إبراهيم كامل :وحملها خالد وعمره فى الإسلام ثلاثة أشهر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إبراهيم كامل :وحملها خالد وعمره فى الإسلام ثلاثة أشهر

إبراهيم كامل :

  نشر في 17 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

وُلد خالد بن الوليد رضي الله عنه في مكة، وكان والده "الوليد بن المغيرة" من سادات قريش، واسع الثراء ورفيع النسب والمكانة؛ حتى إنه كان يرفض أن تُوقد نارٌ غير ناره لإطعام الناس؛ خاصة في مواسم الحجِّ ، ولُقِّبَ بريحانة قريش؛ لأنه كان يكسو الكعبة عامًا وقريش أجمعها تكسوها عامًا.

نشأ خالد فى هذا البيت , وتعلَّم الفروسية منذ صغره مُبديًا فيها براعة مميزة؛ حيث كان أحدَ الاثنين اللذين يُقاتلان بسيفين في آن واحد هو والزبير بن العوام ويقود الفرس برجليه؛ ولذلك جعلته فروسيَّتُه أحد قادة فرسان قريش.

ولأنه من أفضل الفرسان فى ذلك الوقت فلابد أن يكون له دورُا فى معارك وغزوات ذلك العصر ,ولعل أبرز أدواره , قبل إسلامه ,دوره فى هزيمة المسلمين فى عزوة أحد حينما ألتف حول مؤخرة الجيش الإسلامى مستغلًا إنشغال بعض الرماة بجمع الغنائم ومخالفتهم أوامر النبى؛ فأحدث ثغرة فى الجيش الإسلامى وحول نصر المسلمين الى هزيمة قتل فيه عدد كبير من المسلمين, فماذا بعد إسلامه ؟!

شارك خالد بن الوليد في أولى غزواته-بعد إسلامه - في غزوة مؤتة ضد الغساسنة والروم، وقد استشهد فيها قادتها الثلاثة: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة.

وبعد إستشهاد هؤلاء الثلاثة كان الموقف عصيبُا على المسلمين , والسهام تتقاذفهم من كل جانب والامواج تتلاعب بهم من كل حدب وصوب , فمن يحمل لواء المسلمين فى هذا الموقف العظيم ؟! أيحملها أكبرهم سنًا أم أمهمرهم فى القتال والفروسية , ومن يضمن أن لا يقع خلاف بين المسلمين فيزداد الضعف ويتفاقم الجرح ؟!

بعد إستشهاد الأبطال الثلاثة , حمل الراية الصحابي الجليل ثابت بن أقرم البدريّ (ممن شهد غزوة بدر) ، فقال:" يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم". فقالوا:" أنت تحمل الراية". فقال: "ما أنا بفاعل. ثم تقدم إلى خالد بن الوليد ، القائد المعجزة، فدفع له الراية، وقال له: أنت أعلم بالقتال مني" فقال خالد -وعمره في الإسلام ثلاثة أشهر- متواضعًا:

" أنت أحق بها مني، أنت شهدت بدرًا"فنادى ثابت بالناس بأن خالد أحق بالإمارة وقيادة الجيش منه؛ فاجتمع الناس على خالد، وأعطوه الراية، فحمل خالد الراية، وجاهد جهادًا عظيمًا .

هكذا كان حوارهم وهكذا كانت أخلاقهم ,فالجميع يضع نصب عينيه رفع راية الإسلام عالية , فما يهمهم رفعة الدين وليس مجد شخصى زائل ,فكم أحوجنا الى قلوب متجردة مثلهم فى تلك الأيام البائسة !.

فحملها خالد وعمره فى الإسلام ثلاثة أشهر فقط , فماذا فعل؟ , وكيف يستطيع مواجهة جيش الروم البالغ عدده ما يزيد عن مائتى ألف مقاتل ,أمام جيش من المسلمين عددهم حوالى ثلاثة الآف مقاتل !.

هذه كانت أولى معاركه وهو مسلم ,فإذا كان قبل الإسلام وحشًا كاسرًا , فكيف سيكون حاله بعد الإسلام وهو آلان يدافع عن دينه الجديد وعقيدته التى بلغ فيها عمره ثلاثة أشهر فقط , فبين عشية وضحاها وجد نفسه قائد لجيش المسلمين فى غزوة مؤته .

قاتل خالد بن الوليد فى مؤته كما لم يقاتل من قبلُ، حتى قال: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية" .-الصفيحة اليمانية هى السيف العريض- .

ما تلك العزيمة التى عليها وهو قائد تتكسر فى يديه تسع سيوف , كم عدد الذين قتلوا على يديه , وكم جرح حدث بجسده من جراء تلك المبارزة الطويلة .

وعلى هذا الحال استمر القتال يومًا كاملاً، ما تراجع المسلمون فيه لحظة واحدة، وإنما وقفوا كالسدِّ المنيع أمام طوفان قوات التحالف الرومانية العربية، واستمر الحال على هذا الوضع حتى حل المساء. ولك أن تتخيل قتالاً منذ الصباح وحتى المساء، وثلاثة آلاف في مقابل مائتي ألف!

لم يكن من عادة الجيوش القتال بالليل , فاستراح جيش الروم وحلفائهم من العرب , ولم يركن خالد وجيشه للراحة لأنه كان يعد العدة لتنفيذ خطة عبقرية لاتزال تدرس الى يومنا هذا فى العلوم العسكرية ! فياترى ما هى الخطة ؟.

كان هدف الخطة العبقرية إشعار الرومان بأن هناك مددًا كبيرًا قد جاء للمسلمين؛ وذلك حتى يتسلل الإحباط إلى داخل جنود الرومان والعرب المتحالفين معهم، فهم أمْسِ كانوا يتقاتلون مع ثلاثة آلاف وقد رأوا منهم ما رأوا، فكيف إذا جاءهم مدد؟!

ولتنفيذ هذه الخطة قام خالد بن الوليد بالخطوات التالية:

أولاً: جعل الخيل طوال الليل تجري في أرض المعركة لتثير الغبار الكثيف؛ فيظن الرومان أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين.

ثانيًا: غير من شكل وترتيب الجيش، فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، وحين رأى الرومان هذه الأمور في الصباح، ورأوا الرايات والوجوه والهيئة قد تغيرت وتبدلت، أيقنوا أن هناك مددًا قد جاء للمسلمين، فهبطت معنوياتهم تمامًا.

ثالثًا: أمر بعض الجنود أن يكونوا على مسافة بعيدة من الجنود المسلمين فوق أحد التلال، منتشرين على مساحة عريضة، وكلفهم بإثارة الغبار لإشعار الرومان بالمدد المستمر الذي يأتي للمسلمين.

رابعًا: بدأ خالد بن الوليد فى التراجع التدريجي بجيشه إلى عمق الصحراء، الأمر الذي شعر معه الرومان بأن خالدًا يستدرجهم إلى كمين في الصحراء، فترددوا في متابعته، وقد وقفوا على أرض مؤتة يشاهدون انسحاب خالد، دون أن يجرءوا على مهاجمته أو متابعته.

ونجح مراد خالد بن الوليد، وسحب الجيش بكامله إلى عمق الصحراء، ثم بدأ الجيش في رحلة العودة إلى المدينة المنورة سالمًا.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر الصحابة بتلك الغزوة: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وعيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان-، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ»

ولم يهدأ ولم يركن للراحة بل ظل يواصل الجهاد فى سبيل الإسلام ورفعته ,منذ أن أعلن إسلامه ,ومنذ بزوغ نجمه فى سماء الغزوات الإسلامية يوم مؤته .

ولعلى أهم أعمال "خالد بن الوليد" بعد غزوة مؤته قيادة جيش المسلمين فى القضاء على حركة الردة التى ظهرت بعد وفاة الرسول وفى بداية عهد أبى بكر الصديق , وكان "خالد بن الوليد " قائد أبوبكر المفضل الذى يرمى به الأعداء فى أى موضع وكل مكان ,أعتمد عليه فى فتوحات العراق ومواجهة الفرس ,ثم أستدعاه ليتولى قيادة المسلمين فى فتوحات الشام ضد الروم , ومن شدة إعجاب أبوبكر بعبقرية خالد بن الوليد قال قولته المشهورة : "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد "

وبدأ "خالد" يحقق أنتصارات كثيرة على الروم فى اليرموك, وبعد وفاة أبوبكر؛ جاء عمر بن الخطاب وأصدر كتابًا بعزله وعهد فيه إلى" إبى عبيدة بن الجراح " بإمارة جيوش المسلمين ولكن أبو عبيدة أخفى الكتاب عن خالد أثناء المعركة إلى أن تم النصر للمسلمين .

فهكذا كانت أخلاقهم هكذا كان يؤثرون على أنفسهم , ويتخذون من المواقف ما فيه صلاح للمسلمين وإعلاء لرايتهم , وقد يتسأل البعض ما موقف خالد بعد أن قام عمر بن الخطاب بعزله من قيادة الجيوش؟ هل أحتج وقاد صفوف المعارضة معتمدا على فروسيته وإعجاب الناس به؟! أم إلتزم الأمر وقاتل كفارس من فرسان الإسلام !

واصل خالد الكفاح والجهاد دون النظر إلى منصب أو مكانة , فقد كانت غايته الكبرى الجهاد في سبيل الله، ينشده من أي موقع وفي أي مكان.

وبعد هذا العمر الحافل بالأنتصارات وخوف الأعداء من مجرد ذكر اسمه بين الجيوش , جاءه الموت وحينما شعر بدنو الأجل وإقترابه , انسابت الدموع من عينيه حارة حزينة ، ولم تكن دموعه رهبة من الموت؛ فلطالما واجه الموت مرات كثيرة فى الحروب والمعارك ، وإنما كان حزنه وبكاؤه لشوقه إلى الشهادة؛ فقد عزَّ عليه أن يموت على فراشه، وهو الذي طالما ارتاد ساحات القتال فترتجف منه قلوب أعدائه، وتتزلزل الأرض من تحت أقدامهم.

وقد جاءت كلماته الأخيرة تُعَبِّر عن ذلك الحزن والأسى في تأثُّر شديد: "لقد حضرتُ كذا وكذا زحفًا وما في جسدي موضع شبر إلَّا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء "

وعمر بن الخطاب الذى عزله من قيادة الجيوش ؛خوفًا من إفتنان الناس بهم وظنهم أنهم يحققوا انتصارات لوجوده معهم والعمل تحت قيادته , وحينما يسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بوفاته –وتأتيه الأخبار ببكاء النساء على خالد - يقول: "دع نساء بني مخزوم يبكين على أبي سليمان، فإنهن لا يكذبن، فعلى مثل أبي سليمان تبكي البواكي".



  • ibrahim kamel
    خريج اداب القاهرة قسم تاريخ - الثالث على الدفعة -تمهيدى ماجستير تاريخ اسلامى
   نشر في 17 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا