رجعية الخوف وخوف الرجعية (مقال عامية) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رجعية الخوف وخوف الرجعية (مقال عامية)

  نشر في 14 مارس 2019 .

"احنا مخيرين في اللي بنعمله" دي صرخة نملة غير مسموعة على لسان شاب لما يتسأل: " الإنسان مخير ولا مسير؟"
رغم أن كل حياته بتدلل على أنه قطرة وفي تيار ماية أو قشاية في مهب الريح، منين م تكون بتتساق. لا يزال جواب "أنا مخير في أفعالي" رد فعل انفعالي غير مُدرَك بيستخدمه أغلب الشباب عشان يستبقوا التفكير في ماهية السؤال وتحليل حقائق الواقع، والتنزيلات الجدلية على هذا الواقع المشوه.

لأن في الحقيقة وبغض النظر عن اختلاف وجهات النظر في السؤال .. لكن حتى الناس اللي جاوبت بـ "الاختيارية" وأننا مخيرين، مش عايشين حياتهم إلا بــ "الجبرية" .. جبرية (الثقافة) .. جبرية (فهم الدين بالموروث) .. جبرية (الفلكلور) .. جبرية (العادة والعرف).

العيب في الأمثلة اللي ذكرته فوق مش في اللي بين الأقواس .. أبداً .. لكن في كلمة "الجبرية" نفسها.

يمكن لمرور الوقت أثر بيسيبه في هيئة حَز وكرمشة في الوجه مع تقادم العمر أو حتى ندبة جُرح في قلب شاب تعاصرته الأيام حديثاً بعد اما خرج من مرحلة كان فيها معيلاً ودخل في طور جديد أصبح فيها فجأة صاحب مسؤولية واختيار .. فجأة لقى نفسه على خشبة المسرح، بس للأسف هو لسه مش جاهز له.

شاب بلا ثقافة، بتربية نمطية، في بيئة غير صالحة للتفكير ، والقديم الموروث هو الصح دايماً .. حتى لو مفكرتش فيه لمرة .. حتى الحاجة الوحيدة اللي المفروض تديله شكل مستقل جديد (اللي هو التعليم) فاسد ونمطي وبيكرس للجمود في مقابل الإبداع .. الجمود الفكري والزمني ؛ فلا أنت خدت فكرة مختلفة تنشط بيها دماغك وتستوضح بيها حقيقة، ولا حتى واكبت الجديد مع مرور الوقت (المناهج القديمة) .. عشان كدا الحقيقة في نظر هذا الشاب واحدة مطلقة ، اللي هو عرفه ، ومعرفش غيره! ودا شكل من أشكال الانعزال أو كأنه في منفى ثقافي .. حتى لو عايش في مجتمعه وبيتفاعل .. لأن حتى مجتمعه نفسه منفى وهو في وطنه.

لكن أكتر حاجة تلفت الانتباه وتبرر أي تراجع، هو شعور الخوف، أكثر شعور بيتعمله الشاب في بداية حياته وبيأثر على بقية حياته ويضرب مفهومه لمعنى (حريته) ويبلبل فيه قوة (إرادته) واللي بدوره بيخليه ينكر حقه البديهي في إبداء (رأيه) أو يصنع (اختياره).

الخوف اللي مثلاً مخلي أبوه لسه قاعد في وظيفته و ماترفدش.

أو الخوف من كلام الناس.

حتى الخوف من الكلام في السياسة عشان يكمل حياته.

الخوف اللي يمنعه أن يفتح كتاب مخالف للي في دماغه عشان م يتصدمش!

أو الخوف اللي يخليه يقرأ كتاب مخالف للي في دماغه بآلية دفاعية وقناعة مسبقة تخليه يأكد صحة قناعاته من خلال قناعات مخالفة (اللي هو بيبتسم ابتسامة صفرة كدا ويقول:"على بابا يلا؟!")

بفتكر الكلام دا في آخر السنة والواحد بيكسر تابوهاته، واللي لسه عندي منها بس لسه ملقتش مقاس شاكوشها اللي يقدر يكسرها .. واللي بأكد عليه دايماً لنفسي أن الخوف (أي نوع من الخوف بأي أثر) ممكن يحدد مسارك في كل شيء، ويخلي كلام معين يأدي معنى معين في نفسك يتسق مع أصوات الخوف اللي جواك مش مع صوت عقل اللي قاله.

عشان كدا أنا مبقتش أشوف الإنسان كلحم وعضم .. أنا أكثر اقتناعاً أن الإنسان عبارة عن شوية مشاعر وأحوال نفسية .. وأنت كإنسان مش بس تقدر تتحكم في نفسك وفهمك وأحوالك المادية عن طريق أحوالك النفسية لا بل تقدر تتحكم في إنسان تاني أو ناس تانية لو قدرت توصل للزرار السحري لكل واحد أو لمجموعة من الناس واحدة .. يعني الحاكم الباطش الشمولي دا مش بيسيطر لأنه ماسك عصاية بتوجع أو معاه قوات محاربة .. وإنما بيسيطر بشعور الخوف وإلا لو قارنا أكبر الجيوش مثلاً لو كانوا مليون نفر كتعداد في مقابل ملايين الجموع من الشعب حتى لو كانوا بدون سلاح (تنزُّلاً) فمفيش مقارنة في القوة البشرية (كعدد) واللي بدورها هتخلي قيمة السلاح أقل بكتير من قيمة السلاح مع الخوف!

وليه أنا قولت تنزُّلاً في حتة السلاح .. لأن اللي خلَّاكي تضربي واحد حاول يتحرش بيكي بشنطتِك هو حالة نفسية خليتك تحولي أي شيء قريب منك لسلاح للدفاع عن النفس .. وإلا فالشنطة مش سلاح في الأصل إلا في الموقف دا باعتبار التعريف:"السلاح هو كل أداة يتم استخدامها في عداء".

وثقة المريض في دواه هو سبب شفائه مش مفعول المادة نفسها.

وأن مثلاً أغلب الأديان بتعتمد على شعور الندم لتجميع المؤمنين دايماً في نقطة واحدة ، نقطة التوبة(الخضوع).

أول حاجة بيقابلها الواحد لما يجي يتعرض لحاجة جديدة .. مش عاداته وتقاليده ولا دينه ولا تربيته وبيئته .. وإنما جموده وتعصبه للحاجات دي .. واللي بيبقى سببه أصلاً (رجعية الخوف) خوفه بيخليه يتحاشى أنه يرتد على عقبه و ينكث لمفاهيم العشيرة والبيئة، رغم أنه يمكن الشيء الجديد دا هو التطور أو ربما لو سمعه أو شافه يبقى له وجاهة في نظره واعتباره .. لكن هو في عقله ترسخ بسبب خوفه -وبشكل استباقي- تحت مسمى (خوف الرجعية).

________________________

*تنويه: هذه الأمثلة لم تذكر من باب الوفاق أو الفراق معها وإنما لتمثيلها المجرد.



  • طارق عوف
    مدون حر مستقل .. "لم يكنْ ليُعرف الأدب لولا قلةُ الأدب"
   نشر في 14 مارس 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا