لا تدع هذا الحصان يكون خالك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا تدع هذا الحصان يكون خالك

الافتتان بالآخر

  نشر في 15 أكتوبر 2016 .

"وما ينطق عن الهوى " هذه الآية الكريمة وصفت الرسول محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وليس أحدا سواه , هذه الحقيقة أدركها باكرا الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وصارح بها رعيته عندما قال " إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني " , ولم تغب هذه الحقيقة الجليّة أيضا عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي عنه عندما قبلَ تصويب المرأة له في أمر تحديد المهر وصرح بها علانية في قوله " امرأة أفقه منك يا عمر " .

مع ضعف تأثير رمية الحجر الأولى المتمثلة في النبوّة واتساع دائرتها , بدأت تلك الحقيقة في التماهي تباعا مع تقدم الزمن والابتعاد عن المؤثر الأول ومركز الحدث , فأخذ يغيب عن وعي الناس فكرة بشرية الوالي, وساهمت طقوس الهيبة والجلالة التي أضيفت إلى الحاكم في ترسيخ هذا الغياب وتثبيت مفهوم الفرد الحاكم كامل الأوصاف الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

ومع تناوب مواسم الضعف والقوة على الأمة كانت تظهر في التاريخ لحظات الانفراج على شكل بطل فائق الشجاعة ينهي المحنة وتنكشف على يديه الغمّة فيطفو على سطح المشهد وكأنه المخلص المنقذ المرسل من الله إلى هذه الأمة التي وعد الله بحفظها ,وذلك دون الاشارة إلى ما يسبق ذلك من تهيئة وأسباب ومقدمات ونتائج . هذا التأريخ القاصر ساهم في تشكيل عقل جمعي خرافي عمل على خلق أسطورة البطل الخارق , الخرافة التي استقرت في وعي الانسان العربي وجعلته ينتظر قدوم المخلص كقدر حتمي لا يملك له تقديما و لا تأخيرا .

وأكثر ما تظهر هذه الرؤية القاصرة في لحظات الضعف الشديد التي تصيب الأمة بالوهن وتصيب فكرها بالوهم فيتضاعف التواكل وتتعلق الأنظار بأي شخص تظهر عليه إمارات القوة والسلطة وتبدأ العقول الضعيفة في تضخيم انجازاته وتسليط الضوء على حركاته وسكناته وكأنه أصبح بشرا ليس كالبشر لتجعل منه الأسطورة التي تستضيء بنورها الوهمي في حلكة واقعها المظلم .

الافتتان بالآخر حالة مرضيّة يلغي فيها الانسان ذاته ويذوب في الآخر متخيلا قيمة وهميّة يكتسبها من اعجابه وحماسته لهذا الآخر الناجح .إننا غالبا ما نميل في حالات ضعفنا الشديد إلى عملقة الأخرين من أجل التغطية على قزامتنا لأن ذلك يمنحنا راحة كبيرة تخفف من ألم الاحباط الذي يسببه واقعنا المرير الذي لا نجرأ على تحليل أسبابه وإنما نغطي سوأته بدعوى المؤامرة أو القدر .

من مثل ذلك افتتان الشباب العربي ب أردوغان وتخيلهم له كبطل أسطوري " سلطان " حقق المعجزات لشعبه ونهض ببلده من حالة الضعف إلى حالة القوة , هذا الافتتان سببه في المقام الأول غياب النموذج البديل على المستوى العربي والأكثر من ذلك وجود النموذج النقيض تماما لتلك الشخصية . بينما يكمن السبب الآخر في عدم اطلاع الشباب العربي على تاريخ هذا البلد الذي قفز قفزة كبيرة يتوق إليها هذا الشباب الطامح لحياة سمعوا عنها الكثير ولم يروا سوى نقيضها .

حتى أردوغان نفسه لا يجرأ على القول أنه السبب فيما وصلت إليه بلاده من تطور ونهضة , ولا بد أنه يعرف ويعترف أن حالة الرقي الذي يعيشه الأتراك الآن ليس إلا نتاج جهود بدأت قبل ستين عاما على الأقل, وأن الملايين ساهموا ببناء هذا الصرح الذي يثير أعجاب الصديق والعدو على حد سواء .

إن التشبيه الذي قدمه الرسول الكريم للمجتمع الإيماني ك " جسد واحد " لم يكن ضربا من البلاغة الأدبية بقدر ما كان نظرية اجتماعية تستحق التأمل والتفكير والتحليل , هذا المجتمع الذي يشبه الجسد في تكوينه لا بد أن نعي آلية عمله وشروط صحته , جسد يحوي ملايين الخلايا بما في ذلك الخلايا المسرطنة التي لا يخلو منها بدن والتي تنشط وتخمد حسب حالته من القوة والضعف ,

هذا الجسد يشكل الدماغ 2% من كتلته ويقوم حصرا بتوجيهه وقيادته في كل ما يقوم به من أعمال ونشاطات فكرية وبدنية . بآلية مماثلة تقوم النخبة المتنورة فكريا ونفسيا في كل مجتمع بتشكيل خلايا الدماغ وأداء دورها في قيادته وتوجيهه الوجهة الصحيحة من خلال التواجد في مراكزها المناسبة التي تمكنها من المساهمة في توجيه الدفة في المسار الصحيح .

2% نسبة النخبة المتنورة في المجتمع السليم المعافى لا تعني أن ال 98% المتبقية من المجتمع هي هملٌ لا قيمة لها ولا تأثير, لا بد أن لكل خلية دورها وتأثيرها على صحة الجسد وقوته ولكن مهمّة التوجيه والقيادة لا يؤديها سوى الدماغ . وإن المجتمع المعافي قادر غالبا على التعرف على خلايا الدماغ فيه ووضعها في مكانها المناسب , هذه المنهج الذي أدركته المجتمعات المتقدمة وعملت به في الوقت الذي ألقت فيه بدمية الديمقراطية إلى الشعوب النائمة لتحلم بها في رقادها الطويل .

إن فكرة الفرد القادر بمفرده على النهوض بمجتمع متهالك وإيصاله إلى مرتبة عالية هي فكرة مستحيلة أقرب إلى معجزة غير ممكنة التحقيق في هذا العالم , والأكثر استحالة منها فكرة أننا نشكل أولوية لدى أي طرف من الأطراف وانتظار المساعدة منه , إنّ ذلك أشبه بأداء صلاة الاستسقاء في تموز والقعود انتظارا للمطر .

من أين يأتي الخلاص ؟ سؤال اجابته في علم الغيب ولكنه بالتأكيد لن يأتي من خلال التصفيق للآخر والافتخار بإنجازاته التي لا ينالنا منها شيء ونحن في حالتنا هذه , تهليلك لهذا الحصان لن يجعلك مثله , يمكنه في أحسن الأحوال أن يجعل منه خالك , ولكنك في هذه الحالة لن تكون سوى ........ !!


  • 2

   نشر في 15 أكتوبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا