تجليات ما بين التطرف والإنحطاط الأخلاقي..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تجليات ما بين التطرف والإنحطاط الأخلاقي..!

هناك فرز عنصري يطغى على المعاملات اليومية داخل مجتمعاتنا العربية، وهو أمر يخشى الكثيرون الخوض فيه لفرط حساسيته وحِدَة ملامحه، أو خوفاً من القمع أو الملاحقة..!

  نشر في 29 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2020 .

تجليات ما بين التطرف والإنحطاط الأخلاقي..!

بقلم/ محمد أحمد فؤاد

لا نبالغ حين نصف المناخ الذي نعيش فيه نحن العرب بأنه مناخ يجنح في أغلب الأحوال إلى تطرف مادي ومعنوي ورمزي، وهذا التوصيف لا يأتي من فراغ، بل من واقع مجموع التجاوزات الإجتماعية والأخلاقية التي يتم رصدها يوماً بعد يوم على المستويات كافة، بالطبع دون محاولة الفصل بين الطبقات المختلفة داخل تلك الحلقة شبه المفرغة.. هناك نمطية وتحفظ وشكل من الإنغلاق الثقافي الإختياري، وفوق هذا وذاك، هناك فرز عنصري يطغى على المعاملات اليومية داخل مجتمعاتنا العربية، وهو أمر يخشى الكثيرون الخوض فيه لفرط حساسيته وحِدَة ملامحه، أو ربما خوفاً من القمع أو الملاحقة..!

مؤخراً بدأت بعض القوى الغربية في إستخدام مصطلح "الإسلاموية" المستحدث بكثافة، وبشكل مثير للريبة من حيث التوقيت والمغزى.. وقد جاء حديث وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان خلال زياته الرسمية مؤخراً إلى مقر مشيخة الأزهر بالقاهرة بمثابة إثبات لهذا المعنى، بالرغم من تأكيده مراراً على نوايا فرنسا السمحة تجاه الإسلام من خلال ما أسماه "رسالة سلام إلى العالم الإسلامي"، وكذا محاولته المستمرة لإظهار أن بلاده فقط تلاحق التطرف والتعصب والإرهاب في كل صورهم دون أدنى تفرقة قد تكون مبنية على أساس عرقي أو ديني..!  لم يكن رد الأزهر أقل تعقلاً ووضوحاً بالرغم من تعمد شيخ الأزهر الإبتعاد عن الدبلوماسية اللفظية وتأكيده صراحة على رفض مصطلح الإرهاب الإسلامي الذي أطلقه رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في أعقاب حادث تصفية المدرس الفرنسي صامويل باتي في أكتوبر الماضي على يد مراهق من أصول شيشانية بدعوى تعمد الأول الإساءة للدين الإسلامي والرسول بعرضه بعض رسوم الكاريكاتير المسيئة للنبي على تلاميذه بغرض التوعية بمبدأ حرية التعبير، الأمر الذي لاقى إستياء وشعور بالمهانة لدى تلاميذ مسلمين وذويهم وتطور الموقف على إثر ذلك لجريمة قتل بشعة، وتمادى إلى مسلسل لا ينتهي من أعمال العنف..

هل كان الهدف من توظيف هذا المصطلح في الوقت الراهن هو فقط إطلاق صافرة إنذار لكل المجتمعات الغربية للإنتباه أمام موجات التطرف التي ضربت أوروبا بعنف في الفترة الأخيرة..؟ أو أن هناك أبعاد سياسية في الأمر تحتاج إلى هذا النوع من الحراك الإقصائي في هذا التوقيت بالذات..! أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد رد فعل طبيعي نتيجة لما خلفته مثل تلك الحوادث الإجرامية من مشاعر الكراهية والبغضاء داخل مجتمعات لا تعتد أو تقبل على الأقل دستورياً بأي تمايز داخلها يكون مبني على أساس ديني أو عرقي..!

التعصب ليس مرادفًا للتطرف، وهو يعد ظاهرة إنسانية عالمية وتاريخية تختلف تجلياتها في الدرجة من صقع إلى آخر باختلاف الشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية.. هذا وتمكن ملاحظة درجات التطرف أو الاعتدال في حقل التعصب ذاته، فلا يوجد نمط إجتماعي يخلو من تعصب، وكل إنسان طبيعي يكون عُرضة لنسبة منه تختلف حسب طبيعة الشخصية وتركيبتها، بمن في ذلك الفلاسفة والشعراء والفنانون ورجال الدين والساسة والعلماء.. الأمر الذي يوجب على الإنسان العاقل والأخلاقي مساءلة الذات ومراجعة البداهات واليقينيات على واقع المجتمع وقيم العصر بتجرد وعدالة..

للتعصب مجال شاسع ومدى شديد التماوج.. حيث يبدأ في المعتاد بالاقتناع الفطري المباشر أو عن طريق التلقين، ثم يتحول إلى رد فعل حماسي يعقبه محاولات الإقناع بالدعوة أو التبشير، ثم يتطور إلى درجة أكثر خطورة وهي التطرف الذي يؤدي حتماً إلى المفهوم المغلوط عن الجهاد أو النضال لإثبات فكرة أو نظرية ما.. الأمر الذي ما يلبث أن ينتهي إلى جرائم العنف والإرهاب.. وربما يكون في هذا التسلسل ما يفسر إرتباط التعصب بالطوباويات، التي تتحول بعد انقضاء زمنها إلى أيديولوجيات، ثم إلى فولكلور تكتسب معه الطقوس والعلامات والرموز والأساطير طابعًا شعبيًا.. على شاكلة الفكر الوهابي ومراحل تكوينه، وكيف أنه صار نمطاً أيديولوجياً يحتذى به داخل العديد من التنظيمات الإجرامية المتطرفة..

ولعل الدعوة غير الرشيدة هي الفاصل الفعلي الذي يتحول عنده التعصب من ظاهرة أخلاقية فردية إلى تطرف سلوكي جماعي ممنهج، والجهاد أو النضال إلى عنف مادي ورمزي، ويمكن أن يتحول في ظل شروط معينة إلى إرهاب.. وتلك هي الأطروحة الأخطر في حديثنا، والتي تحولت عندها نظرة المجتمعات الأخرى تجاه ثقافات العرب المسلمين إلى الرفض والإزدراء..!

ولما كان التعصب لا يقوم دون وجود آخر حقيقي أو إفتراضي يُتَعَصَّب عليه، مثلاً شخص آخر أو جماعة أخرى أو عرق آخر أو قومية أخرى أو جنس آخر أو مذهب آخر أو أثنية أخرى، فإنه يظل مفتوحًا على التعايش مع هذا الآخر المختلف، وقادراً على قبول الاختلاف، ما لم يتم تحويله بكيمياء السلطة وإرادة القوة والسيطرة إلى تطرف ملازم للدعوة.. حينئذ يتحول هذا الآخر المختلف إلى عدو (عدو الله وعدو الدين وعدو الأمة، أو عدو الاشتراكية والطبقة العاملة أو خائن للقيم الوطنية..) الأمر الذي يستوجب كسر شوكته وإخضاعه إن لم يكن القضاء عليه متاحاً حسب نوع السلطة وقدراتها، ليغدو هذا كله من قبيل “الواجب الأخلاقي” الوطني أو القومي أو الديني أو المذهبي أو الطبقي..!

المجتمعات تنزلق إلى مهاوي العنف الرمزي و/ أو المادي عندما يختار الحاكم بطانته ويوظفها على صعيد "الفرقة الخاصة"، أو على صعيد الحزب الأوحد الذي يُختزل في لجان مركزية ومكتب سياسي واحد لا يؤمن بالتعددية، وأيضاً عندما يختار الحاكم شعبه كما تفعل الآلهة على صعيد المجتمع، وينظر إلى بقية رعاياه ويتعامل معهم على أنهم الأعداء الموضوعيون الذين يتربصون به، فيحدث أن يتجاوز العنف القمعي الذي تمارسه بطانته وحاشيته حدود القانون، فيتلاشى المناخ الدستوري ويضمحل، وتحل الامتيازات محل الحقوق، وتُستبدل القوانين بالولاءات.. ويكون الخطر الأعظم في تلاشي القانون واضمحلاله هو تلاشي الدولة واضمحلالها والدخول في حال من الفوضى على كل الأصعدة، ومن ثم يتآكل كل ما أحرزه المجتمع من تمدن وحضارة، وتصبح الهمجية والعشوائية نتيجة حتمية لهذا التآكل حين يبلغ ذروته..!

المدهش والمضحك في آن واحد أنه قد يحق لنا تقسيم التعصب طبقياً داخل مجتمعاتنا العربية، حيث أن هناك ثمة وجاهة في قسمة المتعصبين إلى طبقات تعفي بعضهم من المسائلة وتمنحهم نوع من الحصانة، فهناك متعصبين أصليين يحوزون الثروة والسلطة ومصادر القوة، ويفعلون كل ما في وسعهم للدفاع عنها والحفاظ عليها، وهناك متعصبين تابعين يتماهون بهؤلاء ويستبطنون تعصبهم، ولا يخلو أن يُحمِّل المتعصبون الأصليون مسؤولية نتائج تعصبهم المغلف بألوان عجيبة لتابعيهم، وهؤلاء التابعون الذين يقبلون أن يُعمل بهم أي شيء يصيرون قابلين لأن يفعلوا أي شيء بلا أي وازع.. فالبلطجية ورجال الأمن والحراسة المأجورين وبعض الإعلامين ورجال الدين مدفوعي الأجر وبعض الفنانين خير مثال على ذلك. وهنا يتبدى مكمن الأساس العميق للانحطاط الأخلاقي، حيث أنه ليس من المنطقي فصل الانحطاط الأخلاقي الذي يتجلى في وجود أشخاص فوق القانون عن انحطاط الدولة وتلاشي القانون.. ببساطة لأن الدولة هي الحياة الأخلاقية للشعب بحسب التعبير الشهير الذي أطلقه كارل ماركس منذ عقود وأحسبه مازال يصلح لعصرنا هذا..!



  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 29 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا