هل حقًا التاريخ يكتبه المنتصرون؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل حقًا التاريخ يكتبه المنتصرون؟

التاريخ يكتب نفسه، علينا فقط قراءته.

  نشر في 18 شتنبر 2016 .

انتشرت مقولة " التاريخ يكتبه المنتصرون " وأصبح كثير من غير المتخصصين بالتاريخ يرددونها، وكأنها قاعدة معرفية يستقيم عليها بناء معرفة تاريخية، بل صار الجميع يعتمد عليها كأنها من الحقائق التي تقبل دون نقد أو مسائلة. أصبحت تستعمل كأنها حصيلة سنين من عمل وبحث أهل الإختصاص من المؤرخين أو فلاسفة التاريخ، لكن الحق أنها ظهرت في ظروف تاريخية معينة هي التي أعطتها شحنتها وحددت معناها.

إنه لمن باب المفارقة أن نجد أكثر من يستعمل مقولة "التاريخ يصنعه المنتصرون" هم من غير المؤرخين، وهذا ينطبق على عديد المقولات الأخرى المتعلقة بفهم التاريخ. فالمقولة توحي للسامع بسعة اطلاع وعمق، وتكسب الخطاب نوعًا من الهيبة. مقولة مثل هذه يمكن أن تقبل في الفيزياء أو الكيمياء، كقانون عام، لكن التاريخ ليس له قوانين عامة تطبق في أي وقت، بالرغم من كونه علم قائم بذاته.

ما هو التاريخ؟

علينا أن نميز بين مستويان للتاريخ، الأول هو النظر إلى ذكر الحدث والأشخاص ومنجزاتهم، هذا هو التاريخ المتحدث عنه في المقولة، وهذا هو ما يكتبه المنتصرون والمنهزمون، لكن هذا التاريخ يمثل " الحدث " فقط بالنسبة للمؤرخ والمهتم بتحليل التاريخ أو دراسته، والحال أن الحدث لا يختزل التاريخ، إن توقفنا عند هذا الحد -حد الحدث نكون قد بقينا عند مستوى الإخبار التاريخي الذي أخبر عنه ابن خلدون وميزه عن " باطن التاريخ "

المستوى الثاني من التاريخ هو التاريخ كعلم ومعرفة له موضوعه وأصوله ومنهجيته، وفي هذا الإطار يتميز التاريخ بكونه هو العلم الوحيد الذي يبحث في موضوع لم يعد موجودًا بعد ألا وهو الماضي، وذلك عبر آثار هذا الماضي والذي يسميها المؤرخ المصادر. هذا المستوى الثاني له ثلاثة معانٍ أو مستويات ألا وهي الحدث، والأثر الدال عليه ثم في النهاية منهجية المؤرخ وهي ( تتبع المصادر، وتدقيقها، واعتماد الموضوعية، وإدراج الظواهر في إطار تطوري ) هذا هو التاريخ الحقيقي الخاضع لمنطق التجريب والنقد والموضوعية، وهو تاريخ يعدل ذاته داخليًا من خلال النقد الذاتي وتراكم المعرفة، كما أنه يعدل ذاته على ضوء المصادر المكتشفة حديثًا.

هناك ما يسمى التاريخ الوسيلة أو الأداة، أي استعمال التاريخ الحدث والتاريخ المعرفة لأغراض سياسية، أو أيدولوجية أو ثقافية.

فإن استعمل التاريخ لأغراض سياسية أو حزبية أو عقائدية يسمى التاريخ الأيدولوجيا، وإن استعمل من طرف السلطة سمي تاريخًا رسميًا، أما إذا استعمل لأغراض الهوية فيسمى التاريخ الذاكرة أو التاريخ الوجداني. وكل هذه الأنواع يعتمد على قراءة انتقائية في التاريخ المعرفي، تجمع ما يناسب من الأحداث وآثارها حسب الحاجة. أبرز مثال على ذلك برامج تدريس التاريخ في المناهج الرسمية والتي تذهب غالبا إلى إنشاء الهوية الوطنية المحلية وإعادة إنتاج شرعية النظام القائم أو دعم السلطة القائمة. كتاريخ الدولة العباسية في عهد صدام حسين، أو تاريخ الدولة الأموية في المناهج السورية.

يظن بعض غير المتخصصين أن مفهوم الحقيقة موجود وعلى المؤرخ أن يبحث عنه وينتقيه، وأن هذا هو هدفه من دراسة التاريخ وتدريسه، فكأن الحقيقة موجودة في مكان ما وعليه أن يكتشفه.

الحقيقة التاريخية من وجهة نظر معرفية لا توجد في ذاتها، بل هي عملية بناء متواصل مرتبطة بتراكم المعرفة التاريخية وتجدد المصادر وتنوعها وكذلك بتطور المنهجيات.

المنهزمون أيضًا قد كتبوا تاريخًا

الروس كتبوا عن هزيمتهم مرتين، مرة أمام نابليون ومرة أمام هتلر، وبعدها كتب الألمان عن هزيمتهم في روسيا، كتبوا قصة صمودهم في حربهم مع الحلفاء، اليابانيون كتبوا أيضًا مواجهتهم مع الأمريكان، هذا بالرغم من هزيمتهم ومن حربهم القاسية الغير متكافئة. وإذا عدنا للطرف الآخر سنجد أن حتى الأمريكيون كتبوا تاريخ هزيمتهم في فيتنام، كما نسجوا أساطير -كعهدهم دائمًا عن صمود جنودهم في الأدغال والمستنقعات. الأمم كلها تفعل ذلك، في النهاية لدى كل أمة في هذا العالم رواية واحدة منسجمة ومتناغمة، لا أثر فيها لأي مزاعم فالنصر والهزيمة قصة واحدة مترعة بالألم والمأساة. لا أحد يعترف بالآلام والمآسي والأهوال التي تجلبها قصة النصر كما تجلبها قصة الهزيمة. كل طرف يكتب روايته مبتهجًا بلمعان انتصاره. حتى المهزوم، يصوّر هزيمته قصة بطولة وصمود وانتصار.

لم يعد المنتصر يكتفي بإشهار انتصاره في كل مناسبة أو من دونها، كما لم يعد المهزوم قادرًا على الاعتراف تحت أي ظرف بوجود قصة هزيمة؟ على العكس من ذلك، هو يواصل سرد الدلائل على (الحق) و(الانتصار). ما السبيل إلى الخروج من هذا المأزق؟ إن سلوك الدولة الحديثة إزاء مواطنيها، هو وحده الذي يمكن أن يقدّم المساعدة المطلوبة. لقد تصرفت أوروبا الحديثة حيال مواطنيها الكاثوليك والبروتستانت، كقارئ نزيه للتاريخ يتحاكم عنده طرفان من المجتمع، كل منهما لديه روايته، ولكن بوصفهما طرفين لكل منهما شطر من قصة الانتصار وشطر من قصة الهزيمة. لا احد لديه قصة الانتصار وحدها أو الهزيمة وحدها. وبذلك احتكرت الحق في تدوين (التاريخ الرسمي) وتمكنت من إنشاء سردية تاريخية واحدة متكاملة للتاريخ الأوروبي.

إذا أين الحقيقة؟

الحقيقة في التاريخ المعرفي، التاريخ كعلم، التاريخ كمنهج، يأخذ من المصدر، يُعمل منهجيته، يصل إلى الحقيقة، فتؤخذ هذه الحقيقة وتؤول إلى أنواع التاريخ التي سبق تعريفها، والتي تندرج تحت نوعي : تاريخ المنتصر وتاريخ المنهزم.



   نشر في 18 شتنبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا