الماضي والحاضر والمستقبل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الماضي والحاضر والمستقبل

كيف استطاع كتاب اقتصاد أن يغير نظرتي تجاه الأمور ؟

  نشر في 05 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 04 ديسمبر 2016 .

          في أول يوم لي كطالب جامعي كان الطريق أمامي شاقاً لأصل كل يوم إلي وجهتي؛ وإقترنت بي هالة من الملل وضيق الصدر في قطع إثنتين وخمسين كيلو متراً من دمياط إلي بورفؤاد، ولم يتثني لي وقتها أنها مسافة قد تبدو قصيرة بالنسبة لمعاناة طلاب آخرين في الوصول إلي جامعاتهم، بدى لي وقتها أن أكسر هذا الملل بكتاب أو بالعبث في هاتفي الذي ما يلبث أن يخر صريعاً من كثرة الإستخدام وكسرة الطريق، كانت أمواج أيامي تأتي ثم تذهب، وقد تملكت مني معاناة السفر طيلة ستة أيام صعوداً وهبوطاً في الحافلات وتوطدت علاقتي مع روادها حتي أضحوا يعرفونني أكثر مما يعرفني أساتذتي، وكل مرة يثير فضولهم كتاب أحمله معي ويستبدل كل أُسبوع، فقد هويت كل مايطرأ في العلم، إما في الفيزياء أو الهندسة أو الفلسفة أو التاريخ، لكن هذه المرة إختلف الأمر، وإنطوت الأيام سريعاً حتى نبهني أحدهم بأني أحمل كتاب الأسبوع المنصرم .

في تلك اللحظة أدركت بأن هناك شيئاً حقيقياً قد شدني لهذا الكتاب وأوقف حركة رأسي المزدحمة بتفاصيل الأيام وحدسي معاً، وتبادر لذهني سريعاً بأنه قد تملكني لدرجة أني شعرت بأن موجته قد ارتطمت برأسي وأصبح وقتي مغشياً عليه وأضحيت أقلب كفي علي ما أنفقت من وقت وأنا لازلت في فصله الأول، فقد عهدت إلى نفسي أن لا أضيع وقتي وأخذ ما يهمني من الكتاب سريعاً، لكن الأمر هنا قد اختلف، إن الشئ الذي أدهشني حقاً هو التفكير في علم الاقتصاد ذاته بأفكاره وآراءه وغموضه وتاريخه اللامحدودين، بيد أني أنهيت هذا الكتاب بعد ستة أشهر من القراءة والفهم والاستيعاب.

كان كتاب - تاريخ الفكر الاقتصادي- لجون كينيث جالبيرث رغم بساطة أسلوبه إلا أن كل سطر فيه كان بألف كلمة، كل فصل كان يأخذني لمرادفات وخيالات لكل ما قامت به الإنسانية منذ عهود ما قبل بناه الأهرامات، وحتى تلك الرصاصة التي سكنت واستقرت في صدر أول جندي في حرب فيتنام، ومروراً بالسفن المحملة بالذهب التي اصطحبها أمريجوا فسبوتشي إلي مملكة البرتغال، وأن النقود ليس لها رائحة، وأن المال يجني المال، وأن أروع الأشياء تلك التي لا ندفع فيها نقوداً؛ كانت أفكاراً جديدة بالنسبة إليّ، أحدثت اضطراب شديد في أفكاري وفلسفتي تجاه الأمور وكانت المحطة الأولى لي والبداية برحلتي في مجال الاقتصاد، آل لي في تلك اللحظة  أن هذا العلم وبدون شك هو الذي يدور في فلكه كل العلوم الإنسانية، وعامله الأساسي والأكثر جدلاً هو الإنسان بآماله وطموحاته وأحلامه، فهو من صنع القيم وأعطي للأشياء مكانتها، فأول ما بحث الإنسان في عصور فجر التاريخ كانت عن احتياجاته الأساسية من مأكل ومشرب ومأوى، وسرعان ما تطورت احتياجاته إلي أن احتاج الناس إليه، كان الاقتصاد هو الأداة العلمية والسلوكية التي يستخدمها الإنسان ليشعر بقوته وهيمنته، فأيما كانت قوة الاقتصاد وجدت قوة السلطان.

لقد علمني الاقتصاد الإيثار، وتلك هي أهم قيمة في حياتي، أن تفكر في آمال الناس وفي سعادتهم قبل أن تفكر في نفسك، لأن في سعادتهم أقصر طريق لسعادتك، فتح العلم لي زراعيه وتقرب مني وتقربت منه وأمدني بأسراره دون شروط أو صفقات، بل وصل به الحد إلى الإسراف معي فكنت كالأرض القاحلة، وكان هو السقاية المفرطة، وصادقت الأيام منا أكثر فأكثر، وكان السؤال الذي نشب في رأسي، لماذا لا يدرك الناس أهمية علم الاقتصاد ؟

الجواب الذي تبادر في ذهني هو أننا لم نربي أولادنا على هذا العلم وزرعناه فيهم منذ الصغر؛ لم نربيهم علي أنه قيمة أصيلة فيها صلاح للناس وتقدم لاشك للمجتمع، لم نربي فيهم أنه علم وسلوك، وحداً فاصلاً بين الافراط وربط الأحزمة علي البطون .

خيالات الماضي ومحاولة لفهم الحاضر

على طول الجانبين من الطريق ،وأثناء سفري كل يوم، تغمر المياه كل شبر بين النيل والقناة ، بحيرات صغيرة مقسمة تماماً مثل مجتمعاتنا، ثم بحر طويل تلاطم فيه الأمواج واحدة تلو الأخرى وكأنها صدمات كهربية تحاول أن توقظ هذا الجسد الهامد الخامل،راودني هذا التشبيه كثيراً، وأوقات أخرى كنت أشعر أن تلك الأمواج لطمات أوروبا علي وجوهنا، وانساب إلىّ شعور دفين بأن تحملني تلك اللطمات لأنقل ما في رأس القارة العجوز إلينا وأسترد ما ضاع منا، ثم يعود إلي ذهني التشبيه الأول بأننا جسد هامد، وأننا مقصرون، تركنا العلم وتركناه فإرتحل إلي مكان ما يقدره، لا قحالة فيه ولا جدب ولا نفوس تَملّك منها الكسل، ثم يلوح بي آفاق لوطني كمكان خدره الزمن لقرون وأنهت عليه الاستعمارات تلو الأخرى، تساءلت في نفسي كيف يمكن للاقتصاد أن يعُمر هذا المكان؟ كيف يمكن لهذا الشريط الضيق أن يصبح الأثر الأكبر في التنمية؟وأن يُكَونَ جبهة لا تقف عندها كل الأمواج، كانت الأسئلة تتبادر إلى ذهني ولا أستطع الإجابة عليها، بيد أنني كنت أفكر وقتها في مدينتي، دمياط، متى تصبح عبقرية المكان الركيزة الأساسية في التنمية؟ ولكن يبقي الأمل موجود .

في المدينة الباسلة

عدت مرة أخرى إلي بورسعيد وأمام مبنى البوليس كنت أشعر بالإرتباك ، لازال دماء المقاومة في 56 تسيل علي جدرانه صارخة، وباتت كل مَعْلم من معالم الغرب تجعلني أنفر وأضجر وأسرع من خطواتي من هذا المكان، لكن هذا الشعور يتغير تماماً في لحظات عندما أنظر إلى بورفؤاد، وسرعان ما أستقل المعديات وأنظر إلى المياه، فتتحول مياهها مرة واحدة إلى اللون الأحمر، مخضبة بدماء المصريين الذين ضحوا بأرواحهم لحفرها وكان سياط العثمان تهز قاع أذني بضربة واحدة علي ظهور ستين ألف من الفلاحين الضعفاء في سخرة إستمرت لعقود، تدور بي المعدية وألتفت معها لأرى مبني الهيئة ‘‘هيئة قناة السويس’’ وأتمعن النظر به لأجد الخديوي إسماعيل وجواره امبراطور فرنسا وزوجته الامبراطورة أوجيني وعلي يمينه دليسبس ينظر إلي قاعدة تمثاله بسعادة يتغلب عليها الانتصار، فيبتعد عني المشهد ثم يندثر وأجد المعدية قد دارت مرة أخرى فأنتقل إلي الجانب الأخر وأمامي أوروبا، وقاعدة التمثال هي ما تبقت ومرهونة بإعادة هيمنة الفرنس علينا، تصل بي المعدية إلي بورفؤاد، مدينة الملك، والجزيرة الهامدة، وأقول في نفسي ماذا ظلت فرنسية، فأتأمل ماشياً مباني الهيئة التي بناها الفرنس والإنجل، تخطيط عبقري ومثالية في الزمكان، فأدخل كليتي وبيدي كتاب جالبريث وأنا لازت في الماركنتية وأشم عند مروري بالحديقة برائحة بخور الهولنديين ولفحة هواء شرق أسيا وظهري للقارة التي جني عليها الزمن .. أفريقيا .

ملامح على الطريق

لحظات محدودة ثم أعود في الطريق إلى بيتي، وعندما أصل إلى أبواب المدينة يعود إليَّ التفكير من جديد، جبال من قمامة أحرقها القائم عليها ليتخصص منها، وحافلات مكتظة يخرج الناس من بطونها، وشوارع ضاقت على سكانها، وقليلاً يمتد البصر لأجد المروج الخضراء قطعت آصالها وتبددت وتبدلت بعمائر، تغييرت ملامح المدينة كاملة في 20 عاماً ولأنها في إقليم هُمشت لسنوات طويلة .

وطأت قدمي أرض المدينة أخيراً بعد ساعات في الطريق المفتت، وقررت في نفسي أن أذهب ماشياً إلي بيتي، أنا الآن في باب الحرس، باب المدينة القديمة التي أعاد ترميمها المماليك، وأخذت طريقي وعلي اليمين كان سوق الحرير وفي مكان ما هنا كانت تصنع كسوة الكعبة، وفي آخر الشارع كان مسجد الفاتح عمرو بن العاص، وأساطير مسجده وسراديبه المخفية القديمة، وهنا علي جانب الطريق قتل الفرنس والسويسر وجيوش أوروبا وسالت دمائهم في الطرقات؛ قررت أن أمد خطوتي سريعاً وأنظر إلي تلك المساحة الواسعة، كانت مصانع قديمة شيدها العثمان في المدينة لصناعة الآثاث والجبن والأحذية، فتأخذ طريقها في النيل إما للقاهرة وصعيد مصر أو البحر سفراً إلي الأستانة، مديت الخطى أكثر قليلاً في الطريق وغربت بي الشمس في سوق الحسبة، سميّ دلالة علي الحبوب والقماح والغلال التي جمعها المسلمون الأوائل في من الدلتا ثم يتم حساب الخراج منها في عهد الفاتحين وترسل إلى الحجاز من القنطرة أو الميناء القديم؛ وهنا جلس بيبرس -الملك الظاهر- وأعاد فتح الميناء بعد طرد العدوان الصليبي وإزالة السلاسل التي طوقت الميناء لسنوات .

عدت إلى منزلي وفي يدي قصاصات من الورق كتب بها كل ما شاهدته طيلة اليوم، وبيدي كتابي أنظر إليه وأتمعن إلى حالنا وحال من سبقونا، لماذا وصل بنا الحال هكذا؟ قلت في نفسي بأن الكرة لاتظل داخل الشبكة طيلة المباراة، وأن التاريخ دائماً ما يعيد نفسه، وأن الماضي صورة الحاضر، ووضعت كتابي علي مكتبي ونظرت إليه وكأنه يهمس إلى أذني ويقول " يبقي الأمل موجود " .


  • 5

  • محمد الكُتبي
    باحث اقتصادي لدي الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا ومهتم بمجالات الاقتصاد أشاركك معلومة اقتصادية قد تكون جديدة بالنسبة لك .
   نشر في 05 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 04 ديسمبر 2016 .

التعليقات

بسمة منذ 1 شهر
ماشاءالله ،
لأول مرة في حياتي ارى اقتصادي يمتلك موهبة في مجال الأدب ،
فدائما الأشخاص الذين يميلون للتخصصات العلمية بعيدين كل البعد عن ماينتمي لفنون الأدب ،
لذا اتمنى ان لايتوقف كتابتك في مجال الأقتصاد فحرر قلمك ليبدع في مجال القصص والخواطر والأراء ...
إلى الامام وبالتوفيق~
0
لميا عباس منذ 4 شهر
أحييك على السرد الرائع و الملهم فكل شبر كما وصفت ذو قيمة عالية إن كان من التآكل أو من التقادم و كما الإقتصاد علم يعنى بالثروات فالكلمات المنتقاه أيضا مكسب حين تفتح الإقبال أو العزوف لدى القارئ. وجدت نفسي أتابع و أشاطرك المواقف، كم من الذين عبروا و صمدوا و تركوا و خلفوا و كم من الآلام و الآمال التي وجدناها و جمعناها، فعلا يبنى المستقبل بكم هائل من الماضي و الحاضر، سنفعله اضطرارا و آمل أن نملك الوقت و القدرة على التدارك.
1
Mohamed Fawzy منذ 4 شهر
تحية إلي صديقي دكتور الآقتصاد القادم محمد الكتبي فى الحقيقة المقال مبهر ... عندما طلب مني الصديق محمد قراءة المقال وإبداء الرأي وبما أنه مشروع دكتور أقتصاد توقعت أن المقال سيكون علي أقصي تقدير جيد ولكن .... خاب ظني فهو ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يسرد الآحداث خلال المقال بأسلوب صحفي متمكن من أدواته يتخلله حس شاعر عامي متمكن من كلماته وأدواته أيضاً حتي أنه حيرني هل كان يعرف فى نفسه الحس الصحفي أو الميل للإلقاء بطريقة الشعراء .... فقط أتمني منه أن لا يحيد عن طريقة الآقتصادي فربما كان أحد أقطاب علم الآقتصاد المصري مستقبلاً وفي نفس الوقت أتمني أن يثقل موهبته فى الشعر والكتابة
خالص تحياتي للشاب المجتهد
محمد الكتبي
1
محمد الكُتبي
ربنا يبارك في حضرتك يا أستاذ محمد، ده من كرم حضرتك وإحنا تلاميذك ، أنا الحقيقة والله مش لاقي رد أقوله ومش قادر أترجم أي رد فعل من أستاذ كبير زي حضرتك، نفع الله بك الناس وأصلح بك الله إعلامنا ومجتمعنا ، تحية طيبة ومباركة لحضرتك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا