يوميات كاتب في مركز المعلومات ( السيد محمد حبيب عواد) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يوميات كاتب في مركز المعلومات ( السيد محمد حبيب عواد)

  نشر في 14 أبريل 2017  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2017 .

الحلقة الرابعة السيد محمد حبيب عواد

مر الأسبوع الأول ، مرور البرق ، و ألف شيئا فشيئا الجو العام في مركز المعلومات ، و كانت متابعته لما يحصله في العمل حينما يعود إلى المنزل ، تساعده كثيرا في الإستيعاب و التحصيل ..

كانت أوقات العمل تبدأ في الساعة التاسعة إلى ما يقارب السادسة خلال الأسبوعين الأوليين ، في ذلك الصباح ، أتى يعقوب إلى العمل راجلا كعادته ، كان يخرج من منزل والديه على الساعة الثامنة ، و يسلك طريق ثانويته التي فيها كان تحصيله ، التي تتوسط شارع عبد اللطيف بن قدور المصنف ، كان مجرد اقترابه من الثانوية يشعل في دواخله عوالما من الحنين و الذكريات لا تكاد تفتر ، إلا لتستيقظ مرة أخرى ، بل إنه في كل يوم كان يقف أمام أبوابها العتيقة ، و ينظر من شباكها إلى الداخل ، فيحس بنفسه يعود القهقرى سنينا إلى الوراء ، تماما كالفلاش باك الذي يستعمله صناع السينما لتصوير الذكريات ، هنا .. حرى مع أقران له .. قد ضم بعضهم الثرى .. و هناك كان يفر من أستاذ له عانى من شغبه ، و هنالك .. وقف مع جمع غفير من التلاميذ رافضين الدخول للتحصيل ، مرددين جملته التي كانت تستولي على شغاف قلبه :

يا صدام يا حبيب ، دمر دمر تل أبيب !

هذه الثانوية قضى بين أسوارها ، أحلى أيام عمره على الإطلاق ، فزيادة على أنها لم تك تبعد من منزل والديه إلا بخمس جقائق مشي ، كانت هي المهد الأول لكتاباته المراهقة ، و رسوماته التي يخجل من أن يكشفها للآخرين ، اعتقادا منه أنها ليست في مستوى الإبداع .. كانت هذه الثانوية الحبيبة ، مكمن الأسرار ، و مجمع الحب ، و بداية الطريق ، في مسار الآداب .. إيه كيف أن السنون تجري كما السحاب تجر معها كل شيء جميل ..

و إنه ليذكر أنه في يوم استجمع كل قواه ، و دخل مع التلاميذ إلى ثانويته ، بعد ثلاث عشرة سنة من مغاردرتها ، فأحس بوحشة إلى جانب حنينه ، ذلك أنها أصبحت ثانوية مختلطة ، بعد أن كانت ثانوية للذكور فقط ، و الحق أن حمد الله كثيرا أنه مر في هذه الثانوية حينما كانت مخصصة للذكور فقط .. كان إحساسا جميلا جدا ، أن تدرس في مكان مخصص فقط للذكور ، لا اختلاط ، و لا فتنة ، و لا محرمات ، كانت فترة جميلة ..

حينما دخل إلى بهوها ، لمح من بعيد السيد زبيدة .. من بعيد ، لمحه الرجل ، كان الشيب قد غزا جميع رأسه ، و احتلت التجاعيد وجهه ، ما إن رآه السيد زبيدة حتى ضمه إليه و التزمه ، دهش يعقوب من الرجل .. كيف يذكره بعد كل هذه السنوات .. فقال له مخاطبا ..

سيد زبيدة ، هل تذكرني ؟

ـ طبعا سيد يعقوب .. كيف أنسى أحلى الأيام ؟

ـ أحلى الأيام ؟ يا رجل قل كلاما غير هذا ..

ـ أقسم لك يا سيد يعقوب ، أن جيلكم ،و ما قبله كان أفضل الأجيال التي مرت علي خلال مسيرتي

ـ شيئ جميل أن أسمع هذا منك !

ـ أين قذفت بك الدنيا أيها الشاب ؟

ـ ذهبت للدراسة في ألمانيا ، درست الصحافة و الإعلام ، ثم عدت أدراجي

ـ جميل جدا هل أتيت لزيارتنا ؟

ـ نعم ، أردت أن أزور هذا المكان الحبيب إلى قلبي ..

ـ تفضل و جل كما تريد ..

ودعه ، و دخل ، و كان كلما خطا خطوة ، كلما رجع إلى الوراء سنونا ، زار أقسامه التي فيها حصل ، و ساحاتها الجميلة .. كل شيء فيما ها هنا جميل ، أم تراه هو الحنين .. قد كانت جميلة فعلا ..

واصل سيره نحو مقر عمله ، هذه المدينة الجميلة في عينيه ، الوحشية في عيني من لا يعرفها حق المعرفة ، تحتل في قلبه مكانا كبيرا ، الدار البيضاء ، مدينة المدن ، تعلق بها قلبه ، كيف لا و هي مولده ، و مراضعه و مراتعه و صباه ؟ .. وصل إلى مكان عمله قبيل التاسعة بقليل ، و كان قد حصل قبل يومين على بطاقة ممغنطة يمكنه بها الولوج إلى العمل ، و فتح الأبواب الممغنطة بدون الحاجة إلى الإستعانة بأحد .. دخل ، و قصد مركز المعلومات و حيا زملاءه في العمل ، و كان لا يزال يجلس إلى جانب السيد عادل الرئيس يتعلم منه كل ما استشكل عليه من أساسيات عمله ، و كان قد بدأ بالفعل في التعايش مع مواد عمله و أدواته ..

كان الكل في مركز المعلومات مستعد لمد يد العون للآخرين بدون تأخير ، حتى في حالة المشاكل المستعصية التي تتطلب سرعة في البديهة ، و اجراء اتصالات كثيرة ، كان كل أحد يعين الشخص الذي أخطر بالمشكل ، بإجراء الإتصالات اللازمة .

خلال انشغالهم بالعمل ، دخل من الباب شخص ، لم يره من قبل .. سلم على زملائه الأخر ، بطريقة تشير إلى أنه كان غائبا عن العمل لمدة ليست بالقصيرة ، كل منهم يلتزمه ، و يصافحه ، حتى اقترب من يعقوب و زميليه .. فجاء السيد عمر مهران ، و خاطبه قائلا :

ـ أهلا سيد حبيب ، أقدم لك زملاؤنا الجدد في مركز المعلومات المكلفون ببداية المشروع الألماني :

السيد يعقوب ، السيد عز الدين ، و السيد ملاحي ..

صافحهم بأدب ، و اتخذ مجلسه في مكانه ، كان السيد محمد حبيب عواد شخصا جسيما ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، أدهم اللون بلحية ضاربة إلى الطول عريض المنكبين ، ذو عينين مائلتين إلى لون العسل ، و صوت جهوري ، بل كان المرء ليحس قوته حتى في مصافحته ..

كان يعقوب مشذوها ، لأن السيد حبيب عواد كان يشبهه في الكثير من الأشياء ، أقلها البنية الجسمانية ..

من المزايا التي أعجب بها يعقوب في مكان عمله الجديد ، أن السيد مهران الذي كان يدير هذه المجموعة كلها ، لم يكن من النوع الذميم في التعامل مع الأشخاص الذين كان يديرهم ، فكان أعضاء مكتب الإتصال ، يناقشون المواضيع الكبيرة ، و يدخلون في حوارات قد تصل حد المواضيع الفلسفية ، و لم يكن السيد مهران ليعارض ، و لكن بالمقابل ، كان كل أعضاء مكتب الإتصال بدون استثناء يقدرون المسؤولية الملقاة على عاتقهم ، و يتعاملون بحرفية شديدة مع كل اتصال ، أعجبه ذلك جدا ، و راقه كثيرا ، أن يكون لمناقشة المواضيع ، و الحوار مكان في مركز المعلومات !

و إنه ليذكر أنه في ذلك اليوم كان النقاش يدور حول خلق الإنسان ، و آدم عليه السلام ، فقال السيد حسن عامر :

ـ وصف خلق الإنسان في القرآن وصف معجز .. كيف أن الله أمر الملك جبريل عليه السلام ليأتي بالطين من الأرض و شكله ، ثم نفخ فيه من روحه ، و أمر الملائكة بالسجود له

فأجابه السيد حبيب عواد : إن لي رأيا آخر فيما يخص هذه المسألة ، لإأنا أؤمن بكلام آخر لبعض العلماء ، أن آدم ولد من أب و أم ، و لم يكُ طينا ..

صدم هذا القول يعقوب حتى أخرجه عن صمته الذي كان يداري به شوقه إلى المشاركة في هذا الحوار الماتع و لكنه كان يستحيي فقال :

ـ كيف سيد حبيب ؟ هذا يعارض صريح القرآن !

ـ أنا أخبرك كيف ، هناك من العلماء يفسر آية : كما أنشأكم من سلالة قوم آخرين ، أن آدم نفسه خلق من سلالة الإنسان ، غير أن أباه لم يكن بذكائه و رجاحة عقله !

ـ ولكن هذا القول قول شاذ جدا ، فماذا تقول عن آخر : فلما سواه و نفخ فيه من روحه .. الآية ؟

ـ هذه آية توضح سجود الملائكة لآدم ، و أن إبليس أبى السجود له

و كان السيد الملاحي يؤيد السيد عواد طيلة فترة النقاش لأنه وافق منهجيته التي اعتبرها يعقوب منهجية تأويلية محضة ، فقد كان السيد ملاحي يؤول كل شيء معلوم من علامات الساعة الكبرى مثلا ، و يعتبر أن خروج الشمس من المغ رب آخر الزمان و اقفال باب التوبة ، هو مجاز لدخول الغرب كله في الإسلام ، و أن الدجال علامة على الشر ، و أن يأجوج و مأجوج هم أهل آسيا ، إلى ما يشبه ذلك من الأفكار التي اعتبرها يعقوب أفكارا تجانب الصواب حسب مفهومه و اعتقاده للأمور

استحيى يعقوب أن يكمل الجدال ، و كان عيب السيد حبيب عواد الوحيد في النقاش أنه يتعصب لرأيه قليلا ، مرتفعا به صوته ، حتى أنه في بعض الأحايين ، كان السيد يونس الزميلي يدق زجاج مكتبه الملاصق لمركز المعلومات ، في إشارة إلى ارتفاع صوت المناقشين ! و على العموم كانت الأشياء تنساب انسياب المياه بعد انحباسها خلف حجرين ، لا يكاد النقاش ينتهي حتى تعود المودة و الألفة إلى قلوب زملاء العمل ..

كانت السيدة الإدريسية ، الأنثى الوحيدة بين كثير من ذكور في مركز الإتصال ، و كانت في بداية الأمر صموتة ، بحذر ملحوظ في التعامل مع الزملاء الجدد ، كانت فتاة ذكية ، قوية الملاحظة ذات شخصية قوية تفرض احترامها على الآخرين فرضا ، و كان يبدو من امتلاء بطنها ، أنها حبلى في الشهور الأولى ، و إن يعقوب ليذكر في مرة ، أنه سألها إمعانا في القضاء على تلك الوحشة بينه و بينها كشخص جديد على مركز المعلومات :

ـ هل لديك أولاد سيدة إدريسية ؟

ـ في الطريق .. قالت السيدة ادريسية بابتسامة خافتة

ـ خمنت أنك حامل نعم ، أسأل الله أن يمر حملك على خير

ـ شكرا جزيلا لك ..

و كانت السيدة الإدريسية شخصا مرحا على الرغم من حذرها في التعامل معهم في البداية ، دلت شخصيتها القوية على جانب خفي سيظهر مع توالي الأيام ..



   نشر في 14 أبريل 2017  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا