بين مطرقة الفاشية وسندان الليبرالية..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين مطرقة الفاشية وسندان الليبرالية..!

هناك خلطاً فكرياً وتطبيقياً في مفهوم الدولة ساهم فيه بدون وجه حق مفكرين ورجال دين وشخصيات إقتصادية ومشاهير في مجالات الفن والصحافة، وتحول هذا تدريجياً نحو الترسيخ لمنطق التحكم والسلطة المطلقة..!

  نشر في 11 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 01 نونبر 2019 .


بقلم/ محمد أحمد فؤاد

ربما لا يوجد تعريف قاموسي قاطع بالفاشية، لكن إتفقت أغلب الأراء على توصيفها كنمط راديكالي من أنماط السيطرة، ويكون من أبرز ملامحه السعي بكل السبل تجاه الإستئثار بالحكم.. وليست الفاشية أيديولوجية لليسار أو اليمين أو الوسط، إنما هي نهج للاستيلاء على السلطة وتوطيدها من قِبل فرد أو حزب يدعي أنه يتصرف باسم دولة أو جماعة.. ولكي يتحقق المسمى، فيجب أن تكون الأطراف المعنية على استعداد لاستخدام آليات القهر والقمع كافة، أو أي وسائل أخرى يظنوا أنها ضرورية لتحقيق غاياتهم السلطوية.. والفاشية كأيديولوجية تجدها معادية للديمقراطية تماماً وبشكل عميق، هذا على الرغم من أن أغلب الأنظمة الفاشية وصلت أحياناً إلى السلطة من خلال عملية ديمقراطية سليمة شكلاً..!

بعد إحتلال الحلفاء لإيطاليا في الحرب العالمية الثانية، تم إحتجاز رمز الفاشية بينيتو موسوليني 1883: 1945 في قصر سافوي قبل إعدامه و أخرين بواسطة جبهة التحرير الشعبية.. والواقع أن الرجل كان يجسد إحدى أهم الأيديولوجيات السياسية التي سادت بعض الأقطار الأوروبية خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين، وكان مركزها إيطاليا بعد صعود موسوليني للسلطة دون أن يمتلك قوة سياسية حقيقية، إلا أنه إستطاع الإستئثار بالحكم من خلال جماعات عرفت حينها بإسم "القمصان السوداء"، تلك التي سهلت له الوصول للحكم بعد تخاذل الملك فيكتور عمانويل عن التصدي لهم بقوة الجيش كما كان ينبغي..

هذا وقد حدث خلط إصطلاحي وفكري لدى كثيرين سواء عن عمد أو دون قصد بين "الفاشية" وبين "الإشتراكية القومية" المعروفة بمسمى "النازية"، تلك التي ظهرت في ألمانيا تحت زعامة أدولف هتلر 1889: 1945، وربما جاء هذا الخلط بسبب الإنحطاط الأخلاقي السافر للأيديولوجيتين وحجم الدمار الذي لحق بأوروبا على إثر صعودهما كأنظمة حكم.. وجدير بالذكر أنه على الرغم من إتفاق كلا الإيديولوجيتين في بعض مظاهر ممارسة السلطة ومفهوم إدارة الدولة، إلا أن جذورهما الفكرية أختلفتا بشكل واضح، حتى أنه في مقارنة بالأيديولوجيات التي سادت الفكر الأوروبي في هذه المرحلة، قيل أن الفاشية على عكس الشيوعية، نمت كالفطريات، أي أنها كانت عشوائية الظهور، ولم تستند إلى قاعدة فكرية مثل أيديولوجيات أخرى ذات خلفيات فلسفية بما في ذلك النازية.. فمثلاً تستند الليبرالية لجذور حديثة مشتقة من أفكار الفيلسوف التجريبي "جون لوك"، والليبرالية وصولاً إلى الشمولية السياسية تستمد تطبيقاتها من فكر الأديب الفرنسي " جان جاك روسو"، والإشتراكية مبعثها فكر "كارل ماركس".. لكن يبقى الفكر الفاشي مفتقراً لمثل هذه الجذور الفكرية، ويظل يعتمد على عدد من المفاهيم السياسية الرنانة لتعبئة الشعب في ظل ظروف إقتصادية وسياسية صعبة للغاية، حيث كانت قوة الدفع الرئيسة مرتكزة على ترسيخ المفهوم العاطفي للدولة، والتأييد الأعمى للقائد دون محاسبة، في تجسيد لنوع من القومية الزائفة.. فكانت الدولة في الفكر الفاشي تمثل القيم الأخلاقية والأدبية والقومية الجماعية التي تخدم في النهاية فئة مسيطرة على الحكم على حساب مصالح وحقوق الفئات الأقل حظاً في المجتمعات.. وهنا نجد التناقض الشديد بين الواقع وبين ما جاء على لسان "جيوفاني جنتيلي" أحد منظري الفاشية وهو " كل شئ لصالح الدولة، ولا شئ ضد الدولة، ولا شئ خارج نطاق الدولة"..!

لقد وضع هذا الفكر القاعدة التاريخية التي بنيت عليها الفاشية.. وتلك التقدمة ما هي إلا مجرد تبسيط لما نحن الأن بصدده من نموذج شديد التقارب تتجلى فيه ممارسات مشابهة تقترفها أغلب أنظمة الحكم الحالية في الشرق الأوسط لا سيما مصر، حيث كان النظام الحاكم هناك دائماً في دائرة الضوء منذ صعوده للسلطة على إثر السقوط المدوي لجماعة الإخوان المسلمين في العام 2013 من خلال عملية تبدو للوهلة الأولى ديموقراطية سليمة.. قد لا يختلف البعض المحايد على أن الشواهد الحالية تدلل بما لا يدع مجال للشك على أن النظام الحاكم قد أخطأ الطريق إلى الدولة الديموقراطية، وأن مدنية الدولة ودستورها قد صارا أثر بعد عين بفعل تعديلات وتدخلات وموائمات وصفقات أقرها البرلمان ذو الغرفة الواحدة لتمنح السلطة التنفيذية صك التحكم المطلق في مجريات الحكم لدرجة تلاشى معها تماماً مبدأ الفصل بين السلطات.. حتى أنه يمكن القول بأن السلطة التشريعية أصبحت مجرد آداة لتنفيذ إرادة رأس الدولة دونما مسائلة أو رقابة، وعلى الجانب الأكثر أهمية للسلطة وهو القضاء، أصبح إختيار كبار رجال السلك القضائي مرهون بموافقة رئيس الدولة بصفته وليس بالقاعدة القانونية المنصوص عليها بالدستور..!

مع الأسف يبدو أننا بالفعل أمام إشكالية معقدة يواجهها المواطن العادي، فبين إحساس عام بعدم وضوح الرؤية والمصير لدى كثير من أبناء الطبقات المجتمعية المهمشة خصوصاً الأحداث من الفئات العمرية دون العشرين، وبين إستغلال أجهزة السلطة للضعف الإقتصادي للدولة والمحاولات المستمرة للهيمنة على عقول الطبقات الأكثر إحتياجاً وإيهامهم بأن هناك إصلاح فعلي من خلال حملات إعلانية مكثفة عن مشروعات إنشائية عملاقة مطعون على جدواها، وفي تزامن مريب مع طرح سلع عينية مخفضة السعر من آن لأخر من خلال منافذ متجولة تتبع جهات ممثلة للسلطة، وليس بضبط فعلي للأسعار بالسوق المحلية ومنع الإستغلال.. وهذا بالطبع لا يتجزأ عن حال الإستقطاب السياسي والمجتمعي المفرط الذي تمارسه الآلة الإعلامية الرسمية حتى أن أثاره باتت هي الأكثر سلبية نتيجة للإنحياز الدائم لرغبات السلطة على حساب الحقائق الدامغة..

ربما كان لزاماً على صناع القرار توفير بيئة أكثر تماسكاً، والعمل على تقريب وجهات نظر الجميع دونما تفرقة، وكذا فتح المجال لمشاركة سياسية وحزبية حقيقية أملاً في إصلاح ما أفسده الإخوان المسلمين بعقيدتهم المغلوطة وتحالفاتهم المشبوهة.. لكن ما حدث من معالجات أمنية كان كارثياً، وأظنه أهدر مساحة هائلة من الحريات التي كان لابد من الحفاظ عليها كأحد أهم مكتسبات ثورة يناير المجيدة 2011.. هذا الإلتفاف الواضح على الثورة والمحاولات المستمرة لتشويهها حتى من رأس السلطة ربما زاد الأمر سوءاً، وساهم بشكل أو بأخر في تعميق تلك الهوة المجتمعية المخيفة فأصبحت معظم أجهزة الدولة الحالية بلا مصداقية..

لاشك أن هناك خلطاً فكرياً وتطبيقياً في مفهوم الدولة ساهم فيه بدون وجه حق مفكرين ورجال دين وشخصيات إقتصادية ومشاهير في مجالات الفن والصحافة، وتحول هذا تدريجياً نحو الترسيخ لمنطق التحكم والسلطة المطلقة، ليس للكيان السياسي فحسب ولكن مع ظهير شعبي ضئيل يتم خداعه إستراتيجياً بالشعارات الرنانة ويسهل إستغلاله وتوظيفه للدعاية الزائفة، لكنه في واقع الأمر مغيب عن إدراك الحقيقة.. وهذا واقع لا يختلف كثيراً عن منطق لويس الرابع عشر " أنا الدولة، والدولة أنا "، حيث كان الفكر السائد أكثر شمولية ورفضاً للمشاركة الشعبية وللتطور بفعل الصراعات الطبقية التي سادت حينها على الأصعدة كافة..

بين الفاشية والليبرالية علاقة المطرقة والسندان، لذا أحسب أنه لو حدث تطور جاد فيما يتعلق بقوانين الملكية الخاصة في إطار دستوري محكم وعادل، وتم فتح باب الحراك السياسي من خلال العمل الحزبي الحر، وتراجعت بالتبعية أليات السلطة المطلقة.. لربما أدركنا المعنى الحقيقي للعلاقة بين الدولة والمواطن، وتجاوزنا الكثير من الإخفاقات المتراكمة داخل هذا الوطن المشتت..!


  • 2

  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 11 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 01 نونبر 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا