العقاب البدني في مدارسنا بين الماضي والحاضر بقلم / أ. مروة محمد خلف الله ماجستير مناهج وطرق تدريس - فلسطين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العقاب البدني في مدارسنا بين الماضي والحاضر بقلم / أ. مروة محمد خلف الله ماجستير مناهج وطرق تدريس - فلسطين

  نشر في 27 نونبر 2018 .

المحتويات /

• مقدمة .

• ماهية العقاب البدني وآثاره الجانبية .

• نظرة بعض الفلسفات التربوية للعقاب البدني .

• البدائل التربوية للعقاب البدني .

• خاتمة .

مقدمة :

تعدُ المدرسةُ إحدى المؤسسات الرسمية في المجتمع، والتي تتولى مهمة تنشئة الأبناء، والعمل على إحداث تغيرات مرغوبة في سلوكياتهم ، فهي تعمل إلى جانب الأسرة في التنشئة الاجتماعية للفرد وزرع القيم الإنسانية لديه. وقد تواجه المدرسة بعض المعيقات التي قد تكون معيقات سياسية أو نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية و التي تحول دون تحقيق هذا الهدف السامي من تعديل سلوك المتعلم في شتى جوانب شخصيته ؛ فهل يعقل أن يكون طوق النجاة هو العقاب البدني ؟!

ماهية العقاب البدني وآثاره الجانبية :

إن العقاب البدني بمفهومه البسيط يعرف بأنه سلوك يحتوي على عنف جسدي يقوم به المعلم تجاه الطالب بهدف تهذيب وتعديل سلوك.

إن العقاب البدني يشكل خطراً على جميع عناصر العملية التعليمية؛ فالعقاب البدني يسبب التوتر لدى المعلم، كما يسبب انعكاسات نفسية وجسدية واجتماعية على المتعلم، بجانب ما يلحقه العقاب البدني من كراهية بين المعلم والمتعلم؛ وهذا لا يؤدي بأي حال من الأحوال للنهوض بالعملية التعليمية .

لذلك فقد أخطأ من ظن أن العقاب البدني يفيد دائماً في العلاج؛ ففي أغلب الأحوال يكون ضرره أكبر من نفعه بكثير فمعظم النظريات النفسية أكدت على التأثير السلبي للعقاب البدني، وحتى على المستوى التعليمي فإن العقاب البدني يعمل على عزوف الطلبة عن التعليم مما يؤثر بالسلب على المستوى التحصيلي لهم .

نظرة بعض الفلسفات التربوية للعقاب البدني :

إن المدارس التربوية الحديثة أكدت على استبعاد العقاب البدني نهائيا، لذلك سنتطرق في هذا البحث إلى بدائل للعقاب البدني، ولكن قبل ذلك نذكر عرضاً سريعاً لوجهات نظر بعض الفلسفات حول العقاب البدني .

فالفلسفة المثالية التي تعتبر أقدم الفلسفات على مر العصور تقوم على تمجيد العقل والروح والتقليل من دور المادة والجسد. وتعتقد بوجود الحقيقة النهائية في عالم المثل المنفصل عن العالم الأرضي؛ لذلك تنظر هذه الفلسفة للمتعلم بأنه كائن روحي ينبغي الاتصاف بالطاعة ومنفذ لقرارات معلمة، وإذا أخطأ فلابد من العقاب الفوري وإن كان هذا العقاب سوف يؤذي المتعلم سواء من الناحية الجسدية أو النفسية ولكن المهم من وجهة نظر تلك الفلسفة هو الارتقاء بالروح وإن كانت الوسيلة هي تعذيب الجسد.(سورطي، 200 : 3)

أما عن الفلسفة الواقعية والتي جاءت رداً على الفلسفة المثالية، فالواقعية تؤكد على وجود عالم مادي خارج عقل الإنسان ، فعالم الحقيقة هو الواقع لا فرق بينهم على خلاف المثالية فالواقعية بالغت في الواقعية وأنكروا الغيبيات، فالمتعلم من وجهة نظرهم يتكون من عقل وروح على حد سواء، وهو مشارك في عملية التعليم، وإن أخطأ فيعاقب ولكن على حسب الخطأ الذي ارتكبه.( مجاور،1989 : 64)

وعندما نتحدث عن الفلسفة البرجماتية فإننا نتحدث عن فلسفة تميل ما بين المثالية الواقعية ، فهي تنظر إلى الإنسان كل متكامل عقل وروح وجسد ولكن لا تهتم بالروح بالشكل المناسب، وهي تؤمن بالتغيير المستمر وأن الحقائق الثابتة المطلقة لا وجود لها حتى تنكر خلود المثل والقيم الروحية ، كما أنها نظرت للمتعلم على أنه محور العملية التعليمية كما ركزت على تعزيز الجانب الاجتماعي لديه؛ لذلك لا وجود للعقاب البدني ولكن هناك بدائل لتعديل السلوك فالبرجماتية لا تعترف بالعقاب والطرق التي تعتمد على السيطرة التامة والخضوع فهي مرفوضة.(الحولي، 2003 : 135)

أما عن الفلسفة الإسلامية فهي تركز على تنمية شخصية الإنسان المسلم في جميع جوانبها بحيث تحقق أهداف الإسلام العامة ونشر كلمة الله في الأرض .وكما نعلن فالتربية الإسلامية تنمي في الإنسان الرقابة الذاتية على عمله، فتجعله يشعر برقابة الله عز وجل شعورا يمنعه من الانحراف في السر والعلن . كما أن النظام التربوي الناجح يستمد من النظام الإسلامي أسس بنائه وأهدافه ومحتواه وأساليبه ، فالتربية الإسلامية لا تؤمن بالعنف ولكن يمكن اللجوء للعقاب البدني لتعديل السلوك وتقويمه وفقاً لشروط وضوابط محددة, لكنة لا يعتبر أصلاً في بناء السلوك.(بابة،2016 : 43)

وبهذا العرض السريع نلاحظ أن العقاب البدني مرفوض عند معظم الفلسفات باستثناء المثالية التي أجازت العقاب بأي صورة، ولكن البرجماتية أكدت على عدم العقاب على الإطلاق وجاءت الواقعية لكي تجيز العقاب ولكن بحدود معينة ، أما عن النظرة الاسلامية للعقاب والتي أجازته بأضيق حدوده فهو ليس عقاباً من وجهة نظري فهو قد يكون نوعاً من تقويم السلوك، فالعقاب من وجهة نظر الإسلام ليس من الضروري إحداث الألم فيه ، فالتوبيخ العادي الخفيف ، ولهجة الصوت القاسية قد يكفي ، كما أن العقـاب يجب أن يتناسب مع العمر.

البدائل التربوية العقاب البدني :

قد تكون أفضل الطرق التي ينبغي اتباعها مع الأطفال هي الموازنة بين الثواب والعقاب فنمدح الطفل على كل خلق جميل وفعل حسن ويكرم عليه ، وإن أخطأ في بعض الأوقات لا يوبخ من المرة الأولى ولكن إن عاد فليوبخ سراً ، ونحذر من فعل هذا الخطأ مجدداً ، فهناك بعض الآراء التربوية تقول بأنه إذا عودنا أطفالنا على التوبيخ حمله هذا على الوقاحة.

إن العقاب ليس الوسيلة المجدية ، إنه قد يؤدي إلى كف الطفل عن الخطأ مؤقتاً ولكن إن لم نقوم السلوك بشكل حقيقي فقد يتكرر، وإن تكرر العقاب فقد يتعود الطفل على عدم المبالاة . فالترغيب عموماً أفضل من الترهيب ، والاعتدال هو الميزان.

قد يوجه البعض سؤالاً هاماً وهو ماذا يفعل المعلم إذا واجه سلوكاً غير مرغوب فيه من قبل أحد طلبته؟ هل يعاقب أم يتغاضى أم ماذا يفعل ؟

هنا يقع على المعلم مسئولية كبيرة في تعديل سلوك المتعلم لأن هذا هو الهدف العام من التربية، ولكن لابد أن يكون المعلم على يقين بأن حب طلبته هو الرصيد الأهم الذي يجب أن يتوفر لديه لإتمام رسالته على أكمل وجه ويحقق هدفه بالدرجة المطلوبة.

فكيف يقوم المعلم بعملية تعديل السلوك وعدم استخدام العقاب البدني في نفس الوقت ؛يتحقق ذلك عندما يدير المعلم عملية التدريس بحكمة وهدوء وباستخدام مجموعة من الإجراءات والتي تستخدم كبدائل للعقاب البدني .

من المؤكد أننا لا نستطيع عرض جميع إجراءات بدائل العقاب البدني في هذه السطور القليلة ولكن سنذكر الخطوط العريضة لهذا الإجراءات؛ ففي بداية الأمر يستطيع المعلم من بداية العام الدراسي إعطاء تعليمات واضحة وعقد وثيقة اتفاق بينه وبين طلبته، أن الوقاية خير من العلاج، وعند حدوث أي خلل، يتدخل بهدوء، ومن خلال هذه الوثيقة يكون قد اتفق مع طلابه على الأسس والقوانين التي يجب على الجميع الالتزام بها ويتفق معهم أيضاً حول كيفية التعامل مع من يخالف بنود هذه الوثيقة .

من خلال عملي في ميدان التعليم بالمدارس سوف أعرض عليكم بعض الوسائل الممكن اللجوء إليها كبدائل عن العقاب البدني والتي منها ما يلي :

1) الثبات الانفعالي للمعلم عند حدوث سلوك غير مرغوب فيه من قبل أحد الطلبة وعدم التسرع في اتخاذ القرار.

2) الموعظة الحسنة والنصح والإرشاد وخاصة عند حدوث السلوك الغير مرغوب فيه من أول مرة.

3) توضيح الخطأ الذي قام به الطالب، و البحث في مسببات وقوع الطالب في هذا الخطأ فقد يكون نتيجة عوامل خارجية.

4) استخدام العقاب السلبي هو إزالة حدث جيد مرغوب فيه(مثير-ثواب) نتيجة سلوك غير مرغوب فيه.

5) إيجاد جو من التنافس المقبول بين الطلبة: فعندما يقوم المعلم بمدح الطلبة الذين يقومون بسلوكيات مرغوب فيها قد يتولد نتيجة ذلك دافعية لدى الطلبة الآخرين بتعديل سلوكهم للحصول على التعزيز .

6) استخدام ما نسميه بالعقد السلوكي، وهي اتفاقية مكتوبة توضح العلاقة بين المهمة التي يقوم بها الطالب والمكافأة التي يحصل عليها نتيجة القيام بهذه المهمة ، وأيضاً يوجد بها النتائج المترتبة على مخالفة ما ورد في هذا الاتفاق .

7) التعبيرات الرمزية، وهي قصاصات تستخدم لتوظيف معززات رمزية لتحقيق الأهداف العلاجية .

8) التشكيل، وهو أحد أساليب تعديل السلوك التي يستخدم لتكوين مجموعة من السلوكيات الإيجابية الجديدة للخبرة السلوكية للفرد مع التعزيز الفوري والمستمر لهذه السلوكيات مما يساعد في التعديل التلقائي للسلوكيات الغير مرغوب فيها .

مما سبق نلاحظ أنه يوجد هناك العديد من الإجراءات التي يستطيع المعلم استخدامها كبدائل للعقاب البدني، ولكن يجب الاخذ بعين الاعتبار أنه لن نستطيع إنهاء العقاب البدني من مدارسنا بصورة نهائية بين ليلة وضحاها، ولكن لابد من تدريب المعلمين من قبل الإدارة التعليمية على استخدام البدائل التربوية للعقاب البدني، وفي نفس الوقت دمج هؤلاء الطلبة الذين يقومون بالسلوكيات الغير مرغوب فيها بمعسكرات تدريبية للتخلص من هذه السلوكيات، وبناء سلوكيات جديدة مرغوب فيها لدى هذه المجموعة من الطلبة، مع ضبط العوامل الخارجية التي تؤثر على سلوك الطلبة.

الخاتمة :

خلاصة القول أننا لا نستطيع تحقيق الهدف الرئيس للتربية بإحداث تغيرات مرغوب فيها في جميع نواحي شخصية المتعلم ونحن نستخدم العقاب البدني في مدارسنا ومن المهم أيضاً عدم استخدامه في المجتمع الموجود خارج المدرسة، وفي نفس الوقت لا نستطيع قبول أو غض الطرف عن السلوكيات الغير مرغوب فيها الصادرة من الطلبة، لذلك يجب علينا استخدام البدائل التربوية للعقاب البدني للحد من هذه السلوكيات الغير مرغوب فيها، والعمل على تشكيل مجموعة جديدة من السلوكيات المرغوب فيها، ولنجعل نعم للتأديب ... لا للعقاب.

المراجع /

1- بابة، بوزغاية ( 2016)، تصور التلاميذ للعقاب البدني داخل المؤسسات التربوية ، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، ع27، الجزائر.

2- الحولي، عليان الحولي(2003)، الأصول الاجتماعية والفلسفية للتربية، غزة – فلسطين.

3- الرياشي، محمد ناصر (2018)، تعليم الكبار في الحضارة اليونانية القديمة، مجلة كلية التربية للعلوم التربوية والإنسانية، ع38، جامعة بابل، ص496-524 .

4- سورطي، يزيد عيسى (2000)، تأثير التربية المثالية على التربية في الوطن العربي، مجلة كلية التربية، ع17 ، جامعة الإمارات العربية المتحدة .

5- أبو عاقلة، أحمد (2015)، العقاب البدني في ميزان الإدارة المدرسية، مجلة الدراسات التربوية ، ع4، الخرطوم، ص41-51.

6- مجاور، محمد صلاح ( 1989)، بين الفكر الفلسفي والفكر التربوي، دراسات تربوية، ج4، ج16، رابطة التربية الحديثة ، القاهرة ص49-68 .


  • 3

   نشر في 27 نونبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا