سمات الحوار القصصي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سمات الحوار القصصي

بقلم : حسن غريب أحمد شاعر روائي ناقد

  نشر في 06 شتنبر 2020 .


سمات الحوار القصصي

بقلم : حسن غريب أحمد

شاعر روائي ناقد باحث 

يتصل المدخل المناسب إلى دراسة أسلوب الحوار في بناء القصة القصيرة بالمحادثة التي تجري في الحياة بين الناس، ويبدو من المهم أن تتلمس ملامح حركة الحوار في آداء دوره الوظيفي العام في تحقيق فعل فني بنائي، في ضوء علاقة تقابلية مع حالات المحادثات التي تقع في الحياة. إذ أن التعبير الذي يمارسه الناس كنشاط نطقي في العلاقات فيما بينهم، هو تخاطب أو تحاور، وهذا يعنى أن التعبير ليس أحادى المنبت - - التعبير ثنائى المنبت بمعنى أنه من (أ) إلى (ب) وفي الوقت نفسه من (ب) الى (أ)، وكل متكلم هو أيضاً في الوقت نفسه مخاطب، فالكلام مخاطب وتوجه، إصغاء لنطق ونطق. إنه علاقة.

وتحتاج هذه العلاقة إلى رصد دقيق من أجل تفسير ظواهرها المرتبطة بالتصرف السلوكى، والانفعالات الوجدانية الخاصة بالإنسان.. ففى أحاديث الناس تتجلى سماتهم، وطبائعهم، وأفكارهم ويكتشفون أحياناً عن جزء من نواياهم. والناس حين يتحدثون فيما بينهم لا يضعون مخططا محدداً يضبط كلماتهم، وعباراتهم ومواضيعهم فقد يدخلون موضوعهم الرئيسى في طيات موضوعات عدة يفتحون صفحاتهم وهم يرومون أمراً آخر، ومن هنا ينشأ وعى خاص لدى الكاتب في اختيار أسلوب الحوار الأدبى الذى يجريه على ألسنة شخصياته. إذ يتطلب من المبدع توجيه الحوار باتجاه التكثيف والاكتناز بغية نقل الحوار من مستوى المحادثة اليومية العادية التي تحدث بين الناس، إلى مستوى جديد يتوافر على انتقائية المفردة، والتركيب، والموضوع والإيحاء انسجاماً مع روح الإيحائية التي تنبع من أى عمل فنى، مهما كان واقعياً أو أميناً في تصوير مفردات الواقع، وينبه تشارلس مورجان إلى هذه النقطة فيشير إلى "إن الحوار تقطير لا تقرير" وأنه "وسيلة شكلية للنفاذ إلى جوهر الأشياء" غير أن ذلك لا يعفى الكاتب من خطأ قد يقع فيه وهو تجاهل المحادثة الحياتية اليومية بين الناس، ذلك أنها المادة الأساس التي تمكن الفنان من اختيار لمحاتها المضيئة في وسط العمل الفنى، فالمحادثة في الحياة العادية مرتبطة بالحوار القائم بين الشخصيات المبتكرة في العمل القصصى، ولكنه ارتباط تفاعل، لا ارتباط ارتماء أو اتكاء، فذلك يقود إلى الترهل والملل، والقصة القصيرة هى الجنس الأدبى الأكثر حساسية إزاء هذه المسألة.

و ثمة حقيقة عامة يتأسس عليها تحليل الحوار بأنواعه وأنماطه الوظيفية في القصة القصيرة، وهى أن الحوار جزء فنى من كيان أدبى تتوافر فيه العناصر الأدبية المتكاملة التي تجعل من ذلك الكيان اللفظى أدباً وليس شيئاً آخر. فالحوار في ضوء هذه الحقيقة تأسيس فنى فيه يحتوى خاصيتا الانفصال والاتحاد معاً، في علاقته مع المحادثات الحياتية اليومية، فعلاقة "الاتحاد" هى علاقة اشتقاق وتناغم واستمداد من معين حياتى يعطى صورة عن حالة فكرية أو نفسية أو طبقية، تكون عليها الشخصية القصصية، وتتضح هذه العلاقة بصورة كبيرة في القصة الواقعية، وتكون عندها في غاية الأهمية لأنها تحقق التواصل مع الحياة في موضوع متناول، على الرغم من المحاذير القائمة، وأهمها التطويل والحشو والسأم والرتابة والسذاجة غير المبررة وأشياء أخرى، لا يمكن نقلها كما هى عليه في الحياة إلى حوار النص الأدبى إلا عبر توظيف إجرائي يقتضى ذلك، إذ لا ينجو المؤلف من إيقاع متلقيه في الملل، حتى إذا أراد عن قصد أن يرسم ملامح شخصيته مملة أصلاً في القصة، حيث يباح للمبدع جعل شخصيته القصصية مملة "" ولكن المشكلة هنا أن القارئ سيجدها متعبة "" لذلك يكون لزاماً على المبدع أن يجعل الحوار مسلياً وهو يسعى إلى إضفاء سمات الملل على السلوك الشخصى لبطله في القصة. وعليه ببساطة أن يعالج موضوع الملل دون أن يكون مملاً، وأن يتجنب إحداث أثر الملل في نفس المتلقى، وأن يقوده إلى الموضوع نفسه عن طريق الإيحاء المستمر لدلالة إشارته إلى الأشياء والأفعال.

أما علاقة "انفصال" الحوار عن المحادثة اليومية بين الناس في الحياة. فهى علاقة بنائية تصب في صياغة التكوين الفنى ذاته. وعلى الرغم من "أنه ليس من السهل البرهنة على أن هذه الكلمات بعد أن تدرج في سياق العمل الأدبى تتوقف عن كونها كلمات، وتصبح ظاهرة فنية أخرى. حقاً أن بإمكان هذه الكلمات أن تبدو من وجهة نظر شكلية، نفس تلك الكلمات التي نصادفها في الحديث اليومي."

بيد انه لا يخفى على الدارس المتأمل للعمل الأدبى الفرق بين الحالتين، ويكون "بإمكانه أن يحدد بدقة أن أمامه قطعة من ظاهرة فنية وليس تسجيلاً لحوار حقيقى أو قصة من الحياة المعاشة ".

وحين يرصد الدارس تداخلاً غير مبرر، وخلطاً بين فن القول، والحديث اليومى العادى في وعاء واحد، على غير انسجام أو سبب استدعائى من باطن النص، يحيل الأمر إلى ثغرة في العمل الأدبى ذاته. ذلك أن الحوار هو حديث فنى للشخصية المبتكرة أصلاً داخل القصة. وان هذا الحديث الفنى كما يراه أودييفسكى ينتمى بكليته إلى عالم الفن وانه لا يجوز الحكم عليه المقاييس الحديث العادى في الحياة اليومية، ففى عمل فنى حقيقى لا يكون الحوار وسيلة اتصال بل شكل أو بكلمة أدق، أحد جوانب شكل هذا العمل المشارك في تكوين العالم الفنى المحدد.

و اتصالاً بما تقدم، هل يكفى أن تعبر الشخصيات في القصة القصيرة عن أفكارها عبر حوار موجز وموح لأن الإيجاز والإيحاء عنصران مهمان يؤديان إلى مواءمة حديث الشخصيات مع تكوين القصة من حيث فضاؤها الزمانى والمكانى والحدثى. غير أن ذلك الحوار يظل في حاجة إلى بناء خاص يظهر سمته الفنية وأدبيته المستقلة. وكى لا تكون القصة ذات أحادى غير مبرر وينطلق من صوتين أو ثلاثة أصوات تتحاور في حيز من الأفكار التي يتقاذفونها دفعة أثر أخرى بعيداً عن المرونة أو الالتفاتة أو التوقف أو الاسترسال أو القطع أو الفكاهة أو الإخفاء أو التصريح، تلك الميزات التي تميز أحاديث الناس في الحياة، والتي تخضع إلى انتقائية خاصة منسجمة مع موضوع القصة وتركيب حبكتها، وشخصياتها، واتجاهها الفنى عند صياغة حوار الشخصيات فيما بينها.

فلا يتطور الحوار بهذا الشكل التسلسلى المتعاقب، لأن الأحاديث بين الشخصيات في المحادثة الحياتية لا تسير وفق انتظام مرسوم بدقة، وترتيب مرقم. فكيف الحال إذن في حوار الشخصيات في العمل القصصى، وهو أمر خاضع لانتقاء وإيجاز واختيار فكرى وابتكار فنى يقدم لمحات من الحياة في إطار الإيحاء المؤثر المرتبط بقيمة جمالية، وفكرية معينة. فالحوار في القصة ينمو مع نمو الأفكار والمواقف، إن المبدع "يثير نقطة ثم يتركها، ثم يعود إليها ثانية ثم يتركها ثانية ناقصة، ولكن يعود إليها ثانية، وكل مرة يحفر فيها أعمق، وتتخذ النقاط في الحوار نسباً متباينة من الإضاءة في تقديم القصة، فثمة نقطة خافتة تتبعها نقطة مضيئة فنقطة خافتة، فنقطة أكثر إضاءة" وهكذا يتحول الحوار إلى سلسلة مشعة متوهجة من نقاط تتراوح بين إضاءة وخفوت، فيتحقق تناغم في سياق الحوار يشبه التناغم الموسيقى. (والموسيقى مقارنة جيدة هذا إذ يمكن لموضوعه أن تقدم وتكرر ثم تختفى مدة من الوقت لتظهر ثانية في نقطة ذروة بقوة أكثر). ذلك أن النثر كما يعتقد فلوبير يمتلك القدرة على أن يكون موسيقياً ومتناغماً، شأن الشعر على الرغم من موضوعيته اللازمة. ويذهب فلوبير إلى أن جملة من النثر يجب أن تكون شأن سطر جديد من الشعر، مستحيلة التغيير، نغمية بكل ما في الشعر من موسيقى.

إننى إذ أجئ على مرتكزات أساسية في الجدل القائم بين الحوار الأدبى، والمحادثة الحياتية، فإنما أسعى إلى جعل ذلك تأسيساً انطلق منه في تحديد أنماط الحوار ووظائفه، لاسيما على صعيد الحوار الخارجى، لأنه النوع الشائع والمتوافر على عناصر بينة في قيام ذلك الجدل. فالحوار في القصة القصيرة يلقى عناية مضاعفة من المبدع قياساً بعنايته بحوار الرواية على أهميته، ذلك لأن مجال الزلل والترهل والاضطراب لا يمكن إخفاؤه، أو التقليل من شأنه، لأن القصة القصيرة المتوافرة على حوار، تلجأ إليه لحاجة أساس في بنائها إلى التكوين المشهدى الذى يسعى إلى تسليط الضوء والأهمية على جزء زمنى من حركة الشخصية، وفعلها الحدثى، فيكون الحوار في القصة القصيرة نافذة لمرونة يحتاجها البناء السردى، ولعلها رئة أخرى تتنفس القصة من خلالها هواء جديداً يضخ في أجزائها.

أما الحوار الداخلى في القصة القصيرة، فهو ذو تنوع وغنى في أساليبه وأنماطه الوظائفية التي تحقق له غايته الفنية، ولا يمكن أن يتم تحليله إلا استرشاداً بمعطيات الذاكرة وقدرتها على الاسترجاع والكشف عن أحداث الزمن الماضى، وارتباطها بالمحفزات في الزمن الحاضر في سياق تطور الحدث والشخصيات، فضلاً عن العلاقة المهمة بين حوار الذات مع نفسها، والمخيلة بوصفها مولداً مستمراً لحالات وصور ورغبات، تقيم فعل التواصل مع النفس البشرية في موقف مسبب، وقد دعا هذا الأمر إلى تبين علائـق التشابك بين الذاكرة المسترجعة للصور، والمخيلة المؤسسة لها والمبتكرة لما ليس له وجود في وعى الإنسان.

وذلك كله ينشط في ضوء فلسفة اتجاه أدبى مهم، هو تيار الوعى الذى يقود القصة في سياق خطابها العام في ضوء المعطى الجوهرى للوعى، وإمكانات التوليد الذهنى، ولأن القصة القصيرة ذات ارتباط وثيق بالنزعة الذاتية، وبالحديث المفرد فإن الحوار الداخلى يرتبط غالباً بكلية حدث القصة، مؤديَّا إلى جعل هذا الأسلوب عنصر انتماء وانبثاق في داخل النص على نحو شمولى، في الوقت الذى يمكن أن نجد حواراً داخليَّا جزئياً يرتبط بحدث طارئ ليس له تأثير جوهرى وعارم في سياق النص كله. فضلاً عن أن علاقة ممكنة وواضحة من الممكن تشخصيها بين الحوار الخارجى الظاهر، والحوار الداخلى المرتبط بالعالم الداخلى للشخصية وهنا تبرز علاقة الداخل بالخارج جلية من خلال التعبير المشهدى في جزء زمنى وحركى للشخصية داخل النص.

حسن غريب أحمد

عضو اتحاد كتاب مصر

رئيس مجلس إدارة نادى الأدب بالعريش hassanghrib1364@yahoo.com *** الهوامش 1)) الكاتب وعالمه ( ترجمة د. شكرى محمد عياد ) الألف كتاب، العدد 500 القاهرة 1964 م، ص 284.

2 )) دايانا داوبنفاير ( الرواية وصنعة كتابة الرواية ) ترجمة سامى محمد، سلسلة الموسوعة الصغيرة، 99، بغداد، 1981، ص 61

3)) مجلة المسرح القاهرة العدد ( 45 ) سبتمبر 1967 م ص ( 95 )

4 )) قمم في الأدب العالمى، تأليف الدكتور بديع حقى، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1973.

5 )) المغامرة الشعرية في القصة القصيرة الحديثة (( د. محمد عثمان الملا )) ص 15، 14، 13، 6، 5 - دار الكتاب العربى – بيروت



  • حسن غريب
    عضو اتحاد كتاب مصر كاتب.. ناقد.. روائي.. شاعر
   نشر في 06 شتنبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا