فلسطين.. هل تصير أثر بعد عين..؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فلسطين.. هل تصير أثر بعد عين..؟

إن الدنيا يتولى حكمها أناس أخرون غير هؤلاء الذين يتخيلهم من لا ينظرون فيما يجري خلف الستار ..!

  نشر في 27 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 يوليوز 2019 .

بقلم/ محمد أحمد فؤاد..!

إتُفق إنه في العام 1798، سنة الحملة الفرنسية على مصر، أن يهودياً فرنسياً أذاع في باريس خطاباً إلى قومه يدعوهم فيه إلى تأليف مجلس عام يضم إليه مندوبين من اليهود المنتشرين في أنحاء العالم، ويكون إجتماعه الأول في باريس لتقديم طلب إلى الحكومة الفرنسية يسألونها أن تساعدهم على رد ما أسموه حينها بوطنهم القديم، ويشفعون هذا الطلب بالسعي لدى الأستانة لإقناع السلطان العثماني بقبوله.. وقد جاء في هذا الخطاب أن الأراض التي يريدونها تشمل الوجه البحري في مصر إلى عكا والبحر الميت، وشواطئ البحر الأحمر.. وهي رقعة من الأرض تجعل منهم سادة التجارة الهندية والعربية والفارسية.. ويقول صاحب الخطاب أن فرنسا يمكن أن تستمال إلى هذه المهمة بما نخصها به من الربح والعوض والمقايضة على النفوذ.. "قد يلاحظ القارئ هنا أن محتوى الخطاب تناول قوم الرجل (اليهود) وكأنهم تجار في المقام الأول وليسوا طائفة دينية خاصة تحيا بمعزل عن فرنسا، وفي هذا إستحضار للتناقض حول ماهية المسألة اليهودية، ويؤرخ بوضوح إلى تفاقمها داخل أوروبا في تلك الحقبة"..!

وقد نقل ناحوم سوكولوف 1859 – 1936 هذا الخطاب في كتابه الشهير تاريخ الصهيونية الذي نشر في العام 1917 ويعد أول مستند يؤرخ للحركة الصهيونية، ونقل معه أيضاً تصريح نابليون بونابارت الذي تصدر الصحيفة الرسمية بعد ذلك بسنة واحدة، ودعا فيه يهود إفريقيا وأسيا إلى موافاة جيشه ليدخل بهم في ظل رايته إلى مملكة أورشليم.. لكن فشلت حملة بونابارت كما هو معلوم، وحبطت معها مشروعات كثيرة ومنها هذا المشروع، لكن الفكرة لم تزل تساور أذهان الصهيونيين، ولم يزل لها دعاة يعالجون تحريكها كلما سنحت الظروف ومقتضياتها.. وتلوح الفكرة مرة أخرى على يد المصرفي الثري البريطاني الجنسية وأول يهودي يحصل على لقب "سير" موسى حاييم مونتفيوري 1784 : 1885، والذي كان على علاقة متوطدة بوالي مصر محمد علي باشا، وقد ذكر في مذكراته بتاريخ الرابع والعشرين من شهر مايو سنة 1839 أنه سيطلب من محمد على أن يؤجر له إقليماً يزرعه من أرض فلسطين، ويؤلف لإستغلاله شركة إنجليزية تؤدي أجرته مدة خمسين سنة..

ثم تتغير الأحوال السياسية للمنطقة بعد معاهدة سنة 1840، وتخرج فلسطين من الحيازة المصرية ويتضائل معها حلم مونتفيوري إلى قناعة بوعد من لورد بالميرستون وزير الخارجية البريطاني حينها بضمان حماية اليهود في البلاد التركية، وقد مكنه بالفعل من تأجير أراض في صفد لإقامة نحو خمسين أسرة يهودية مهاجرة.. هذا وقد تعاظم النفوذ الصهيوني بين الإنجليز في تلك الحقبة، وكان رئيس الوزارة بينجامين دزرائيلي 1804 : 1881 الذي ينحدر من أصول يهودية، والملقب باللورد/ بيكنسفيلد يتولى الحكم من سنة 1874 وحتى 1880، وهو الذي إشترى أسهم مصر في قناة السويس من الخديو إسماعيل بمجازفة شخصية نادرة في تاريخ السياسة البريطانية، وبدعم من عائلة روتشيلد الثري اليهودي البريطاني المعروف، وقد كان خطاب دزرائيلي إلى الملكة فيكتوريا عن هذه الصفقة يدلل على الكثير حيث قال.. " الأن تمت، وهي في يديك يا سيدتي.. أربعة ملايين من الجنيهات.. وتكاد تؤدى فوراً، ولم يوجد غير بيت واحد يعقدها هو بيت روتشيلد.. لقد سلكوا مسلكاً عجباً، بذلوا المال بفائدة قليلة، وباتت حصة الخديو كلها اليوم ملك يديك سيدتي "..!

كان حلم إغتنام الشرق هو المسيطر على بينجامين دزرائيلي وغيره من الساسة لاحقاً، وقد ظهر هذا جلياً في أغلب مؤلفاته الأدبية.. وخاصة في الجملة الشهيرة في رواية كونينجزبي " أنت ترى يا عزيزي كونينجزبي أن الدنيا يتولى حكمها أناس أخرون غير هؤلاء الذين يتخيلهم من لا ينظرون فيما يجري خلف الستار "، وهو بالفعل لم يكتم مقاصده بهذا الشأن على المستوى السياسي.. وقد جاء في تصريح له أمام مجلس النواب في فبراير 1876 " أنني لم أزل من زمن أوصي بالحصول على أسهم القناة.. وقد عقدتها صفقة مالية وسياسية، وإعتبرتها لازمة لتمكين الإمبراطورية، وهذا الذي أعنيه اليوم وإرتاحت إليه البلاد التي تفهمني جيداً وتقبلته بالغبطة والسرور.. أما الذين إنتقدوني من أجل هذه الصفقة، فهم كما يخيل لي لا يفقهون المسألة على هذا الوجه "..!

ثم يأتي العام 1917 حيث أصدر وزير خارجية بريطانيا حينها اللورد/ أرثر بلفور الوعد الإستعماري الأشهر في العصر الحديث بإقامة كيان سياسي صهيوني في فلسطين ليكون نواة لدولة جديدة في المنطقة.. جاء ذلك الوعد ممن لا يملك لمن لا يستحق على حساب أرض فلسطين العربية بسكانها من مسلمين ومسيحيين ويهود ودرز وغيرهم.. وكانت بريطانيا قد أغوت أمير مكة الشريف حسين وأقنعته بالتمرد على الحكم العثماني، ليس تفضلاً منها بمساعدته، ولكن أملاً في تفتيت تلك الجبهة الهامة دينياً وسياسياً للإمبراطورية العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى.. وقد ظهر هذا جلياً في محتوى مراسلات هنري ماكماهون المعتمد البريطاني في مصر حينها وبين شريف مكة، وصدقها الأخير بلا ضمانات وربما بسذاجة مدهشة..! بالطبع لم يفطن الشريف حسين بن علي حينها للإتفاقية السرية التي تم توقيعها بين بريطانيا وفرنسا على تقسيم غنيمة الدولة العثمانية بعد هزيمتها المفترضة في الحرب.. وهكذا تساقطت أحلام ما سمي حينها بالثورة العربية على الحكم العثماني تباعاً، وحل محلها إتفاقيات تقسيم الأرض بين الأقوياء من بلاد الإستعمار، وبناء على إتفاقية سايكس - بيكو السرية التي تم توقيعها عام 1916، أصبحت لبنان وسوريا من نصيب فرنسا، وفلسطين والعراق من نصيب بريطانيا، وخرج العرب من معادلة التوازن بخفي حنين، وبمقابل زهيد هو إحتفاظ عواهل بعض القبائل الشهيرة في شبه الجزيرة العربية ببعض النفوذ المتوارث في مناطق متفرقة بحماية أجنبية، الأمر الذي أحسبه قد رسخ لملامح مبكرة لأنماط إستعمارية مختلفة سبقت إكتشاف النفط وعلى مراحل متفرقة..!

اليوم يعيد التاريخ نفسه بوجوه أخرى.. فتتصدر الولايات المتحدة مشهد الهيمنة الإستعماري بصلافة منقطعة النظير لا تقل بأي حال عن تلك التي أظهرتها بريطانيا قبل عدة عقود إبان الحرب العالمية الأولى والثانية، بالطبع بحساب وجود قوى أخرى جديدة ذات طموحات غير محدودة الأفق مثل روسيا والصين.. الولايات المتحدة تحت رئاسة دونالد ترامب تنتهج سياسة الإبتزاز المالي والعسكري في الشرق الأوسط بضراوة، وتكاد تحوله تباعاً إلى ما يشبه المستعمرات خصوصاً ما يخص المنطقة العربية من الأرض سابقة التقسيم.. ويزيد على هذا فداحة شروط الشراكة الأبدية مع الكيان الصهيوني المتغطرس ومنحه أفضلية التحكم في الترسيم الحدودي مع دول الجوار ربما بنفس الطريقة التي إنتهجتها بريطانيا حينما أصدرت وعد بلفور غير المستحق وبعيداً عن أي مواثيق وقرارات دولية صدرت عن الأمم المتحدة..

بعد قرار نقل سفارة الولايات المتحدة للقدس المخيب للآمال، وبعد منح الولايات المتحدة للكيان الصهيوني عن غير صفة حق السيطرة على مرتفعات الجولان السورية، وحتى جبل الشيخ جنوب لبنان، تتجه الأنظار لما سيلحق بهذا من سياسات، خصوصاً مع تصريحات ترامب المتكررة والمهينة بأن دول الخليج صارت خلال فترة حكمه بمثابة خزانة متخمة يحق للولايات المتحدة السحب منها كما ومتى تشاء في مقابل الحماية..!

لا أدري إن كان طرح الأمر بهذا التصور يعني من يجلسون حالياً على مقاعد السلطة في الدول العربية.. أو أن طموحاتهم مازالت لا تتعد إستمراريتهم في المشهد وتوريث عروشهم لأحفادهم دونما مجازفة..؟ ما حصل عليه المحتل الصهيوني مؤخراً من مكاسب أمام إخفاق عربي مخزي وصل إلى خد الإقتتال الصريح لم يكن يحلم بقدر ضئيل منه أكثرهم تفاؤلاً منذ قيام الحركة الصهيونية في النصف الأخير من القرن قبل الماضي..

ويبقى السؤال.. هل سيتبقى شيئاً من فلسطين لأبنائها.. أم أنها وبمباركة عربية قد تصير قريباً أثر بعد عين..؟       


  • 1

  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 27 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 يوليوز 2019 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 2 شهر
لا سمح الله ،فمازال الخير باق في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ،مقالك أكثر من رائع أستاذ محمد
2
mohamed A. Fouad
جزيل الشكر لحضرتك على المتابعة الغالية.. أتمنى مثل حضرتك ألا تنضب منابع الخير والأخلاق من الأمة..!

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا