مشاهير .. على أرصفة الطرق - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مشاهير .. على أرصفة الطرق

مشاهير .. الذين يمثلون أدوار أولئك الصامتين الذين يبيعون مناديل التنظيف على أرصفة الطرق

  نشر في 20 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

الإنتظار .. 

ينتابنا شئ من الخوف لحظة إنتظارنا .. شعور رهيب .. رهيب لأننا لا ندري ما يخفيه لنا ما نحن مقبلون عليه .. ، نتساءل أسيتحقق شئ من ذلك الذي نسعى إليه .. ؟

تتسارع دقات قلوبنا و كل مشاعر الألم تمزقنا ثانية ثانية .. لأن عقارب الزمن لا ترحم ضعفنا الإنساني ..

كانت لحظة إنتظاري في ذلك اليوم و ما تلاها من أيام أخرى في رحلتي تلك ، الفاصل الذي جعلني أعيد النظر في أشياء كثيرة .. حتى نظرتي صارت تتغير بمجرد تغيير زاوية تواجدي ..

وبين محطة و أخرى أدركت تفاصيل لم أكن أنتبه لها فيما مضى من حياتي ..

وصلت الحافلة و تبخر الإنتظار و عاد شئ من الأمل إلى دواخلي ..

جلست في مكاني الخاص .. و أخذت أنظر للحياة من النافذة .. أنظر هنا وهناك في صمت مطبق .. حتى شعوري بمن حولي إنعدم ..

كل مشهد من مشاهد الحياة أصبح واضح من تلك الزاوية .. من تلك النافذة بالضبط كل شئ صار واضحاً جداً ..

أتساءل كثيراً عن حياة الذين يعيشون في صمت .. لا يُسمع لهم صوت .. و لا هم يتكلمون .. و لا يراهم من هم حولهم .. حياتهم إن سألتهم عنها : (...) ؟ يبتسمون لك و علامات التعب تظهر على ملامحهم (التي رسمتها تجاربهم القاسية مع الحياة)

أراك تنتظر الجواب مثلي .. عن سؤال طُرح .. (...) ؟

لن يقولوا شئ .. فجوابهم لنا هي تلك الإبتسامة .. ، لأنها و بكل بساطة تقول كل شئ ..

أحسست بأن الزمن توقف لحظتها حينما توقفت بنا الحافلة في إحدى نقط العبور .. لمحت من زاويتي تلك .. طفلة صغيرة تقف بجانب الطريق لوحدها .. في ذلك المكان الشاسع الموحش .. لا يرحم ضعفها الأنثوي الصغير و طفولتها البريئة (براءة نبي الله يوسف من ذنب لم يقترفه) أحد

حاولت أن أستشعر ما قد تمر به الصغيرة في كل لحظة من لحظاتها اليومية حينما تبتسم للمارة و أصحاب السيارات الفاخرة من أجل أن يشتروا منها مناديل التنظيف الورقية (بثمن بخس) .. من أجل ماذا .. ؟ من أجل مصير مجهول .. مصير طفلة عجوز .. جسدها النحيل .. و ملابسها المهترئة .. تنطق بكل شئ

إن الذين يولدون في هذه الحياة أرقام مجهولة .. مجهولة جهالة العقول التي تركتها تقاتل وحشية الواقع المر رغم براءة أجسادها الصغيرة من معركة لم يحن الوقت لخوضها .. معركة مجتمع متصنع مادي سكيزوفريني ..

قررت النزول قبل النقطة التي أردت الوصول إليها .. قررت أن أغير مكاني .. (تلك الزاوية .. تلك النافذة) .. فالرؤية صارت أكثر وضوح حينما توقف بي الزمن .. قررت أن أكمل طريقي إلى النقطة تلك .. رويداً رويداً .. مبتعداً عن سرعة الحياة و تقلباتها .. لكي أُدرك حقيقة الواقع من حولي ..

بقائنا في أبراجنا العالية الفاخرة يجعلنا بعدين كل البعد عن حياة الذين يتألمون و لا يتكلمون .. يبتسمون لبساطتهم التي فيها سر عيشتهم الهنية .. لا تتربصهم عدسات المصورين الذين يركضون خلف المشاهير من (هذا و تلك) ..

نعم مشاهير .. الذين يمثلون أدوار أولئك الصامتين الذين يبيعون مناديل التنظيف على أرصفة الطرق .. مناديل هم بالأحرى يحتاجونها لمسح ما تبقى من مساحيق التجميل عند نهاية كل مشهد .. ظناً منهم بأنهم قد لعبوا الأدوار بإثقان و قد عاشوا مشاعر ومعانات أولئك الصامتين ...

ينتهي العرض .. ليقف الجمهور في تصفيق حار و هتافات لأولئك المشاهير و هم يمشون فوق البساط الأحمر متجهين نحو منصة التتويج و كل الأضواء مسلطة نحوهم بألوانها الفاتنة و عدسات الصحفيين تلتقط لهم أجمل الصور في أبهى حلة .. لتوضع في واجهة المجلات و الصحف و يشاهدها الصغير و الكبير على شاشات التلفاز ...

لكن هناك مشهد أخر لم ينتهي بعد .. مشهد لا تتضمنه سيناريوهات المخرجين و عدسات مصوريهم .. و لا تسلط عليه أضواء المنصات الفخمة .. مشهد لا يقف له الجمهور ليهتف و يصفق بحرارة و افتخار ..

مشهد بائعة المناديل الورقية على رصيف الطريق ..

ظللت أراقبها في صمت .. منتظراً إنتهاءها من مشهدها ذاك .. لكي أصفق لها بحرارة و اعتزاز .. لكن جسدها الصغير تبدد بين جموع المارة .. و اختفى بين تفاصيل حكايات أخرين قد يكونون هم أيضاً من الصامتين الذين لم تنتهي مشاهدهم بعد ..

ساعتها قررت أن أكمل طريقي .. إلى هناك .. إلى تلك النقطة الأخرى من حياتي .. و كلي أمل بأن ألتقيها يوما ما ..

( .. في صباح اليوم الموالي قرأت في إحدى الجرائد أن طفلة صغيرة لفظة أنفاسها الأخيرة بعدما دهستها سيارة عندما كانت تَعبُر الطريق نحو الرصيف الأخر .. )

إنتهى المشهد الأخير .. هل نقف للتصفيق .. ؟ أم ماذا نحن فاعلون .. ؟

القرار يبقى لنا .. ؟  


  • 5

  • جواد نصير
    شعورٌ غريبٌ يراودني .. عندما أتذكر أني عابر سبيل في هذه الحياة .. راحلٌ في لحظة من اللحظات .. فأنا مجرد أنفاس مؤقتة .. تتجاذبها أمواج الحياة .. بين مد الحزن وجزر السعادة .. عتابُ يحاسبني .. ماذا فعلت فيما مضى من حياتي .. ؟ وأمل يجع ...
   نشر في 20 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات

ثم تضاف قصة اخرى الى مجموعة القصص الحزينة حول العالم ,,, تحياتي لك سيدي الكريم
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا