لُغَة الضادِ .. بَيْن المَهدِ وَاللحْدِ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لُغَة الضادِ .. بَيْن المَهدِ وَاللحْدِ

هَلْ سَتَموتُ اللغَةُ العرَبيةُ ؟

  نشر في 20 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 02 أبريل 2016 .

منذ أعوام ست .. وتحديدا في 24 من أبريل لسنة 2010 نشرت مجلة « L’ECONOMISTE » مقالا لها تحت عنوان : " هل ستموت اللغة العربية ؟ " .. رغم قدم الحدث الذي يشغل حاليا حيزا ضئيلا في أرشيف المجلة، إلا أن الأمر يجعلنا نتساءل عن سبب اهتمام مجلة ذات طابع اقتصادي بموضوع أدبي لغوي لا يمث بصلة لكينونتها أو هويتها الأجنبية. إن التمعن قليلا في الموضوع، دون أي جهد ذهني يذكر، يخلص بنا لإثبات مدى علاقة اللغة العربية بالوعاء الاقتصادي العالمي، ومدى تأثر هذا الأخير بتغيرات أسهم لغة الضاد في بورصة اللغات العالمية .. لنخلص أيضا إلى اللغة العربية كانت ولازالت تعتبر إحدى أكثر اللغات انتشارا عبر العالم وأهمها على الإطلاق؛ كونها لغة أكثر من 422 مليون نسمة، متأرجحة الاستعمال بين السياسة والعلم والأدب والاقتصاد والقضاء …

لقرون متعددة، اعتز العرب أشد الاعتزاز بلغتهم الفريدة، لغة القرآن الكريم ووعاء الإسلام والعروبة، وحاملة التراث العربي منذ أقدم العصور وإلى أن يشاء الله .. إذ حرصوا كل الحرص على تقديرها ووضعها في مكانة تليق بها وبمقامها الرفيع وصورتها العذبة؛ فاعتنوا جيدا بجودة الإلقاء وحسن الحديث، وحاولوا جاهدين النفور من كل عيب يشوب النطق ويشوه جمال التعبير ..كما تسابق الجميع لإظهار أفضل ما عندهم من جزالة الأسلوب والخطابة وعملوا على تحقيق التقدم والتفوق والتلون حتى بلغوا أعلى مراتب العلم بفضل اللغة؛ فغاص البعض في بحور الشعر وتغنى بالقوافي، ونثر البعض الأخر حروفه وكلماته ليصوغ أبدع السطور وما بين السطور .. ليخرج بذلك من رحم العرب مجموعة ضخمة من الفلاسفة والأدباء والشعراء والأطباء وغيرهم ... ولتركب بذلك اللغة العربية قطار العظمة والسمو، لكن … ومع الأسف … وصل القطار لمحطاته الأخيرة ، و " راود النعاس قوة الابتكار في اللغة العربية فنامت ، وبنومها تحول الشعراء إلى ناظمين والفلاسفة إلى كلاميين والأطباء إلى دجالين والفلكيون إلى منجمين " (1) إلى أن عرفت تراجعا ملحوظا وانصاعت مرغمة لمتطلبات العصر والعولمة، فتخلت عن موقعها في الحياة اليومية، وأفسحت المجال للغة العامية والأجنبية التي أدت إلى التقليص من مساحتها التعبيرية، وهُمشت من طرف وسائل الإعلام ومرافق الحياة ومجالاتها، التي انصاعت هي الأخرى للسياسة الخارجية، وزحفت تحت مسمى التقدم نحو مجتمع يقتصر فيه استخدام اللغة العربية على قراءة القرآن والحديث وقراءة الكتب العامة والدراسية.

إن أول متسبب يتبادر إلى الأذهان هو التدخل الأجنبي في البلاد العربية ومراحل الاستعمار التي عرفتها سائرها؛ فكلما ازدادت المخططات ازداد تدهور أحوال اللغة العربية وتقلصت دائرة استخدامها، وكلما اتسع الزحف الأجنبي على الأراضي العربية اتسعت معه الفجوة العميقة بين الغرب والعرب والتي امتدت أثارها إلى ما بعد تلك الحقبة وما بعد الاستعمار السياسي. دون أن نستثني طبعا مسؤولية كل من السلطتين التشريعية والإدارية التي حرمت اللغة العربية من حقها الفعلي في الممارسة والحماية من غزو اللغات الأجنبية، بل على العكس، فتحت المجال أمام هذا الدخيل للتوغل بين العرب الذين اتخدوا من اللغات الأجنبية وسيلة للتباهي والرقي الفكري الاجتماعي، والزحف داخل الجامعات والمنظومات التعليمية العربية التي اتخدت منها لغة رئيسية في التعليم وطرح المناهج، والتسلل إلى كل فئات المجتمع، وشرائح السلم الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي، الأدبي ... لتنثر بذلك سحرها وكأنها ( نداهة ) (2) تستقطب ضحيتها للهاوية موهمة إياه بالجمالية والسحر الفتان.

إننا مجتمع جاهل بأهمية هكذا معضلة .. لا نملك وعيا كاملا بمكانة اللغة العربية، ولا بمسؤوليتنا اتجاهها، إذ، ورغم القلق الذي انتاب الخبراء والتربويين وعلماء اللغة منذ بداية تفشيها - معتبرين إياها قضية قومية – حيث دقوا ناقوس الخطر ودعوا بأعلى الأصوات وأقوى الهتافات إلى الالتفات إلى هذه الأزمة، لم يسمعوا ردا سوى صدى أصواتهم يتردد في الأفق، موحيا بجهل العرب وتعنتهم عن واجبهم الحق. فماكان لمثل هؤلاء إلا استخدام اللغة العربية للدفاع عنها. هي سلاح نفسها، وركيزة عظمتها. ومن بين الأمثلة التي يجب استحضارها هاهنا غيرة شاعر النيل حافظ إبراهيم على لغة الضاد وخشيته أن تشوه على الألسنة والأقلام .. غيرة جعلت بقلمه يسكب حبره على الورق ويصرخ مستنفرا للهمم ومحثا للعزائم، داعيا بصدق إلى المقارنة بين حال أصحاب الفصحى وحال الإفرنج - الذين غزوا واعتزوا بلغتهم، بينما هم ينثرون سمومهم لتمزيق شمل الفصحى وتشويه ثوبها الجميل البديع – من خلال قصيدته " اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها " (3)

صيحة حافظ إبراهيم هذه، بأسلوبه الثائر المعهود ونزعته المتمردة تعتبر خير خاتمة لموضوع اليوم، صيحة اطلقها مذ أكثر من قرن مضى، ولا يزال صداها يخترق الآذان العربية النائمة، التي اكتفت بالإصغاء لها وتجاهلها .. صحيح ألا خوف على اللغة العربية إذ أن اقترانها بالقرآن الكريم يضفي عليها طابع قدسي حافظا لها بحفظ الله عز وجل قراءه الكريم { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } - الآية 9 من سورة الحجر .. لكن، أين هو واجبنا اتجاهها؟ وأنت .. ماذا قدمت لها باسم الأمة والعروبة؟

ربما بتفرغك من قراءة المقال ستقول – عزيزي القارئ – أن الموضوع مستهلك .. طرح كثيرا وقدم مرارا .. لكن أؤكد لك، لم أجد أفضل منه موضوعا وأحسن منه فكرة لتكون انطلاقتي في هذا الموقع .. علني إن سؤلت يوما عما قدمته لها سارعت في الإجابة بأنني حاولت تسخير حروفها لقضيتها.

- - - - - - - - - - - - - - - -

(1) : مقتبس من " مستقبل اللغة العربية " لجبران خليل جبران من مجلة الهلال المصرية عام 1929

(2) : أسطورة النداهة .. أسطورة ريفية مصرية قديمة.

(3) : نشرت سنة 1903 ، وهي التفاتة إلى واحد من همومه القومية والروحية


  • 4

   نشر في 20 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 02 أبريل 2016 .

التعليقات

نوف محمد منذ 3 شهر
الغة ألعربية لن تموت ببساطه هي الغة الذي انزل الله كلماته بهذه الغه القرءان الكريم انزل من السماء ب الغة ألعربية بالتوفيق
0
لغة الضاد ستظل عصية، اللغة العربية الغنية بالمفردات و المعاني لن تموت
على رأي الدكتور يوسف زيدان كيف للغة أنتجت داعش أن تموت !!
2
يكفيك شرفاً أنّك مازلت تكتبين العربية و تحبينها...
1
هُدى أحْمَد قُضاض
وما يزيدني شرفا .. تعليقك على مقالي المتواضع ..
أشكرك
عبد الحميد وراد
المقال أنا أيضاُ قد كتبت عنه منذ عامين و لكن من زاوية فكرية أخرى و لكنني لم أنشره هنا و سأحاول إعادة نشره عن قريب إن شاء اللّه
هُدى أحْمَد قُضاض
إن شاء الله .. في انتظار ذلك :)
شدني عنوان المقال لأنني شممت منه رائحة حزينة، قرأته فتيقنت من الحزن والأسى فيه. لكن العربية يحميها من أنزل بها كتابه، وللأمم دول ..
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا