"هذا ما جناهُ عليّ أبي وما جنيت على أحد" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

"هذا ما جناهُ عليّ أبي وما جنيت على أحد"

- أبو العلاء المعري

  نشر في 20 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 21 نونبر 2018 .

"ظلمه زمانه فلم ينصفه ، وظلمناه نحن بجهلنا به"

الشاعر والفيلسوف الثائر الذي دفعهُ ذكائهُ المفرط إلى أعتناق العلمِ والمنطق حتى ألقي حتمهُ وحيداً معتزلاً الناس وكفيفاً يشاهدُ الظلام. والذي لُقب برهين المحبسين محبس العمى  ومحبس البيت لإنعزاله.. 

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري ولد في عام 363هـ  بمعرة النعمان -المدينة السورية الحاضنة للتاريخ والثورة- وإليها ينسب.  

أصيب بالجدري صغيراً فعمي في السنة الرابعة من عمره ، وبدأ رحلته بالإبحار في بحر الأدب حيثُ قال الشعر وهو إبن إحدى عشرة سنة. 

وصف بأنه الرجل الذي سبق عقله زمانه من حدة ذكائه فكان له مقدرة كبيرة على الفهم متوقد الذهن قوي الذاكرة يحفظ لغات العجم التي يسمعها من غير فهم معانيها، فكأن نعمة البصر تحولت طاقتها إلى قوة الحافظة والإدراك. 

سافر إلى العديد من مدن سوريا المجاورة له ليدرس علوم اللغة، والفقه، والأدب، والحديث، والتفسير، والشعر ولم يكن ذلك غريباً عن عائلتهِ ففيهم القضاة والفقهاء والشعراء.

قال ياقوت الحموي فيه: «كان غزيرَ الفضلِ، شائعَ الذكرِ، وافر العلمِ، غاية الفهمِ، عالماً باللغةِ، حاذقاً بالنحوِ، جَيّدَ الشعرِ، جزلَ الكلامِ. شُهرتُهُ تُغني عن صفته، وفضله ينطقُ بسجيته».

إتسم المعري بالجرائة عند قول الحق فقد كان على الرغم من شدة حيائه جريئًا لا يخاف في الحق الذي يعتقده لومة لائم. وإتسم أيضا بعفة النفس  فقد تنازل عن العديد من المناصب ورفض الأموال والمساعدات من قبل الآخرين. بالإضافة إلى زهده، فقد كان زاهدًا في الدنيا، غير مبالٍ بالملذات، وكان ذلك ظاهرًا في ملبسه ومسكنه وتصرّفاته، كما ظهر ذلك في مأكله ومشربه، حتى أنه اشتهر عنه أنه يحرم على نفسه أكل اللحوم. فترك الدنيا بجميع ملاذّها الجسدية والنفسية، وهجر متعتها الشخصية والاجتماعية.

ذهب الى بغداد في أواخر سنة 398 هـ فزار دور كتبها وقابل علماءها وأجتمع مجموعة من التلاميذ للإستماع الي محاضراته التي تدور حول الشعر والنحو والعقلانية وإحدى الموضوعات المتكررة في فلسفته كانت عن حقوق العقل والمنطق ضد إدعائات العاداتِ والتقاليد والسلطة. حتى ورد إليه خبرُ وفاة إبيه فعزز فكرة البقاء منعزلاً عن الناس وعاد الى حيث نشأ مجدداً بعد فترةٍ وجيزة خصوصاً بعد أن رأى تنافس العلماء والرؤساء على المكانة والمنزلة الرفيعة. وتيقن  "أن الدنيا كما هي مفطورة على الشرور والدواهي".

أثارت أفكار المعري الكثير من الجدل حيث انه كان يؤمن بأن الدين ”خرافة ابتدعها القدماء“ يستخدمونها لإستغلال السذج من الشعوب للوصول لغاياتهم الدنيوية وأخذه كأداة لتبرير وتدعيم سلطتهم. ولكنه لم يسلم من هجوم العلماء والفلاسفة حول تلك الأراء  فقد وصف بأنه من المشككين في الأديان وأتهمهُ العديد منهم كإبن كثير وإبن القيم وأبو الفرج الجوزي (بالزندقة والكفر). 

ومنهم من نسب إليه ما ليس له، من ذلك وضع الشعر الإلحادي على لسانه، أو نسبة ما يحكيه على لسان غيره إليه ، فقد لقى في زمنه كيداً وحسداً من عمق رؤيته وعظمة سجيته.

بينما يرى البعضُ الأخر منهم أن المعري كان عابداً زاهداً فيقول الدكتور طه حسين في وصف المعري:

« أبا العلاء قد هداه عقله إلى أن لهذا العالم خالقاً، وإلى أن هذا الخالق حكيم. لا يشك في ذلك، أو على الأقل لا يظهر فيه شكاً..» 

ويقول أيضا شوقي ضيف :

«واضح أنه لا يهاجم الديانات نفسها وإنما يهاجم أصحابها, وفَرْق بين أن يهاجم الإسلام والمسيحية واليهودية, وبين أن يهاجم المسلمين والنصارى واليهود وأن يثبت عليهم في عصره نقص عقولهم.»



لاسيما بأن لشاعر بمكانة المعري بأن يكون له العديد من الدواوين. فقد قام بالعديد من الأعمال الكتابية ومن أهمها: ديوان "سقط الزند" وهي أول مجموعة شعرية له ، و "رسالة الغفران"  وهي تعتبر أشهرها والتي تعتبر أكثر الكتب تأثيراً في التراث العربي، وكتابه "فصولٌ وغايات" وهو أكثر كتبه إثارة للجدل وهو عبارة عن مجموعة من المواعظ بصورة شعرية مماثلة لأسلوب القرآن الكريم وأتهمهُ بعض العلماء بأنه يدعي بأن لغة القرآن ليست معجزة بل أنها تبدو كذلك للبعض بسبب تبجيلها لمئات السنين بسبب هذا الكتاب وما فيه من بلاغة. 

 

كان المعري مفكراً حراً غير مقيد بعاداتٍ وتقاليد محطما كل ما يخالف المنطق والعقل شديد الأيمان بربه يرى بأن الدنيا لا فائدة لها وأن الأخرة هي الحياة الحقيقية ، وكانت فلسفة المعري تتسم بالتشاؤم المفرط وقيل أنه مفكر متشائم. وقد ذهب في فلسفته التشاؤمية إلى الحد الذي وصى فيه بعدم إنجاب الأطفال كي نجنبهم آلام الحياة وحرم على نفسه الزواج رغم شعره الغزلي في النساء. 

سئم التخالط مع الناس او التعايش معهم لكونهم لم يدعوه وشأنه لذلك قام بإعتزالهم في بيتهِ وكان ذلك شيئًا من طبعه حيث يميل إلى العزلة و اليأس ومجانبة الناس من قبل إعتزاله لهم، حتى وافتهُ المنية في عمرٍ يناهز ال86 عاماً ، وأخر ما وصى به أن يكتب على قبرهِ أخر رسالة له أراد أن تكون وصفا مناسباً  لرحلتهُ في هذهِ الحياة..

"هذا ما جناهُ عليّ أبي وما جنيت على أحد". 


المراجع : 

1)ديوان ابي العلاء المعري من بوابة الشعراء  

 2) موسوعة الشاعر ابو العلاء المعري | موقع الشعر

3) ويكيبيديا 



  • 4

  • مازن بن هشام
    كاتب اصطنعتهُ الحياة من بؤسها ، وأحتضنته لياليها ، ثم أحرقته بنهارها ، ليطفئهُ قلمٌ يُسطر الحكايات حتى يرقُد بسلام. : )
   نشر في 20 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 21 نونبر 2018 .

التعليقات

نور جاسم منذ 3 أسبوع
مقالة رائعة. شخصيته وأفكاره تدعوني لقراءة المزيد عنه لأني أتفق معه بالعديد من أفكاره.
شكرا لك :)
1
مازن بن هشام
شكرا لكي صديقتي نور تشرفت بكي في صفحتي :)
ابو البراء منذ 4 أسبوع
للتنويه لا اكثر ..
بداية لا احد ينكر بلاغة وفصاحة ابو العلاء المعري ولكن الجدير بالذكر يا صديقي اننا لم نظلمه ولم يظلمه زمانه كمان تفضلت !!
فبرغم علمه وثقافته و وزنه الذي كان كفيلا ان يخلده التاريخ الى زماننا هذا الا انه فعلا اخطأ في الكثير من معتقداته وعقائده لا سيما في الامور الدينية منها ومن قرأ دواوينه ما غاب عنه ابدا توجهاته !!
اخالفك الرأي في دفاعك عنه استاذي الكريم
وتقبل مني نقدي ... دمت بخير
1
مازن بن هشام
أشكرك يا صديقي الرائع على مشاركتك ، أرى أن لكل منا تحيز لبعض الأراء المبنية على البحث والتطلع الخاص به ، والصواب لا يقتصر على رأي أحد منا بل يكون نسبي الى حد ما .. أتقبل رأيك بصدر رحب لانني دائما ما ارى ان المقال بدون نقد كالطعام بدون التوابل ، أتمنى بأن تكون وجهة نظري محل صائب للبحث مجددا.. كنقدك الرائع الذي اثار جدلي للتطلع مرة أخرى.. دمت بخير :)
ابو البراء
تحياتي الخالصة لك استاذ مازن وشكرا جزيلا لك ومرحبا بك صديق في متصفحي
محمود بشارة
إذا تكلمت عنه يا أستاذ مازن من الناحية البلاغية ، فهو لا شك به كشاعر وناقد ووو كل ماذكرته صحيح ولكن من الناحية الجدلية ونظرته للدين فبهذه نحن نختلف معك ، اما بالنسبة الى الشعر والبلاغة فلا ننكره .
مازن بن هشام
شكراً لك صديقي محمود على القراءة والنقد الرائع :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا