هنيئا لك خسارتي/ بقلم لطيفة فراجي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هنيئا لك خسارتي/ بقلم لطيفة فراجي

  نشر في 04 فبراير 2022 .

كنت في كل مرة أنظر إليها و هي واقفة أمام نافذة غرفتها، أشفق عليها أكثر من ذي قبل، يحزنني الوضع الذي كانت تكون عليه عندما يخذله‍ا، يا لها من مسكينة الحياة تجعلها تدفع ثمن رقتها و طيبتها، لا أعرف لماذا قست عليها لهذه الدرجة عندما جعلتها تتعلق بشخص ظنته حقيقة لكن لم يكن في الواقع سوى الوهم؟ هل كان لا بد أن تضعها في هذا الاختبار؟ هل الغاية هي أن يحولها الألم إلى شخص آخر لم تعد له مشاعر؟ هل ستشبه جلادها الذي يزداد من طغيانه كلما ازداد حبها له؟ 

و أنا أراقبها من بعيد هذه المرة؛ بدى لي وجهها شاحبا عينيها تنساب منهما الدموع من شدة الألم، وفي نفس الوقت تضع يديها على صدرها، كطفل صغير يضعها على بطنه ويبكي لأنه تؤلمه، لكنه هو سيتكئ على أمه عندما يخبرها و ستوفر له العلاج، أما هي لم يكن هناك شخص بإمكانه أن يرممها غير معذبها، ظلت هكذا لساعات طويلة تفكر في القرار الذي يمكنه أن يرضيها و ستكون عواقبه أخف عليها، بعد مدة من الهذيان توجهت إلى مكتبها و أخذت ورقة بيضاء وقلم، اكتشفت حينها أن سوف تكتب له رسالة أخيرة تنهي فيها ما كان بينهما.

بدأت تكتب و في نفس الوقت انهمرت بالدموع فنحن نضعف عند الفراق، جلست في مكاني حتى انتهت و غادرت الغرفة، ثم أخذت تلك الرسالة التي تركتها هناك لكي أقرأها، و من جملة ما قالت فيها: 

"إلى حبيبي و عزيزي الذي أدمنت وجوده في حياتي؛

طوال هذه الفترة التي قضيتها معك لم أفكر في أية لحظة أن أبادر و أعلن النهاية، لقد كان حبي أكبر من ذلك وحتى في هذه الثانية التي أكتب لك فيها لم يتغير أبدا، فأنا حقا أحببتك كثيرا و بنيت لك قصرا في قلبي، و قمت بإحاطته بجنودي لكي لا يقتحمه أحد و يطردك منه، لم أكن أرغب بشيء منك سوى أن تمنحني نفس الحب و التقدير، لكن للأسف قناعك الذي ترتديه كان يسقط منك في كل هفوة، طبعا لأن الخداع فترته تكون قصيرة، عندما لا نتحدث من أعماق قلوبنا فإن المواقف هي كجهاز كشف الكذب تظهر مافي الباطن، ألا يقال في العادة خذوا الحقيقة من أفواه المواقف، و هذا الذي كان يحدث معك أفعالك كانت تفصح لي عن ما في داخلك، صدقني كنت أبذل جهدا كبيرا كي لا أصدق هل علمت الآن درجة الحب الذي منحتك إياه؟ فقد أوصلني إلى التظاهر بالعمى لكي أبقى معك، أما أنت فقد كنت تنتهز الفرصة لكي تتبث لي أن وجودي و عدمه سيان، صدقني حاولت تجاهل كل هذا لكن مع الزمن تأكدت أنك لم تعد تحبني، بل لم تكن لك أية مشاعر صادقة تجاهي منذ البداية كان ما اعتراك مجرد وهم، أو ربما كنت تشفق علي عندما رأيت كم أحبك بل أحببتك أكثر من نفسي إن صح القول، لذلك لم تكن لديك الجرأة لكي تواجهني و تخبرني بأنك لم تعد تطيق وجودي في حياتك أليس كذلك؟ لا أدري ماهو شعورك الآن و أنت تقرأ رسالتي هاته؟ هل تتساءل كيف عرفت هذا؟ و إن كان تنبئي هذا صحيح فإنني أعلن لك بأن حدسي أثق به فهو لا يخدعني مثلك، وكل ما كنت تتفوه به أمامي يخالف ما تفعله، أتدري ما يعيب الرجل هو أن يكون مليء بالتناقض فهذه صفة تنقص من رجولته.

هل أعترف لك بشيء آخر؟ فأنا أظن أن اليوم هو خاص للإعترافات، وكان الوضع سيكون أفضل لو كان قاضي المحاكم معنا لكي يحكم في قضيتنا، لقد كانت اللحظات التي قضيتها معك الأجمل في حياتي، لم أكن أحب أن تنتهي الثواني التي أكون فيها برفقتك، كانت نبضات قلبي ترقص فرحا لرؤيتك، و الابتسامة و لمعة العينين لم يعتريهم النسيان في الحضور أثناء كل موعد ألتقيك فيه، لقد كنت سعادتي و مصدرها و منبع ألمي، كنت تعلم مدى حبي لك لذلك ضمنت وجودي كان لديك يقين بأنني لن أتخلى عنك يوما، لأن درجة تعلقي بك هي درجة عذابي في البعد، أصبحت كالدمية بين يديك تلعب بمشاعري كما تريد، كنت تشعر بالمتعة عندما تقوم باستفزازي و تهددني بالرحيل، كان كل هذا لصالحك تقترب في أوقات فراغك و تنأى مني عندما يكون البديل و لكي يزداد تعلقي بك، فالحب يصبح طازجا بالحرمان، تستحق أن أصفق عليك فأنت طباخ بارع، لكن ثقتك بنفسك كانت عالية جدا فقد كنت تحرقني مع الايام حتى أصبحت كجثة هامدة وبدأت مشاعري تتحول إلى رماد، لكن هذا أسعدني أكثر من أن تشفق علي.

لقد حان الآوان لكي أحررك أنا سأغادر حياتك و كيانك، بإمكانك الآن أن تجد من هو أفضل لكي تعيش معه، لكن من الصعب أن تجد شخص يمنحك هذا الكم من الحب الذي قدمته لك، فحبي أنا لم يكن مشروطا أحببت روحك و لم أعشق شيئا آخر، لم أظن يوما أن الأبد لفظ توهمنا به الحياة وأنه عكس معناه، لقد أصبحت السبب الذي جعلني أفقد إيماني به، كان قرار الإنسحاب هذا يتطلب مني الكثير من الشجاعة، لذلك انتظرت كل هذه المدة التي كانت على هيئة عذاب، و أستجمع قوتي لكي أتأقلم مع النمط الجديد في حياتي الذي لن تكون فيه، و أرى أن مهما كان جرحي الآن سأرممه في غيابك، لكن لا يمكنني أن أعدك بأنني سأنسى ما فعلته بي فقد أغرقني نزيف قلبي، لكن سأدعوا الله في كل صلاة أن يغفر لك و أن لا يعاقبك بمثل ما عاقبتني و ظلمتني، فالحياة عادلة و كل ساقي سيسقى بما سقى و قلبي لن يتحمل أن يراك تسقى مما سقيتني به."

أغلقت الرسالة ووضعتها في مكانها فاستسلمت أمام دموعي، ثم بدأت أتساءل كيف له أن يتخلى عن فتاة تحبه كثيرا، لماذا الحياة تقسو علينا لهذا الحد عندما تعلقنا بالممنوع؟ كم كانت تبدو بخير عندما تتظاهر بالقوة أمامنا، لكن في داخلها بركان لا يعلم به أحد سواها .

خرجت من غرفتها و أنا أدرك أنها ستدخل في صراع مع قلبها ثانية، هل ستقوم بإرسالها أم ستضعف و تدخل في دوامة الحزن أكبر من هذه التي هي فيها؟ لأن المذنب ليس من يرتكب الفعل بل من يقبله و يصبح خاضع و تحت سيطرة الجلاد، و أنا أقرأ تلك الرسالة تذكرت كلام أدهم الشرقاوي الذي قال: "ولكن الشيء المؤكد لدي الآن أننا نحن الذين نصنع أصنامنا، ونختار جلادينا!"


✏️ لطيفة فراجي



  • Latifa faragi
    "ما الأوراق سوى مناديل.. تجفف بها الأقلام دمعها" الكاتبة أسمى الزهار
   نشر في 04 فبراير 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا