بصيص أمل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بصيص أمل

  نشر في 02 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .


استلقى على بطنه يضاجع ما تبقى من دفء رمال الشاطئ، ويترقب في شوق غروب الشمس. لينعم بلحظة غروب تأخذه في نشوة عميقة إلى هدوء الليل، بينما هو على هذه الحال تسللت إلى أعماقه أفكار كثيرة ترتب في تصارع الذات مع الزمان والمكان برنامجه الليلي الصاخب .. أحس بخطوات خفيفة ودبيب لطيف، هزّ رأسه في تثاقل السكران لمح غير بعيد عنه أوروبية شقراء، طويلة القامة.. ممشوقة الجسد.. ترتدي لباسا رياضيا ضيقا وقبعة بيضاء اللون، وكلبها المذلل يلهث وراءها. جمع رحتيْ يديه ضاما وجهه بينهما غارسا مرفقيه في الرمال الدافئة، يتابع الخطوات بدقة حتى كاد لا يطبق له جفن، لكنها مرت سريعا كالبرق.

دخل في حالة شرود طويلة مستفهما تارة ومتعجبا أخرى. استجمع قواه قاصدا محطة الحافلة التي يستقلها عادة إلى وسط المدينة. أطفال يصرخون هنا وهناك.. وحشود من الحفاة العراة يهرولون لعلهم ينعمون بمقعد يمنحهم في سخاء غفوة واستراحة لعضلات انهكتها رمال الشاطئ وامواج البحر... استقل الحافلة جلست إلى جانبه امرأة عجوز شمطاء، ما إن تحركت الحافلة حتى بدأت تتفوه، وفي المقعد المقابل له شابة بنظارات شمسية وتنورة بيضاء، أسند ركبتيه إلى ركبتيها العاريتين في خجل أشبه بالحياء، تبتعد ويقترب. التوى عنق العجوز لتضع رأسها على كتفه الأيمن التفت إليها في حنان وبادل الشابة ابتسامة خفيفة مطبقا شفتيه خوفا من أن تظهر أسنانه السوداء المتآكلة وتنبعث من جوفه رائحة السمك المشوي الكريهة، أحس أنه عليه أن يذيب جليد الصمت بينهما، افتتحها: إنها تشبه جدتي .. ابتسمت واسترسل في كلامه .... رغم أنني لم أتذكر ملامحها، حملته اللحظة إلى بيتهم التابوتي بالقرية، إلى القبة كما يحلو لأبيه أن يسميها، حيث الصورة الوحيدة لجدته، معلقة إلى أقصى يمين الزاوية المقابلة للنافذة الوحيدة، تعمدت أخته الكبرى أن تعلقها هناك لينعكس الضوء على عيني الجدة البراقتين في تحد لقساوة القرية وظروفها، سرى موج من الحنين في داخله تنهد ثلاثا .. قطع صوتها الرخو تنهداته: ما بك أخي؟. رد عليها: تذكرت جدتي توفيت بعد وفاة أخي بأسبوعين، كانت امرأة قوية يشع الغضب من عينيها بحجم الحب والحنان الكامنين في قلبها، تحبني كما باقي اخوتي،...، وُلد على يديها أطفال القرية جلهم. ثم صمت قليلا معبرا عن حنينه، بادرته الشابة مكسرة هذا الصمت الموجع: يبدو أنك اشتقت إلى الدوار وأهله.

قاطعها بسرعة: ليس الأمر كذلك، فكثيرا ما تأخذنا المواقف إلى الوراء حيث شخوص ولحظات لا تنس لأنها رسمت جزءا من حياتك بل من شخصيتك كذلك، جئت منذ أيام قليلة إلى هذه المدينة الموحشة. لكن يبدو أن أملي ليس هنا.

ردت عليه كأنها تشفق من حاله: أظنك تبحث عن عمل؟

- نعم، ابحث عن عمل.

فتحت حقيبتها وأخرجت منها بطاقة الزيارة، منحته إياها. تسلمها مبتسما... شاكرا.

- العفو أخي، اتصل بالرقم الموجود على هذه البطاقة بعد غد، لأنني ما زلت في عطلة.

فهم أن الأمر يتعلق بعمل وأن الرقم الذي منحته ربما يعود للشركة المشغلة لها. شكرها ووعدها بالاتصال. لم ينه كلامه حتى استأذنته لأنها ستنزل في المحطة القادمة، فسح لها الطريق ومخيلته مزدحمة بشريط من الذكريات؛ ربما ابتسم حظي وعُوضت عن ابنت "سي العربي" خيرا، وربما ذلك الأمل المفقود في الحي الشعبي ومع المتقعوس ركن إليّ وخضع لعزيمتي. عصفت به أفكاره في ضباب المستقبل حتى توقفت الحافلة في اخر محطة .. نزل ليبدأ من الحلقة الأخيرة لبرنامجه الليلي ... لعله يرى لبصيص أمله مخرجا للوجود.


  • 7

   نشر في 02 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا