين،

و بعد أعوام من الانتظار حصلت على فرصة عمل نادرة، و لا أدري كيف حصلت عليها ،

فرصة حملت في ذيلها حبا و عريسا و هجرة،

يبدو الموضوع خياليا، أليس كذلك؟!

لكنه للاسف حقيقي جدا و مملوء بالاحزان، 

فقط لو نعرف كيف يمكن أن تكون امنياتنا مميتة في بعض الاحيان، لاحتفلنا بالأحلام التي لا تتحقق و لا تؤذينا،

 عمل خانق تكرهه، كل من فيه لا يستلطفك و يتآمر عليك، 

حبيب غاضب معقد و متسلط اجبرني على ترك عملي فيما بعد و قطع اتصالي بالناس ، حتى بامي، 

زواج باهت بلا احتفال، اقترحوه حتى تختفي الصراعات التي بيننا ، صراعات كانت تنتهي في كل مرة بطلب الانفصال من قبلي،

و لا أثر للفرحة في قلبي، رغم الزينة و الابتسامة الصفراء على شفتي، 

و ما بعدها تاريخ مؤلم ايضا لا يستحق الذكر،

سنين كثيرة عشتها كالمريضة لم احقق فيها شيئا يذكر، لا عملا و لا طفلا و لا دخلا،

حتى الغربة أصبحت سجنا كبيرا اعيش فيه، لم احصد منه الا الصيت،

و مجموعة من القوانين،

لا اكلم صديقتي الوحيدة لانها شخصية معقدة،

لا اقود سيارة لان الطريق خطر،

و لا اذهب الى الجيم لأنني لست في حاجة اليه ، الناس هناك تافهون و لديهم اوقات فراغ،

لا اخرج وحدي لان الكلاب ستتحرش بي،

و فقدت الرغبة حتى في ممارسة اي هواية،

لا داعي لان اتعلم السباحة، لان المسابح قذرة،

لا اشتري الكتب الورقية لانها مضيعة للمال،

لا اسافر،  لان السياحة هي سياحة داخلية فقط بالسيارة،

المطارات مزعجة، و السفر إلى دولة أخرى  أمر مكلف و مرهق و لا يستحق المجازفة،

و مع كل هذا انا لا اعتبره اسوء أقداري،

بل هو تغيير كان واجبا بل جوهريا في حياتي،  

ما هو البديل؟!

العائلة التي عشت غريبة فيها كل عمري،

أم تدخل امي بدافع الحب و الاهتمام  في كل شؤوني،

المشكلة في انا،

حياتي كانت دائمة مشوهة، 

و هو ليس مجبرا على تجميلها،

حتى لو تمنيته كذلك،

هو فقط اكمل الصورة البشعة لهذه الحياة،

على الاقل  نيته سليمة و لا يعرف كم يؤذيني ، انه مريض نفسي مثلي تماما بلا اهل و لا ثروة و ليس له سواي،

و انا فقط اتعالج من اكتئاب مزمن،

لم يبدأ منذ تعرفت عليه، 

بل بدأ منذ زمن طويل،

و  اتنفس في الكتابة،

و أشعر دائما باني تلميذة ليست مستعدة للحياة رغم اني اقترب من الاربعين،

و مازلت غير مستعدة للعمل و لا للزواح و لا الاطفال و لا العلاقات الاجتماعية،

 لقد كان دوري كتلميذة ابدية هو دوري الاجمل و الاكمل و الافضل على الاطلاق ، لكنني فقدت الرغبة في التعلم و فقدت الامل منذ زمن بعيد.

و لم اعد املك الا الكلام.


  • 1

   نشر في 25 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 03 مارس 2020 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا