لعنة أم لعنة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لعنة أم لعنة

  نشر في 25 مارس 2020  وآخر تعديل بتاريخ 30 مارس 2020 .

عزيزي القارئ ..لعلك تقرأ الآن هذه القصة و تدرك بأني لم أكتبها.. بل هي من تكتب نفسها..

إنها تلك القصة التي بحثت عنها كثيرا و لكن كانت طول الوقت بجانبي بدون حتى أن أشعر أنني كنت أحد شخصياتها..

فبعض شخصياتها قد عاصرته و الآخرون لم أسمع عنهم سوى من الجدات..

بعض أحداثها أغرب من الخيال و بعض أحداثها واقعي جدا..

لقد ترددت كثيرا قبل أن أتخد القرار و أكتبها.. لكن رغبة الكاتب في كتابتها كان فوق كل الاعتبارات..

" إيليا آسافو مسعود" جد جدي رحمة الله عليه.. لم أعرف عن شكله سوى ما جاء على لسان جدات العائلة..

كان مسعود فارع الطول و قوي البنية..

قرر الذهاب لحج بيت الله الحرام.. و كما تعرفون كان السفر شاقا و يستغرق مدة طويلة في ذاك الزمان..

جمع العدة و زاد السفر و أعد الجمل جيدا مودعا العائلة و زوجته "تودة" الحامل بابنهما الأول و أيضا ناس القبيلة .. فوحده الله يعلم كم سيغيب و هل سيعود أم لا ..و يا ليته لم يعد..

شق طريقه عبر الصحراء لشهور مسترشدا بالنجوم و بعض الناس الرحل.. فوصل قبل بداية موسم الحج بأيام معدودة..

فجلس بمكة و قام بطقوس الحج كما نعهدها الآن لا تبديل فيها.. و قد حان وقت العودة ..

في طريق رجوعه ارتاح بعدة محطات و لعل أهمها هي مصر بلاد الحضارة الفرعونية العظيمة و كما تسمى هبة النيل ..

فقرر التوقف بأحد أسواق مصر لكي يقتني ما يحتاجه لإكمال السفر .. طبعا لم تكن عملة و لكن كان ما يسمى بالمقايضة .. فكان مع مسعود بضع آنيات من زيت أركان و دقيق جنين الشعير المحمص و التمر ..

و هو يتجول و إذا به يرى أحد الرجال يستقوون على رجل عجوز لم يرضى مقايضتهم سلعه مقابل ما جاؤوا به..

عندها وقف مسعود بينهم و بين العجوز لدرجة أن العجوز لم يعد يظهر من ضخامة مسعود.. فآمرهم بترك العجوز و عدم الاستقواء عليه..

فلم يفهموا شيئا مما قال مسعود فقد كان ينطق لسانه الأمازيغية.. فلم يترددوا و هجم اثنين منهم عليه ليصرعهم أرضا بضربة واحدة لكل رجل..

عندها تراجع البقية خائفين و اكتفوا بالوعيد و الشتم ..

عندها شكر التاجر العجوز مسعود على ما فعله و أصر على أن يذهب معه مسعود كضيف.. رغم أن مسعود لم يفهم شيئا مما قاله العجوز لكن كانت الإشارات و الإيماء كافيين ..

فيما بعد ذهبا معا لمنزل التاجر و قد استقبله بحفاوة كبيرة و أكرمه جزاء ما فعله معه ..

لقد كان العجوز يعيش مع زوجته فقط ليس لهم أبناء..

في الليل بعد العشاء و قبل أن ينام مسعود جاءه التاجر و طلب منه أن يتبعه .. لقد كانت غرفة موصدة فجر رتاج الباب و على ضوء القنديل رأى مسعود ما لم يحلم أن يراه في حياته.. لقد كانت الغرفة تحتوي على تماثيل فرعونية من الذهب الأصفر..

فتفاجأ مسعود من التاجر و هو يمد إليه أحد التماثيل الجميلة و البراقة..

رفض مسعود بشدة و لكن التاجر لم يكل و لم يمل فذهب لصندوق صغير موضوع في منتصف الغرفة عليه نقوش غريبة و يبدو قيما.. و دس التاجر يده تحت أحد التماثيل و أخرج مفتاحا ذهبيا و فتح الصندوق ليظهر بداخله خنفساء مصرية ذهبية و أخرى مثلها مصنوعة من أحجار كريمة و نفيسة مختلفة ألوانها.. كانت النظرة إليها بهية تشرح الصدر..

طبعا الخنفساء كانت بالنسبة للفراعنة رمزا للدوام و الاستمرارية ..

فأغلق الصندوق و قدمه لمسعود الذي سرح عقله بعيدا..

هذه المرة مسعود لم يرفض بل بقي مشدوها من روعة القطعتين الآثريتين و كأن شيئا خفيا يجذبه بقوة نحوهما..

بعد تردد بسيط قبل الهدية .. و عاد لفراشه و هو يفكر في روعة الهدية حتى داهمه النوم..

ليلتها حلم حلما غريبا لكائن عملاق مكبل بسلاسل و وجهه غير واضح المعالم.. ابتسم له و اختفى كالضباب..استيقظ بعدها مسعود و العرق يتصبب من جبينه و ذكر اسم الله حتى ارتاح باله و رجع للنوم مجددا..

صباح اليوم الموالي قام مسعود مودعا التاجر و شكره جزيل الشكر و امتطى سفينة الصحراء و شق طريقه مجددا عبر الرمال..

و عندما وصل أخيرا إلى بلاده و قبيلتة استقبلوه بفرحة كبيرة و أهازيج و أقيمت وليمة كبيرة حضرها جميع ناس القبيلة.. و قد رأى ابنه الذي تركه في البطن و أصبحت لديه الآن سنة..كانت فرحة لا توصف ..و سماه على اسم التاجر المصري أحمد.. نعم أحمد إيليا آسافو ..

و بعد انتهاء الوليمة تفرق الناس فجاء الفقيه إلى مسعود مهنئا إياه و قال له على انفراد :

- أنا أحس بشيئ غريب و أشم رائحة قوة سفلية..

فرد مسعود غاضبا :

- ألم تبتعد بعد عن أعمالك الشيطانية و اتصالك بالعالم الآخر ؟

رد الفقيه:

- لقد أخبروني أن هناك شيئا ذو بأس دخل القرية مع توقيت دخولك تماما..

- غريب.. سنرى غدا بشأن الموضوع فلتذهب..

لقد كان الفقيه يمارس الشعوذة و السحر و له معرفة لا بأس بها من ناحية الموضوع..

صرفه مسعود و عاد لكي يجلس مع عائلته و يرى ابنه الصغير و يرتاح من سفره الشاق الطويل..

مرت الأعوام و سر مسعود لا يعرفه أحد غير الفقيه الساحر الذي يلح عليه كل مرة ليريه إياه و لكن كان يرفض مسعود في كل مرة..

لكن وقع مشكل أرق مسعود كثيراً فلم تحبل زوجته تودة منذ أن جاء من حجه .. لقد جرب جميع الطرق لكن باءت كلها بالفشل كأنه أصبح عقيما..

بقي مسعود يفكر كثيرا في الأمر و يربط الحلقات مع بعضها.. لقد بدأ الأمر عندما جاء من الحج.. فجأة تذكر كلام الفقيه حول ما دخل معه للقبيلة عند عودته ..فذهب تفكيره مباشرة للصندوق .. و لكن هل يعقل ؟

عندها تذكر خيطا مهما على يده ظهرت الحقيقة .. إن التاجر العجوز الذي أهداه الصندوق كان يعيش فقط لوحده مع زوجته و لم يكن لهم أبناء قط..

إذن هو الصندوق حقا يا مسعود، حسنا..

في الغد و بعد صلاة الظهر ذهب مسعود للفقيه و انفرد به عن ناس القبيلة .. فأخبره مسعود بكل القصة بشأن صندوق الخنافس الفرعونية النفيسة و الحلم الغريب الذي راوده تلك الليلة و عن كونه أصبح عقيما..

عندما سمع الفقيه الأمر سال لعابه.. و لكن ليس من أجل الذهب بل من أجل فرصة للتعامل مع السحر الأحمر الفرعوني القديم و الذي اندثر و لم يبقى من يمارسه..

اتفق معه مسعود على الليل بعد صلاة العشاء .. فأومأ الفقيه برأسه موافقا..

بالفعل بعد صلاة العشاء التقيا و ذهبا إلى مكان تحت جنح الظلام لن يجدهما فيه أحد..

و هما يتمشيان مبتعدان أكثر فأكثر توقف الفقيه فجأة عند صخرتين عملاقتين و بينهما كان فراغ تحت باطن الأرض كأنه مغارة كبيرة..

قال مسعود للفقيه :

- أيها الشيطان الذكي لا أحد من أشجع شباب القبيلة لم يكن سيتجرأ لدخول هذا المكان..

فدخل الفقيه و تبعه مسعود .. عندها أوقد القنديل لينير المكان .. لقد كانت الجدران دبقة بالرطوبة و صوت قطرات الماء .. هنالك مياه جوفية في قاع الكهف..

واصلوا حتى وصلوا مكان الماء و كان هناك ما يشبه مدخلا جانبيا فوقه علامة .. دلفوا عبره لما يشبه حُجرة ..

و كانت المفاجئة فقد كان يتخذها الفقيه كملجأ له .. فيها معدات كثيرة و أوراق و مداد و ريشات كتابة و بعض الأعشاب مع رؤوس و أجساد حيوانات محنطة ..لعل أكثرها رعبا هو الضبع ..

أخرج الفقيه من أحد الصناديق قطا و قام بطعنه عدة طعنات و ترك دماءه تسيل في أحد الأواني و أمسك ريشة و بدأ يخط على الأرض دائرة و بعض النقوش الغريبة ..

عند انتهائه أمر مسعود بإخراج الصندوق و فتحه.. فكان ذلك

وضع الفقيه الصندوق مفتوحا في وسط الدائرة و أشعل بعض الأعشاب حتى تعبق المكان بالدخان و الرائحة..

و بدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة لمسعود .. بعد مدة بدأت الخنافس بالتوهج و لهب القنديل ازداد بشكل جنوني..

مسعود بقي بصره شاخصا لهول ما يشاهده.. لكن حصل ما لم يخطر على بال أحد..

ظهر دخان أسود من العدم و رائحة الكبريت أو شيئ يحترق .. و صرخة قوية ارتجت لها جدران المغارة ..

الفقيه في تلك اللحظة انقلبت عيناه و أصبحتا باللون الأبيض و سقط صريعا ..

رغم ضخامة مسعود كانت يداه ترتعشان .. رفع رأسه قليلا ليلمح وسط الدائرة المخلوق العملاق الذي زاره في منامه مكبلا بالسلاسل و هو يبتسم بخبث ..

استجمع مسعود ما تبقى لديه من قوة فأسرع و أغلق الصندوق و حمل الفقيه المغمى عليه و خرج مسرعا من المغارة و أخذ يركض و يركض حتى خارت قواه ..

فمد جسد الفقيه على الأرض و جلس بجانبه و هو يلهث .. و في قرارة نفسه كان تدور عدة خواطر ..

ما ماهية ذلك الكائن العجيب .. ما الذي ورطنا فيه هذا الفقيه .. ترى هل سيلاحقنا ؟؟

أسئلة كثيرة بلا جواب شافي .. أخرج مسعود من شروده الفقيه و قد بدأ يستفيق و بدأ يسأل مسعود :

- ماذا نفعل هنا ؟

و قد انتابته حالة من الهستيرية و بدأ يردد كلمتين فقط ..و قد كررهما كثيرا..

- مسعود واكنيم

- مسعود واكنيم

- مسعود واكنيم

واكنيم هي كلمة أمازيغية تعني الخنفساء ..

ثم ذهب يجري و هو يردد نفس الكلمتين في حالة من الجنون ..

عاد مسعود يجر أقدامه نحو بيته في حالة صدمة .. عند وصوله سقط في فراشه مباشرة لينام..

لقد كانت ليلة عصيبة عليهما حقا ..

صباح اليوم الموالي انتشر الخبر في القبيلة.. بأن الفقيه جن جنونه و أصبح يردد كلمتين فقط مسعود واكنيم..

فجاء بعض كبار القبيلة لمسعود لعله يعرف شيئا مما جرى .. و لكن أنكر و لم يشأ إخبار أحد بما حدث لكي لا يسعى أي شخص وراء الصندوق و الشر الذي يحويه بداخله..

بعد أيام وجدوا الفقيه ميتا عند شجرة و قد تعفنت جثته ..

مرت الأيام رتيبة حتى نسي الناس ما جرى ذاك اليوم و لكن العجيب أنهم أصبحوا ينادون على مسعود ب "واكنيم" حتى أصبحت لقبه بين ناس القبيلة..

قبل موت مسعود أخبر زوجته تودة بالقصة كاملة لكي يرتاح ضميره .. و قد كان ابنه أحمد واكنيم شابا في مقتبل العمر..

عزيزي القارئ لا تدري حقا هل الخنفساء رمز الاستمرارية و البقاء أم رمز الفناء .. لولا أحمد لانقطع نسل مسعود و لم يستمر أبدا ..

مات مسعود و ذهب ليلقى ربه ..

بعد موته بسنوات تزوج أحمد و أنجب ثلاثة أطفال محمد ،ابراهيم و أدرار..كبروا في عزه و لطالما كانت جدتهم تودة تحكي لهم الحكايات الخيالية ك بوجلود آكل الصغار و قصت عليهم أيضا قصة جدهم مسعود .. فأصبحت من القصص المفضلة لديهم ..حتى أنهم كانوا يذهبون إلى المغارة فيراقبونها من بعيد فقط و يخشون الاقتراب منها إلا أدرار كان الفضول يقتله لكي يدخل المغارة..

مرت السنوات و اشتد عود الشباب ..و لكن أدرار لم يتوقف قط عن التفكير بما يوجد في المغارة .. فعزم أن يدخلها .. تسلل ليلا و اتجه نحو المغارة حتى وصل للصخرتين فأوقد القنديل و دخل و قد أحس بشيئ يجذبه نحو الأسفل فواصل حتى وصل للحجرة حيث كان جده و الفقيه..

دخل فوجد الصندوق و اتسعت عيناه لروعته فأخذه  و اتجه نحو البيت و دسه في فراشه..

في الليل حاول فتحه و لكن لم يستطع حاول معه كثيرا و لم يستطع.. فجده مسعود أخذ معه المفتاح عندما خرج من المغارة و الله وحده يعلم أين أخفاه خشية أن يقوم أحد بفتحه مجددا ..

جن جنون أدرار خصوصا بعد أن علمت جدته تودة بما قام به فوبخته كثيرا..

و في ليلة تسلل للخارج و معه الصندوق و اختفى من القرية و لم يعد مجددا..

بحثوا عنه كثيرا حتى فقدوا الأمل و الرجاء لعودته..

مرت السنوات و قد ماتت الجدة تودة .. و كبر ابراهيم و محمد و تزوجا كلاهما و أنجبا الكثير من الأبناء حتى صارت العائلة كبيرة ..

ثم جاء الدور على الجد أحمد ابن مسعود و زوجته غادرا هم الآخرين لدار البقاء و لم يبقى سوى ابراهيم و محمد و أخوهما الغائب أدرار..

بعد مدة قرر محمد أن يرحل من القرية الجنوبية و يأخذ أولاده إلى شمال شرقي البلاد و بقي ابراهيم و أبناؤه في القرية .. مرت الأيام رتيبة و كان هناك اتصال و زيارات بين ابراهيم و محمد رغم طول المسافات..

و في يوم عاد شخص لم يخطر على بال ابراهيم أبدا أنه سيراه .. إنه أدرار و قد شابت لحيته و رأسه ..

سلم على أخيه ببرود :

- أ تعرف ما الذي أرجعني ؟

ابراهيم رادا عليه :

- أكيد أنك اشتقت لنا يا أخي.. و لكن للأسف والدانا ماتا..

- لا بل رجعت لأني عرفت مكان مفتاح الصندوق ..

أدرار منذ هروبه من البيت لم يتزوج و لم يخلف ..كيف و هو يحمل لعنة معه.. بل كرس حياته لتعلم السحر و علومه و قد أصبح قويا جدا.. ما عاد إلا و معه مكان المفتاح ..

حاول ابراهيم نهيه عن الأمر و الامتثال لوصية جدتهم تودة لكن لم يعره اهتماما..

لقد كان المفتاح مدفونا مع جدهم مسعود و قد عرف أدرار بذلك بواسطة تسخيره لخدامه السفليين.. نبش الملعون قبر جده مسعود و أخرج المفتاح..

ليلتها قرر تنفيذ مخططه الشيطاني بتحرير المارد القوي من قيوده و السيطرة عليه..

و تعرف يا عزيزي القارئ المكان المناسب لفعل هذا .. طبعا المغارة ..

و لكن أدرار لم يكن بالهيّن فقد أوقد داخل المغارة نارا و بدأ في تذويب النحاس و طلاء جدران تلك الحجرة.. استغرق أياما لينهي العمل .. بعدها جلب ما يحتاجه من أدوات و جلس القرفصاء في حجرة المغارة و وضع الصندوق أمامه و فتحه و بدأ يتلو تعاويذ بلسان غير لغات الأرض التي نعرفها .. أدرار يتلو و حرارة الغرفة تزداد حتى بدأت الخنافس بالتوهج و ظهر المارد العظيم بسلاسله و لكن كان هذه المرة غاضبا لأنه لا يستطيع فعل شيئ تحت تأثير النحاس..

فإن بحثت عن الفرف النحاسية ستعرف أكثر عن دورها و ميزتها سحب القوة المردة و العفاريت..

سأله أدرار بلغة غير مفهومة :

- ما اسمك ؟

- شوع

من حبسك هنا ؟

- و من غيره يقدر على شوع .. إنه وزير الفرعون امحوتب.. كل خنفساء تكبل يدا من يداي..و تستنزف قواي كثيرا..و هذا النحاس يزيد الأمر سوءا..

- ماذا لو حررتك ؟

- إن حررتني سأقضي على عائلتكم بأسرها و أقضي على نسل كل من حملوني أو رأوا الصندوق حتى..

- إذن ستبقى حبيس الصندوق ليوم البعث..

- أنت و عائلتكم ملعونين و لن أترككم ما حييت و كما جذبتك نحو الصندوق سأجذب آخرا غيرك و لن يهدأ بالي أبدا..

قام أدرار بصرفه و أغلق الصندوق و بقي يفكر فيما يفعل طوال الليل..

في الصباح اتجه نحو بيت أخيه ابراهيم و رأى أطفاله يلعبون.. فجاؤوا جريا نحوه و بدأوا ينادون عمنا جاء و أحدهم يسأله أين كنت يا عمي.. فأحس و لأول مرة في حياته بمشاعر صادقة و ندم على ما اقترفه تجاه أبيه أحمد و أمه..

كما كانوا يقولون :" سبحان الله يبيتها في شأن و يصبحها في شأن "

فقال أدرار للصغار :

- أتريدون رؤية خدعة ..

فقالوا متحمسين نعم .. فتمتم بكلمات لترتفع الصغيرة خديجة لوحدها في الهواء و اندهش الباقون ..

عندما لمح ابراهيم قادما أنزلها..

لقد جاء أخوهم محمد و معه أبناؤه و زوجته لزيارتهم و تفاجأ بأن أدرار قد عاد فكانت فرحته كبيرة ..و اجتمع شمل العائلة من جديد..

في تلك الليلة أخبرهم أدرار بما حصل معه في المغارة و أبان عن نيته الحسنة لإنهاء أمر هذه اللعنة .. ففرح أخواه بهذا الخبر و آزراه و استجداه ليجد حلا يريحهم من الصندوق الملعون..

في الأيام الموالية و ذات صباح كان يخرج أبناء محمد و ابراهيم للعب في الخارج .. لكن عائشة بنت ابراهيم ابتعدت عنهم و بدأ صوت يناديها و كانت تتبعه..

شيئا فشيئا كانت تقترب من المغارة .. عندها انتبه عبد الله الابن الأصغر لمحمد و تبعها ركضا ..

عند باب المغارة توقفت عائشة قليلا فناداها الصوت مجددا فدخلت للمغارة و كأنها مغيبة .. عندما رآها عبد الله زاد سرعته و دلف وراءها للمغارة..

الابن محمد الأكبر انتبه لغيابهم و بدأ في النداء عليهم .. و ذهب باتجاه المغارة فلا يمكن أن يختفوا فجأة .. لا بد و أنهم دخلوا إليها..

عند باب المغارة نادى عليهم فأجابه عبد الله بمزاح طفولي نعم نحن في الداخل ..

أشعل ولاعته و دخل بحذر و بطئ .. أعاد النداء فطل عليه عبد الله من الحجرة فأسرع نحوهما .. فوجده يلعب مع عائشة بالخنافس.. فأدرار ترك الصندوق مفتوحا..

فأمرهما بترك ما يحملانه و جرهما من ملابسهما لخارج المغارة و عادوا للمنزل..

ليلتها وقع ما يخيف حقا .. ارتفعت حرارة عائشة و بدأت تهلوس فحضر الكل و أمها خائفة مما يجري لها .. قال أدرار بدون أن ينطق أحد الأطفال بما جرى :

- لقد دخلتم المغارة ..

فخاف الصغار و تعجب الجميع ترى ما يوجد في المغارة .. فقص عليهم أدرار قصة جده مسعود مع الصندوق حتى آخر لقاء لأدرار مع المارد و دخول الأطفال للمغارة..

لقد كان الكبار يرتعشون خوفا فما بالك بالصغار..

قام أدرار و حضر مشروبا أعطاه لعائشة فخفت قليلا و نامت ..

لتكتشف أمها صباح الغد أنها فقدت بصرها .. كانت عائشة خائفة و قالت بصوت مرتعش :

- أنا لا أرى أحدا.. هل سأبقى هكذا دائما ؟

عندما عرف الكل خيم الحزن عليهم و هم بجانبها يواسونها .. حتى من أدرار ذو الفؤاد الجامد اجتمع الدمع في عينيه و أصبح آيلا للسقوط في أي لحظة..

سرعان ما تحول حزن أدرار إلى غضب عارم و عزم في قرارة نفسه على دحر شوع المارد الخبيث لغير رجعة ..

في تلك اللية كانت الغيوم تحجب نور القمر المظيئ و كان الجو مشحونا يسبب ضيقا في النفوس..

كان أدرار مع أخويه محمد و ابراهيم .. أخبرهما بما ينوي فعله و أخبرهم بأنه ربما سيكون لقائهم الأخير .. فعانقهم و شد على أيديهم بحرارة ..

و ذهب صوب المغارة و الشرر يتطاير من عينيه ..بمجرد وصوله دخل المغارة و استدار في مقابلة مدخلها و بدأ يتلو كلمات بلغة غريبة و أخرج عضم حيوان ما و جرح كلتا يديه و وضعهما على مدخل المغارة و واصل تلاوته و العرق يتصبب من جبينه ..

لقد ختم باب المغارة و أحضر أقوى خدامه لحراستها و طبعا وقع معهم عهدا بالدم بألا يسمحوا لأحد بالدخول و لا الخروج منها و لو كان هو نفسه..

عندما انتهى من أمر المدخل نزل للحجرة حيث يقبع الصندوق..

وجد الخنافس في الأرض فأرجعهم للصندوق و استدعى المارد .. بدأ مباشرة في تلاوة تعاويذ غريبة و بدأت السلاسل تصبح حمراء أكثر فأكثر .. ارتفعت حرارة الحجرة فبدأ المارد بالصراخ و أدرار يواصل لدرجة أن ناس القبيلة سمعوا صراخا قادما من ناحية المغارة ..

ازداد عدد السلاسل و أصبح لونها كالجمر و أغرق العرق ملابس أدرار و انتفجت أوداجه..و مع آخر كلمة نطقها أدرار سحب المارد لداخل الصندوق و تحول الصندوق بأكمله لرماد ..و انطفئ القنديل مصدر الضوء الوحيد.. و احتجز أدرار في المغارة لا هو قادر على الخروج و لا أحد سيقدر على الدخول..

عندها تمدد أدرار على ضهره و هو يلهث و عم سكون رهيب المكان..

مرت الأيام و لم يسمعوا عن أدرار شيئا..

لقد خسر عائلته بحثا عن ري فضوله و البحث عن القوة و الآن ضحى بحياته في سبيل عائلته و تعويض ما فات ..

لقد كان للأطفال بضع ذكريات جميلة مع عمهم أدرار و إن لم تكن كثيرة .. فقد كان يقوم بأمور خارقة لم يستطع عقل الكبار إدراكها فما بالك بعقلهم الصغير و براءتهم..

كان أهل القرية يخشون المغارة و يرتعدون بمجرد ذكر اسمها..

أما بالنسبة لابراهيم و محمد كانت تعتبر قبر أخيهم البطل أدرار..

حاولوا دخولها لدفن أدرار و لكن كان يغمى عليهم في أول خطوة داخلها..فقد كانت محمية من جند الخفاء..

بعد مدة قرر محمد الرجوع لبلده و ودع أخاه ابراهيم..و أوصاه بزيارة أدرار دائما و الترحم عليه..

مرت السنوات و كبر الأبناء..

توفي محمد و زوجته بعده بسنوات ..و اللذان كانا جدي و جدتي من والدي

توفي ابراهيم بعدهم بسنوات ..و الذي كان جدي من أمي..

تزوج ابن محمد الأكبر الذي أخرج عائشة و أخوه من المغارة .. لكن للأسف كان عقيما .. إنه عمي..

تزوج ابن محمد المتوسط من خديجة بنت ابراهيم تلك التي رفعها أدرار عن الأرض بإحدى حيله.. إنهم أبي و أمي..

تزوجت عائشة التي فقدت بصرها أيضا .. و التي كانت خالتي..

أما ابن محمد الأصغر الذي دخل مع عائشة للمغارة و لعبوا بالخنافس ..إنه عمي.. بعد هجرته لأوروبا وجد مقتولا و لم تقل لنا الشرطة أي تفاصيل أو معلومات لعجزهم عن إيجاد السبب..

فعرفنا كلنا السبب و أخفينا الأمر .. إنها اللعنة..إنها اللعنة.. إنها اللعنة..

و أنا أكتب آخر سطر من هذه القصة ..إني واقف الآن عند مدخل المغارة و إني أسمع صوت قطرات الماء في الأسفل ولا تكاد تحملني قدماي برهبة المكان.. قرأت الفاتحة على أدرار أخ أجدادي و بطل العائلة ..

لن أدخل اليوم لربما في الزيارة القادمة لجدتي من أمي.. سأجرب الدخول

تمت


  • 3

   نشر في 25 مارس 2020  وآخر تعديل بتاريخ 30 مارس 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا