مبعوثٌ من رحم الموت - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مبعوثٌ من رحم الموت

  نشر في 12 مارس 2018  وآخر تعديل بتاريخ 12 مارس 2018 .

#مبعوثٌ_مِن_رِحمِ_المَوت

كانت الطيور تعزِفُ سِمفونيَّةَ الحُرية ، تتراقَصُ فَرحاً مُتنقلةً مِن غُصنٍ إلى آخَر في حركاتٍ مُتناغمةٍ معَ موسيقاها..

الهواءُ العَليل يحُفُّ جَسَدُه ، يَحتضِنُه بِقوَّةِ مُشتاقٍ بَعدَ طولِ غياب..

أسدَلَ جِفنيه وأخَذ يتَنفَّس بِعُمقٍ وكأنما كانَ غريقاً لَم يَلفظه البَحرُ إلا للتوّ ، كانَ شُعورَ الحريةِ مُختلِفٌ جداً ، وكأنما بُعِثَ للحياةِ مُنذُ لحظاتٍ مِن وِحشةِ المُعتقل ، انفَرَجَ ثَغرُه وعَلَت صوتُ ضَحكاتِه واختلطَت الضحكةُ بالدمعة.

جثى على رُكبتيهِ رافِعاً يداهُ إلى السماءِ :

"لَكَ الحَمدُ ياقَوي ، لَكَ الحَمدُ يا جبّار"

كانَ يهتِفُ بِها في سعادةٍ غامِرة غَسَلَت روحُه.

مشى مُتلهِّفاً يجُرُّ خَلفَهُ شَوقاً مُترفاً يستوطِنُ أعماقُه ، كانتِ الشوارِعُ تَبدو غريبةً جِداً ، تغيُّرٌ واضِحٌ قَد بدا عَليها خِلال تِلكَ الأربعِ سَنواتٍ الماضية ، أسواقٌ جديدة ، بيوتاً جديدة أيضاً ، كُلُّ ذلك التغيير قَد جَعَله تائِهاً حقاً ، ولكن ما زالت هُناكَ بَعض الملامِح التي تُخبِرُه بأنَّهُ على مَقرِبَةٍ مِنَ المَنزِل..

صحيحٌ بأن الشوارِع قَد تَغيَّرَت ، ولكن ما بقيَ على ما كانَ عليه هوَ ذلِكَ المنزِل ذو البابِ الخَشبي الهَرِم الذي تنسابُ الشُّقوقُ فيه مِن أعلاهُ إلى أسفلِه ، وَتِلكَ الأشجارِ التي تُحيطُه لازالَت كما هي أيضاً لَم تُغيِّرها السنين.

لَم يَطرُق الباب ، دَفَعَهُ خِلسةً بَيدَ أنهُ أبى إلا أن يُفسِد مفاجأتُه بِصوتِ حَرَكتِه شديدةِ الخُشونة ، أقدامٌ صَغيرة تَركُضُ ناحيتُه ، طِفلةٌ ذات أربعةِ أعوامٍ تقريباً تَقِفُ مشدوهةٌ مِن هذا الدَخيلِ الذي تجرّأ بالدُخولِ بِهذهِ الطَريقة ، صَمَتَ كلاهُما حتى سَمِعَ صوتاً قَد ميَّزَهُ جَيداً :

" حنين ، مَن بِالباب ، هَل عادَ جَدُّكِ مِن المَسجِد؟ " 

حنين!! ، نَعَم هي حنين ، ابنَتُه ذاتَ العامِ والستةِ أشهرٍ قَد كَبِرَت كَثيراً ، كَبِرَت لِدرجةِ أنها سأَلتهُ مُستفهِمة عن إسمُه وَمَن يَكون وكيفَ يَدخُلُ دونما أيُّ طَلبٍ بالدخولِ أو إستئذان!!.

-أحمد؟!.

نَطِقَت إسمُه بَينَ قطراتٍ قَد تَكاثَّفت على عَينيها ، أرادَت أَن تقولَ الكثير ، أن تَحمِدَ الله على عودَتِه ، وأن تُعرِّفهُ بِحَنين ، إبنتَهُما التي لَم يَرَها مُذ أكمَلَت عامَها الأول ، مُذ آخِر زيارةٍ جمِعَتهُم معاً لِمُدَّةٍ لَم تتجاوز الثلاثونَ دَقيقة.

بَعدَ مُشادةٍ بينَ كَلِماتِها وحِبالِها الصَوتية المُرتَجِفة التي اعترضتها قالت مِن بينِ بُكاءها :

-"مرَّت السنين مُتثاقِلةً وبَطيئةٍ ".

رد:

-"لَرُبما أثقَلَها الحَنين ، وَما أدراكِ مالحنين!".

------------------------------------

للحريةِ جمالٌ يطغى على كُلُّ جمالٍ سواها

يستدعي في الروحِ فَرحاً قد غاصَت معالِمَه واختفت في إحدى زواياها!.


  • 3

   نشر في 12 مارس 2018  وآخر تعديل بتاريخ 12 مارس 2018 .

التعليقات

آلاء بوبلي منذ 3 سنة
رائعة ، معبرة جدا
1
Tasneem Fa
سلمتِ يا جميلة ^^

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا