حواشي على طواسين الغزالي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حواشي على طواسين الغزالي

هوامش على رواية طواسين الغزالي للبرفسور عبد الالاه بن عرفة

  نشر في 03 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2018 .


لم يغمض لي جفن بعد منتصف الليل الا و قد لفظ طاووس قرية طوس ابو حامد اخر انفاسه بها، بعد ان بثني اخر اوراق "الطواسين" اخر اسرارها .. ولم أفطر صباح اليوم الموالي الا على وقع مغامرة جديدة نقلتني من اعماق جبال فارس في اعماق الشرق الى ما بين العدوتين بالمغرب الاقصى، أخوض فيها ابحارا جديدا مع " الحواميم " فكان من جميل الموافقات ان صادف صباح اليوم ذكرى المواجع و الفواجع في صباحات يناير قبل 400سنة و نيف من 1492 للميلاد ذكرى سقوط غرناطة و ما بين عامي 1609 و 1614 سنوات التهجير القسري للأندلسيين .. و ما بين "طس " و "حم" أسرار و انوار و أحوال..

بعد ان صاحبت البرفسور عبد الالاه بن عرفة طول الايام الاخيرة و انا اطالع قالبه الروائي الماتع "الطواسين" مع ابي حامد محمد الغزالي ..

منذ الليلة الغراء التي ان تصببت فيها أمه الطوسية هناك في "طوس" بحبيبات من العرق تشبه الفضة تسيلها الحمم في انحدارها من جبينها، و هي تهم ان تضع هذا الصبي.. نظرت الام الى وليدها فابتسمت و جرت دموعها في صمت ، نادت القابلة على زوجها الذي كان ينتظر اي اشارة منها على احر من الجمر ، دخل المسكين مسرعا و دمعتان يتيمتان حاول اخفائهما فضحتاه ، تقدم باتجاه زوجته ووليده و احتضنهما برفق ، " اختلطت الانفاس بالأنفاس و غاب الكل في الكل.. نبهت القابلة الزوج لكي يؤذن في الاذن اليمنى لوليده و يقيم في الثانية.. لقد صاحب ولادة هذا الصبي اشارات و بشارات استبشر بها أبوه الغزال الذي سمي كذالك لاشتغال بغزل الصوف .. لقد كان الغزال متلهفا و متولها غاية التلهف و الوله لان يسمع الصرخات الاولى لهذا الابن الذي اضاء عليه سمائه انوارا و ضياء ..

عانيت مع الغزالي محمد ابي حامد و اخيه احمد مرارة اليتم في الصبا بعد ان ترحلت عنهما فجأة امهما و غاب عن سمائهما بدر الحنان و دفئ الامومة الحانية من دون سابق استعداد منهما .. فكانت هذه اللفحة الاولى التي اكتوى بها الصبيان.. بقي الولدان في كنف ابيهما في طوس ثم لاحت اشارات فهمها ابوهما من ان محمدا سيكون له شأن بين اهل الفضل و اهل العلم .. جمع قدرا من المال و استوصى صديقا له بهما ليحسن تربيتهما و ينفق تركته المتواضعة على تعليمهما.. دنى أجل الوالد الذي ما كان منه ليلة ايقن انه ملاق ربه ان جمع الصبيان حوله و اهدى ابى حامد ريشة طاووس يكتب بها و يدون بها من المحبرة انوار العلم ، ففهم عنه محمد قصده و اشارته انه يريده ان يكون طاووس ينيخ بريشه بين العلماء و يملئ ذكره و نفعه الارجاء.. فقد الغزالي اباه ايضا و هو و اخوه لا يزالان صبيان .. لقد عاش الطاووس يتما و فقرا فراقا و اوجعه في صغره و كأنما كانت تعده هذه الاحوال لان يتجلد على ما يخبئه له الدهر ..

صاحبت الغزالي في كل مراحل حياته منذ انتقاله الى نيسابور ليكمل بها تعليمه في نظامية نظام الملك التي كان يشرف عليها الامام الجويني فدرس على يديه حتى صار من انجب تلامذته ووريثه و خليفته على كرسي الدرس كلما غاب، عشت مع الغزالي تجربته مع الطائفة الاسماعيلية التي كان يترأسها "الحسن بن الصباح" و كيف ان اندرج فيها دون وعي منه حينها حتى اكتشف له فيما بعد ضلالات هذه الفرقة و اخد منها مسافة بل و انتصب للرد على شبهاتها و ضلالاتها ..

عشت مع ابي حامد طاسين المحبة و تجربة الصبابة لما لثغ قلبه حسنها الفياض و لسانها العذب و قريحتها المتوقدة و نفسها الجميلة ، تعلق الغزالي "بالطاهرة حواء" التي كانت من عائلة توصف انها من اكابر اهل الطائفة الاسماعلية فعمل على ان استلها من هذا الفكر المنحرف فشفع له نسبها الشريف عند طائفتها التي بلغت من الجسارة حد القتل و الاغتيالات في ارجاء القصور و بين صفوف الامراء، فكان ما يشفع للغزالي نسب زوجته الطاهرة حواء و صداقة قديمة مع صديق اسماعيلي قديم كان يكنى عليا ..

ان اجمل درس في تجربة الصبابة عند ابي حامد هو درس الشجاعة .. حيث "ان اكبر ما يعلمك الحب هو الشجاعة حيث يجعلك تكسب الحب و تكسب الشجاعة ".

عاش الغزالي تجربة المحبة بكل ما تحمله من اسرار و ذاق من لذة الوصل بعد الهجر و رزق من حبه ريحاناته الثلاثة و وولده الذي اشتق له اسما من الحمد و المحمودية فسماه حامدا ليكنى بعدها هو بأبي حامد فكان افضل الاسماء و اعز الالقاب عليه ..

عايشت معه الاوضاع السياسية التي كان تموج بها البلاد الاسلامية حينها بين قيام خلافة فاطمية شيعية مغرضة على يد الفاطميين في مصر اسقطت الخليفة العباسي في بغداد، قبل ان تعيده دولة السلاجقة بقيادة "طغرل بك" .

كانت دولة السلاجقة الخط الذي حمى حمى الملة و الدين و حفظ السنة من تغول طوائف كانت تموج بها الوقت اذ ذاك من مد شيعي و فاطمي و طائفة اسماعلية تعمل في صمت و طائفة باطنية انكرت من الدين ما الكثير و طائفة بهائية ادعت من الانحرافات الشيء الكثر ..

في هذا الوضع المتقلب التي كثرت فيه الاغتيالات و التقلبات كتب للغزالي ان يعيش فكان التلميذ النجيب المقرب الى الامام الجويني المشرف على نظامية نيسابور التي تكلف بها نظام الملك في دولة السلاجقة لتكون المنبر الفكري الاول الذي تواجه منه كل الانحرافات من الفرق المختلفة ..

بعد ان وفاة امامه الجويني دعي الغزالي لينتقل الى بغداد قلب الخلافة و العاصمة التي تموج بكل الفرق و النحل فعين مشرفا على المدرسة النظامية بغداد .. فكان كمن وضع على فوهة البركان او كمن وضع بين المطرقة و السندان، فهو من جانب يجد في نفسه و في توجه الدولة واجبا في ابطال دعاوى الفرق و النحل الضالة من باطنية و خصوصا الاسماعيلية والرد الماحق على ضلالاتهم من جهة ومن جهة اخرى يواجه كل يوم تهديدا و شيكا بالتصفية و القتل من هولاء الذين فتكو بنظام الملك في قصره فكيف لهم ان لا يصلوا الى الغزالي و هو الحاضر بين الطلبة في حلقات الدروس فكان يراعى هذا ايضا فيرد عليهم بمقدار و بكياسة ..

و لما ان بلغ الغزالي من الوجاهة و القبول في المجالس مبلغا عظيما حتى كان ذا شأن وجاه ووجاهة، كان قد وقف على جرف هار لولا ان فتح الله عليه ابواب الفهم عنه، فقد حصل له في هذه المجالس ان استقوى بعقله ، و استبد بمناظريه، و استقوى بالعقل و المنطق، و لبس من الزينة و الاثواب ما جعل نفسه تطغى عليه لولا ان دخل عليه اخوه يوما محذرا اياه مغبة الاقبال على الدنيا و الادبار على الاخرة و أنشده في حلقة الدرس يوما امام الناظرين :

أخدت بأعضادهم اذ ونوا .. و خلفك الجهد اذ اسرعوا

و أصبحت تهدي و لا تهتدي .. و تسمع وعظا و لا تسمع

فيا حجر الشحد حتى متى... تسن الحديد و لا تقطع

فكانت هذه الابيات كالزلازل الذي هز كيان ابي حامد حتى كاد يغمى عليه ثم تفكر في نفسه فأيقن منها ان دافعه في التدريس ليس خالصا لوجه الله تعالى بل كان باعثه و محركه طلب الجاه و الوجاهة و انتشار الصيت فتيقن انه على شفى جرف هار و انه قد أطل برأسه على النار ان لم يشتغل بالتلافي فكان هذا هو الباب التي فتح له انوار الفهم و مشروع الاحياء ..

قرر الخروج من بغداد متحايلا على اهلها و خليفتها في ركب من الحجج سيفارقهم متوجها الى الشام ، فكان ان اقام في القرى الاثرية في "تدمر" و من العجائب انها كانت تحوى اهل كل الملل و النحل من يهود و نصارى و عباد شمس و حتى اللت و العزى كانت هناك و كثير من المنحوتات الاثرية القديمة. قضى بها ابو حامد نزرا من الوقت قليل ، ليتوجه بعدها صوب الشام ثم لقاء بيت المقدس حيث سيفتح له باب الاحياء فألفه على اربعة ابوب لكل باب سر و في اربعين كتابا بالتمام و الكمال .. فحصل ان اسمعه الله في بيت المقدس و قبة الصخرة دبيب النملة الصماء في الليلة الظلماء .. و هذه من فتوحات " طس" مطلع سورة " النمل " ..

انقطع ابو حامد عن الناس متعبدا ناسكا متزهدا تاركا ما عليه من اثواب مكتفيا برقعة و عكاز يتوكأ عليه .. تابع تدريس الاحياء لبعض الخواص من طلبته و اجاز فيه كثيرا منهم ، و قد حصل ان جائه كتاب من امير المسلمين يوسف ابن تاشفين امير دولة المرابطين الملثمين يستفتيه في قتال ملوك الطوائف في العدوة الشمالية من المتوسط بعد ان غدروا به لما استجاب لندائهم فرد عنهم هجوم الصلبيين و ووحد كلمتهم الا انهم عادو عن مواثيقهم و عهودهم فأفتاه الغزالي على قتالهم و شكر نبل صنيعه و دفاعه عن عرى و ثغور المسلمين .. لكن هذه الفتوى ستجر عليه فيما بعد سخط قضاة المماليك الذين البو عليه فيما بعد سلطات المرابطين و الفو الحكايا المغرضة في كتابه الاحياء الذي امر بحرقه في جامع قرطبة .. فيالها من مصادفات و احوال و ازمنة متبدلة و متقلبة ، يستفتيه المرابطون في زمان على قتال ملوك الطوائف ثم يدور الزمان فيحرقون كتبه في جامع قرطبة و الامر لازال في ايديهم ..

عشت مع ابي حامد انتقاله بعدها لمصر و عزمه السفر الى سبتة لولا ان اخبر عن كساد العلم فيها ثم تذوقت معه تجربة الحج لما هاجر من مصر مع وفد من الحجاج المغربة عبر معهم البحر الاحمر وصولا الى جدة فتنسك بالنسك و ادى الشعائر احياء لسنة اب الانبياء خليل الله ابراهيم ..

دهب ما كان في نفس ابي حامد عن التدريس فعاد اليه و لكن في احضان الوطن و الديار فقرر الرجوع الى طوس مسقط رأسه لما حصل له وجد و شوق الى دياره في طوس حيث انشد قول ابن الرومي :

و حبب اوطان الرجال اليهم... مارب قضاها الفؤد هنالكا

اذا ذكروا اوطانهم ذكرتهم... عهود الصبا فيه فحنو لذالكا

عدت مع الطاووس المبتهج المتألق بين كل الطيور ابي حامد و ابو سلمى محمد الغزالي الى طوس حيث استكان بها و اسس بها مدرسة صغيرة اقام فيها نظام الاحياء فختم بقية حياته فيها بين ذكر و صلاة و مشاهدات و انوار و مدد نوراني .. و كان من بين تلامذته الذين اجازهم في الاحياء طالب نبيه من بدو اهل المغرب يدعى محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي فكان من اشد الطلبة ملازمة لي حتى اجزاه في الاحياء و اخبرني انه من قرية تدعى " تنمل" كما اخبره ان قاضي القضاة في الاندلس ان حمدين يشعب على المرابطين في كتبه التي احرقوها فادن له الغزالي ان يدخل الاحياء الى المغرب .. ولم يكن هذا الطالب الا ابن تومرت التي انطلقت دعوته من تنمل ليؤسس دولة الموحدين التي ستعقب امجاد المرابطين ..

و في الاثنين جمادى الاخرة عام 505 من اخر شهر عجمي من سنة 1111 لما كان وقت الصبح انفرط القعد من الجوهرة و فاضت روح الطاووس محلقة عاليا في فضاء الملكوت و انقضى اجل صاحب طاسين التكوين و الحب و الوصال و القلعة و الكلام و البستان و الخاتم و الخوف و الرؤية و الاحياء و التجريد و الحج و الابداع و الفهم و التجديد ابو حامد الغزالي قدس الله سره و جدد عليه الرحمات ..

رجع بنا البرفسور المجدد عبد الالاه ابن عرفة الى شخصية من اكبر الشخصيات المؤثرة في التاريخ ، فكان الحال مع قراءة هذا القالب الروائي العرفاني الماتع كحال من رجع به الى الوراء و حصلت له كل تلك المشاهدات رأي العين ..

ان البرفسور ابن عرفة بمشروعة الروائي الكبير و الضخم يخوض بعمق معركة الذاكرة و يتصدى بقوة لكل محاولات الطمس التي تتعرض لها الذاكرة الجماعية و التشويه الذي تلاقيه الهوية الخالصة من كل الاتجاهات . ان اعادة بعثه لهذا التراث المجيد لابد و ان يكون حجر الزاوية في كل محاولة جادة لبعث الروح من جديد في انسانية القرن الوحد و العشرين ..


  • 1

   نشر في 03 يناير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا