ضعف الانتاج الادبي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ضعف الانتاج الادبي

أسبابه وبواعثه

  نشر في 04 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .


كتب مرة المرحوم طه حسين ينتقد ركود الحياة الأدبية في مصر ويشكو من ضعف الأجيال الناشئة وعزوفها عن الكتابة والإنتاج الأدبي وأحال ذلك الضعف إلى أسباب ثلاثة: سياسية وتعليمية ومالية.

فأما السبب السياسي فقد أجمعت الأمم على أن رقابة الدولة للكتَّاب وفرض الحدود والقيود على ما ينشرون من بحوث من أشد الأسباب التي تحول بين الشباب والإبداع ونقل طه قول نابليون " ليس لنا أدب جيد، وتبعة ذلك على وزير الداخلية". وإستحسنه طه ونحن بدورنا نستحسن ما إستحسنه الشيخ طه ( وهو شيخ ولو كره المتحذلقون). ولا يحتاج هذا السبب إلى مزيد من التعليق والإيضاح فلا ينكر هذا إلا من سفه نفسه ورضي لعقله أن يكون لعبة في بلاط السلاطين، وكلّ ذهنه عن معرفة الواقع والتاريخ، فلا تكاد تجد أمةً أغفلت حظها من العلم والأدب والفن إلا وعليها من سلطان الدولة عينٌ ترقب أو سيفٌ  يلوح.

وأما السبب الثاني وهو العائق المالي، فلا يكاد يتيسر للشاب والشابة سبيل للنشر مع ما يعرف عن دور النشر من جشع ليس له نظير، وحرص مفرط على إلتقاط الدارهم أكثر من حرصهم على نشر العلم والأخذ بأيدي النشأ وتشجيعهم على النجاح.

ولئن كانت الصحافة - التي لا يصد الشباب عن المشاركة فيها في كل بلدان العالم اليوم - لا تدعوا في بلادنا إلا مشاهير معدودين قد تخيروا إختياراً ووضِعَ كل كاتب منهم في زواية أو عمود لا يكاد يبرحه إلا إذا هجم عليه القدر فحال بينه وبينها، فكيف لعمري يُبرز أرباب الفكر من الشباب فكرهم، وهم في عداد المغمورين والمجهولين؟ فهذا سببٌ له نصيبٌ من العقل والصحة على أنه يختلف بإختلاف الأزمان وظروف المكان وليس من السبب الأول في شيء من قريب أو بعيد. وقد جربتُ مرارً نشرَ مقالاً في النقد، أو قصيدةً إستحسنها عملاق من عمالقة الشعر في العصر الحديث أبتغي بها إحياء لونا من ألوان الأدب الذي يحتضر، أو وريقات تبحث في ظاهرة إجتماعية، ولا أزعم أني أتيت فيها بما لم يأتي به الأوآئل ولكنها قطعاً ليست بأضعف أسلوباً ولا أقل بياناً مما تنشرهُ الصحف العربيه من سخف كثير على أنه نموذجاً يقتدى به مما تتنتجه قرآئح أولئك القوم الذين زين لهم الشيطان الإستخفاف بعقول الجيل الجيد، فلم أظفر بجواب يرحب فيقطع اليأس أو رفضٍ  قاسٍ يقطع الأمل، ناهيك عن الفوز بفراغ  دائم ننشر فيه ما يتاح لنا بين الفينة والأخرى.

وأما السبب الثالث الذي تألم منه عميد الأدب العربي ورثى له فهو إنحطاط التعليم وتخلف الجامعات المصرية في ذلك العهد، فقد لاحظ الدكتور طه أن أقسام اللغة العربية في الجامعات تمنح اللياسنس والإجازات الدراسية لطلاب لا تكاد تستقيم لهم طريقة لوضع اللفظ العربي في موضعه الملائم الذي يؤدي به المعنى المنشود، فضلاً عن أن تستقيم لهم طريقة يتميز بها أحدهم بأسلوبٍ فريد على نحو ما كان يمتاز به كُتّاَب ذلك العهد من أساليب وخصائص لا يشاركهم فيها غيرهم. وليت شعري كيف كان المرحوم سيصف جامعاتنا لو أدرك خريجي كليات الأدب في العالم العربي اليوم ؟ جامعاتنا ياسادة التي رضيت بالهوان والخزي فلا تحفل بتطور الزمان ولا تدري بما يدور في المعاهد ومراكز البحث العالمية في أوروبا وأمريكا.

كيف كان سيبكي من أقلام المفكرين وأرباب الفقه والفتوى حين يقرأ لهم بعضاً مما تخطهُ أنآملهم مما لا يراعى فيه أولية الطرح ولا حاجة الجمهور، فهذا عالمٌ يعيدُ لنا فتوى ميتة في مسألة فرعية يسع فيها الخلاف فلا يقنع هذا الفقيه إلا أن تُجّتَر  هذه الفتوى في الصباح والمساء على أنها دينٌ فيقذف به بين أكتاف المثقفين غير مبالٍ ولا مكترث بآلآم هذه الأمة الممزقة التي ترزح تحت الهموم الثقال.

وهل يجيز العقل والمنطق السديد دعك من الدين وبرهان الشرع ، أن يشتغل شيخٌ في هذا الزمن بتحرير مسائل في باب سنن الفطرة ومقدار مايقص من الشارب ويهذب من اللحية، والمسلمون مشردون ما بين راكب للبحر ينتظر مصيره المحتوم ، وبين لآجئ في العراء يقاسي البرد والجوع وأهوال الحروب.

وهذا صحفي متصدر باع أمانته فهو يكتب ما يملى عليه بكرةً وأصيلا، فلا يفتأ ينصر هذا المذهب على ذاك وينال من هذه الجماعة فيفت في عضد الأمة وقد أشرف على البرء والعافية والله المسؤول وحده أن يتولاهم بعدله.

وقد نجتهد فنجد للإجتهاد مجالاً فنضيف أسبابا أخرى نسردها سرداً ونترك دراسة وتحليل اثارها لأقلام الباحثين المتخصصين، أسباب أغفلها العميد عن قصد أو غيرَ قصد، فمن أوضح هذه الأسباب كثرة وسآئل التواصل الاجتماعي، فقد خطفت قلوب الشباب فلم تتح لهم وقتاً للقرآءة والبحث وهما طريق الإنتاج الوحيد، وأصبح من العسير صرفهم وتحويلهم عنها، وهو وإن كان له أثره السيئ في عزوف الشباب فهو بعينه من أبرز العوامل التي تفسر مدى خيبة هؤلاء الشباب وفشلهم الذريع بأن يظفروا بناصح من أهل الصحافة ينشر لهم ما يحسنون مما يلائم النشر ويهذب لهم ما يعوزهُ التقويم والتهذيب.

ومنها إتساع الفجوة وبعد المسافة بين طبقة الشباب والنخبة التي إعتادت على العكوف في الأبراج العاجية، على خلاف ما يتاح للنشأ هنا في الغرب فلا تجد تلك العوائق التي وضعت لتصد هؤلاء عن أولئك.

ومنها مرونة وخصوبة اللغات الأخرى كالإنجليزية التي صمدت على تقلبات الزمن ومتغيرات الحياة ، وأراد لها أهلُها أن تبقى حية تفرض نفسها على سائر اللغات بما ينعم به عليها علماؤها المخلصون من بحوث متصله لا تعرف الإنقطاع ودراسات لا تكاد تنشر حتى يتبعها من البحوث والنقد الصارم مئات الكتب والاف المقالات التي تزيدها قوة وثباتاً على كر العصور، وأوضح دليل على صدق هذا: تهافت طلاب العرب من المبتعثين وهم ألوف على قرآءة ثقافة وأداب هذه اللغة، والكتابة والمشاركة بيسر وسهولة، فلا يلقى الطالب عناءً في التنقيب والبحث كالذي يلاقيه وهو يبحث عن المصادر بالعربية ولا يقاسي من مشقة التعبير وتأدية المعنى بأيسر الألفاظ كالمشقة التي يعرفها من يهم بمعالجة نفس الموضوعات باللغة العربية، ولا يواجه من صعوبات ظبط النصوص ووضع علامات الترقيم في موضعها المناسب كالذي يواجهه أبناء العربية، وقد كنا بمنأى عن هذه المشكلات لو أعيد النظر في أهميتها ففرضت فرضاً منذ المراحل الأولية.

ومنها ايضاً أغلال الوظيفة التي قيدت حرية الكُتَّاب من شبابنا، فلا يجد الشاب بدا من السعي وراء هذه الوظائف ليجني بعضاً مما يسد به خلته حتى يضمن لنفسه وذوي خاصته قوت يومه من القمح والدقيق وكفى بذلك شاغلاً عن الكتابة وباعثاً على طلب الراحة والفتور، فإن إجتمعت هذه الأسباب فأبشر بهجران الشباب للعربية، وعقم القرآئح عن الإنتاج، ولعلنا نترك إستقصاء تلك الأسباب لغيرنا كما تركها العميد الغيور رحمه الله تعالى.



   نشر في 04 يوليوز 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا