الأندلس...قضية التاريخ الأولى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأندلس...قضية التاريخ الأولى

  نشر في 05 فبراير 2016 .

عبر عصور تاريخنا الإسلامي، نجد كثير من الاحداث الكبرى والقضايا العالقة، التي مازلنا نعيش أثارها إلى اليوم، والحق أن ما بين هذه الاحداث وهذه القضايا روابط تاريخية عديدة يستحيل الفصل بينها لشدة ارتباطها بأمة واحدة؛ أصبحت تعاني -بسببها -من ضعف ونكبة لاسيما في عصرنا هذا. ولعل أبرز ما ابتلي به تاريخ الإسلام وتألم منها المسلمين، قضية الأندلس التي كانت أول خسارة كبرى للأمة الإسلامية في التاريخ.

لقد كانت الأندلس في بداية فتحها على يد طارق بن زياد وموسى بن نصير؛ كغيرها من الأمصار الإسلامية التي دخلت في ظل الإسلام، بعد ركودها في ظلمة الجاهلية، فتعقب عليها ولاة بارزين، كالسمح بن مالك الخولاني وعبد الرحمن الغافقي، من قبل الخلافة الإسلامية المتمثلة في الدولة الأموية بدمشق، إلا أن سقوط الأخيرة على يد العباسيين سنة 132ه قد مهد للاستقلال بالبلاد بعد أن تمكن عبد الرحمن الداخل من تأسيس ملك للأمويين بها.

استمرت الدولة الأموية في الأندلس لما يقارب تلاث قرون، ووصلت البلاد في عهدهم أوج عزها، لاسيما في فترة حكم عبد الرحمن الناصر، الذي جعل من قرطبة مركز الحضارة والخلافة، وصارت الأندلس في هذه الحقبة قوية متماسكة جابهت كل الأخطار، لاسيما الخارجية منها، وبالرغم من تمزق البلاد في عهد ملوك الطوائف إلا ان العلوم والحياة الفكرية ما زالت مستمرة بها، حتى أصبحت جل المدن الاندلسية مراكز للثقافة والفكر.

على أن هذا القطر الإسلامي عانى بشدة طيلة القرن الخامس الهجري، بعد زوال الخلافة الأموية وظهور دويلات الطوائف المتناحرة وملوكها المتنازعين، وتسلط الأعداء من نصارى الشمال وزحفهم على بلاد المسلمين التي صارت مهددة بالفناء؛ لولا أن قيض الله لها يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين بالمغرب، الذي ما لبت أن هب للجهاد ونجدة أهلها المسلمين فهزم النصارى بالزلاقة عام 479ه، وأزال سلطة ملوك الطوائف لتنعم البلاد بالوحدة من جديد فدخلت في عهد المرابطين، ثم ورثتهم الموحدين من بعدهم إلى غاية معركة العقاب التي انهزم فيها المسلمون أمام النصارى، والتي كانت إيذانا بانهيار دولة الموحدين وتفكك الأندلس.

تقلصت البلاد الأندلسية كثيرا مند منتصف القرن السابع الهجري، بعد سقوط المدن الكبرى في أيدي الصليبيين عدى غرناطة في الجنوب التي احتفظ بها المسلمون والمناطق المحيطة بها تحت سلطة بني الأحمر، وصارت هذه المملكة تصارع مع حدودها الصعبة مع كل من قشتالة واراغون والبرتغال المحيطين بها، لمدة تزيد عن قرنين، وبمساعدة من بنو مرين حكام المغرب، رغم الخيانات والمؤامرات التي تذب من صفوف بنو الأحمر هؤلاء، وأدت نتيجة تخاذلهم هذا المستمر إلى سقوط غرناطة سنة 897ه/1492م، لتنتهي بذلك دولة الإسلام في الأندلس.

لقد كانت الأندلس الإسلامية دوما منارة للحضارة والرقي، التي أضاءت فيما بعد طريق النهضة الأوروبية، بعد أن كانت أوروبا قابعة في ظلام قرونها الوسطى، وبفضل الإسلام الذي حكم البلاد ثمانية قرون؛ كثر طلاب العلم في البلاد وأصبحت قرطبة كعبة للعلماء ومقصدا للأدباء حتى نافست بغداد حاضرة الدنيا، كما أن الأوروبيون كانوا يقصدونها لينهلوا من علمها وليدرسوا من جامعاتها، وعرفت البلاد عبر تاريخها علماء أفذاذ كابن فرناس وابن البيطار والباجي وابن حزم وابن رشد وغيرهم، واشتهرت الأندلس بعمرانها الذي ما زالت اثاره باقية في كل من قرطبة واشبيلية وغرناطة وطليطلة.

وهكذا غابت شمس الإسلام بالأندلس بعد إسقاطها، حيث اختتمت نهايتها بأبشع مآسي التاريخ بعد أن أقدم الصليبيين القشتاليين بالغدر بأهل غرناطة غداة الاستيلاء عليها، فحولت مساجدها على كنائس على غرار ما حدث من قبل لباقي المدن، فأجبر المسلمون على التعميد والطرد حتى تعرض من بقي منهم لاضطهاد محاكم التفتيش المجرمة، التي نكلت بأهل الأندلس شتى أنواع الظلم والعذاب من أجل ترك دينهم وطمس هويتهم، فقتلوا واغتصبت أراضيهم بعد تغيير أسمائهم فصاروا يسمون بالموريسكيين إلى أن طردوا نهائيا في القرن 17م.

إنها قضيتنا الأولى؛ الأندلس قضية المسلمين الكبرى التاريخية، حيث كان سقوطها ونكبتها البداية المقدمة لضعف المسلمين وتراجع مجال الأمة، وفي المقابل أصبح الأوروبيون النصارى يجوبون البحار ويحتلون مزيد من الأراضي كما حدث بالعالم الجديد، وينشرون ظلمهم وطغيانهم عبر أنحاء العالم بما فيه أمتنا. وإن كانت فلسطين الان هي قضية الأمة الأساسية، فإنها لن تصبح أندلس أخرى لان الاخيرة كانت القضية التاريخية الأولى للأمة التي يقع على عاتقنا مهمة استرجاعها.


  • 2

   نشر في 05 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا