سيراً على الأطلال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سيراً على الأطلال

بين الأطلال

  نشر في 23 فبراير 2015 .

تفتح طرقات المزّة أذرعتها عند كل دقيقةٍ لتحتضن أبناءً بالكاد تفقّهوا بالدمعْ !

درب مخضر لوناً، محمر قلباً، مزرق وجهاً، مغطىً بغيومٍ تهبط كل يوم صباحاً تلثمُ الأوجهَ والأيدي وتصعَد قبل أنْ تزجرها شمس الظهيره ..

بالقرب من ساحة الأموييّن ترى العشب المندّى يحتضن الأجساد الرثّة التي لا يغطّي عراءَها سوى انكسارها وتمايلَها على بعضها، وكأنّ بؤس العالمِ وجلالهُ يتعانقان على ثرى تلك الجنّة !

تدور الحافلات دورتَها، والسوْد أهل الوجوهِ الضّحلة يغزون تلك البقعة المبارَكة كأنّهم في فتح القسطنْطينية !

لقطةٌ لا تكفيها العدساتْ، نحتاج من يتبرع لنا بعينيه وأذنيه ومسامه !، هكذَا، كي ننال شرف إيصال المشهدِ للمشتاق الموله حقا كاملا، علينا أن نقيم سينمائية المشهد على تراجيدية الوسيْلة !

تدور الحافلات دورتها الثانية، وتبدأ سيول الطلاب تتمايل فوق أرصفَةٍ مشجرةٍ مرتين، مرةً شجر الأرض المتطاوِل إلى مايقارب السما، ومرةً شجرٌ صغيرٌ غرس سريعاً وعميقاً من أفئدةٍ غادرت أجسادها وظلت هي هنا تتنفسْ كي ينبض فيهم هناك عرق الحياة !

لم كلّ هذا الخيال في وقت يشتهي فيه المتيم واقعاً من أرضه ؟

ذاك لأنّ من لم يزر دمشْق في هذه الأيام سوى بفؤاده سيرى كل ما لا يلمس خيالاً، مروا بها لتروا خيال الحرف “يلمس باليدين” ..!

وإن أعجب فعجبٌ من يقول هلم تنفس خارجاً !

والله ما أرضٌ يصح بها الشهيق سوى دمشق ..!

وزفرة العمر الطويل إذا أطل من المباني والمياه خيال منفى ..

من بقي ؟

يد شابٍ سبقته إلى التراب وغادرها إلى المنفى، وكمنجات الفرقة الوطنيّة في دار الأوبرا، ومئات الأرجل المرتدية للأحذية العسكريّة، وعشرات الفتيات المموهات الملابس، و ملايين القلوب المغرمة سافر أهلها وتركوها في الأزقة حرسَا، وبضعةٌ من نفحات حنينٍ شماليةٍ وجنوبية مع إلغاء الشرق والغرب فالعودة فيهما تهجم سريعاً، وسرب غربان يواجهه سرب يمامٍ يهبان معاً هديلاً ونعيقاً ويسلمان على الغاديْن قبل الركون، ومئات الأرواح الجائلة لتبرد أجساداً نائمة نوماً هانئاً تحت الترابْ، وبضعة أكفٍ لم تجد مايسد رمقها ليسد سفرها، وكومة أيادٍ التصقت بالكتب حيلةً لا حبا .. لأن لا تجد نفسها على الجبهات، وشجيرةُ ياسمينٍ عرشت على أحد المقاعد العامة فصارت الجالسَ الوحيد، وثلة أناسٍ تسير متوجسةً بين أكوامٍ من تلك الأشياء المشابهة للبشر وتمكن لقلبها كل يوم في أرضه أكثر ..

تائهوا النهايات نحن ..

نحمل “حلمنا المعرش” على أهدابنا، ندافع عنه بسيفٍ وحبرٍ ودمْ، ويسرقه “هواة التسكع” بالأسلحة !

لم كل هذا الابتذال ؟

لكي يهرب الحزن !، لكي لا يكون الحرف المولود سابقاً ومنذراً بقدوم الدمعة !، أسحب الكلمات من هنا وهناك “لأن المحزون لا يكتب”، لأن الحرف لايزور الباكي فملوحةُ دمعهِ حرفه ..

هذا الابتذال لكي أقاوم الحزن فالإنكسار فالتوجع فالتمني فالهرب !..

وما جدوى البقاء في أرضٍ فناء ؟

هذا لكي لايقول أحدهم أن السواد اكتسح الأرض المباركةَ هنا، أبقى لأنّني لا أقدر العيش في المدن الهادئة !، ولأنّني حين استفقت لمحَتْ عيوني الفجر لأول مرةٍ بكامل روحانيته فيها، ولأنّني أخشى أن لايقدر أحدٌ سماع صوت أصالة وهي تغني “إني أحب وبعض الحب ذباح” حين استقبال دمشق الصباحي، وأخشى أن لا تجد أرواح أحبتي المنفيين أحداً يجالسها هنا، وأخشى أن يتحول الدم الذي امتصتهُ عروقي، حين غرقت به المشاهد، إلى زجاجٍ يتكسر وأهوِي وراءه، ولكي تجد النسمة من ينتشقها بعمق جداً وهو مُغمض العينين، ولأنّني أخاف المدن التي ما اعتادتها روحيَ الجائلة، وأخاف الغربةَ التي لا أعرفها، وأخاف من يومٍ لا تصبحني به لحظات انتظار الحوافل، وأرتعد على الزمن أن يفقد هواةَ اختراقه، وعلى دمعة من أحب إن هم وَدعوا، وعلى سيل الحنين إن أنا وَدّعت، وأرهب المطارات والسفر ..

نعم مليئةٌ تلك البلاد بما يخنق، لكن خنقاً اعتدناه يختلف عن خنقٍ غريبٍ عنا !، والسفرُ مرْ !، وإنني أخشى على مياه دمشْق من أن لايقدر أحدٌ على تذوقها بقلبِه !، وأخشى ألا يسلم أحدٌ على الذكريات المحفورة لأشخاصٍ غادروا والخشوع في حضرتها، وأهاب أن لا يكون في هذه البلاد متصوفٌ يعرف التصوف لا الرهبَنة، وأخاف حزن الحروف، وأخاف أن أغادر مرغمه، وأخاف أن أفقد الخوف، من الطيران والقذائف والحواجز والمراكز الأمنيه ..

ما تلك الترهات ؟

ترهاتٌ لدعوة الصبر على ما بدأ وما نحن عليه، الصبر على البقاء، رغم أن الحدود يجب أن تُحطّم، ولكن “لولا حبُّ الأوطانِ لخرب بلد السوء”

الصورة بعدسة الناشط : ليث العبد الله "سراقب".


  • 1

  • وئام الشاهر
    من ريف دمشق, مدوّنة وصحفية سورية الثورة نَفَسي وروحي.
   نشر في 23 فبراير 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا