التذكرة الأخيرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التذكرة الأخيرة

  نشر في 12 ديسمبر 2018 .

           كنت أبيع الحزن على قسمات وجهي حينما دقت الساعة تعلن وصول التاسعة مساًء، دلفت على عجلة إلى محطة القطار، أتعثر في حقيبتي السائرة خلفي بين الحين والآخر، سألت عن موعد قطار طنطا، الاسكندرية يرحل في العاشرة مساًء، أمامي ساعة من الحنين، بين عربات الدرجة العادية حتى تصطك العجلات ببعضها معلنة موعد الحركة، التمست طريقي في الظلام، حتى وجدت كرسيًا بجانب النافذة، تتخلله رياح ديسمبر الباردة، رن هاتفي معلنًا عن بدء وصلة جديدة من سُباب أبي لتأخري في العودة حتى قارب الليل على الانتصاف وقاربت معه ذكرياتي على الطفو، وحيدة في أرجاء القاهرة الموحشة، وهو لا يعلم ثقل هذا السفر على قلبي، بعد لقائي الأخير منذ ساعات مع حبيب أخبرني فيه أنه ما عاد يحتمل هذه الكآبة التي تعتمر روحي، مر الوقت سريعًا وأنا عالقة بين أحداث عامي الثالث في الجامعة، الذى قارب على الانتهاء، لم أشعر إلا حينما أعلنت العجلات بدء الرحيل، انتبهت أن الكراسي جميعها كانت قد امتلئت، الممرات ليست مزدحمة كمنتصف النهار، أمامي تجلس امرأة هد العمر ملامح وجهها، وهزم الشيب خصلات شعرها، أما الكرسيان الآخران يقبع بهما شابان يبدوان زوج وزوجة في مقتبل الزواج..

                                                                ****

رأيت بعيناى العجوز حياة لم تكتمل، سألتها في إشفاق " مسافرة وحدك ؟!"

تنهدت في أسى " أجل، تركت عائلتي للتو."

تدخلت المرأة المجاورة لها " لماذا يا أمي ؟"

كمن انتظر أحدهم ليضع المفتاح المناسب، انطلقت تحكي عن شباب ضاع في زمن بال

" اكتفي أهلي بشهادة الثانوية، الزواج سترة البنت، التعليم لن يفيدك، هكذا قدموا لي "صالح" زوجي، كان يعمل موظفًا من الدرجة الخامسة، خطفتني فرحة الفستان الأبيض، حتى وجدت حالي أمام زوج حاد الطباع، لم يمنحني الدفء، كثير السهر، ولا يعود إلا حينما يذهب عقله، مترنحًا حتى يصل بالكاد إلى سريري، ينشر روائح الخمر والراقصات التي قضى ليلته بين أجسادهن، وهنت روحي حتى أصبحت معتمة."

انفلتت دمعة تجري على وجنتيها الناضبتين، مددت يدي أربت على رُكبتها.

استجمعت شتات قوتها وتابعت حديثها عن رزق لم يكتمل

" أعطاني الله ابنًا وبنتًا، قلت سيهتدي حاله، فلم يحدث، خنقته مصاريف الأولاد، منعته عن ليالي أُنسه، بلغ منه الغيظ مبلغه، يضربهم بين الحين والآخر لسبب وبدون، البنت تأخرت اليوم في المدرسة بضع دقائق، يطبع كفه على وجهها حالما تخطو عتبة البيت، الولد لعب الكرة مع أطفال الجيران، يجعل قدميه تتورم"هكذا لن تضيع وقتك ثانيًة يا حيوان"، عام بعد الآخر، رحل ولدي، بين أزقة الشوارع، يتخذ من الرصيف مسكنًا لم يعرفه في منزله، تزوجت البنت من أول طارق للباب، هربًا من جحيم لم تعد تقوى عليه، استمرت الحياة بيني وبينه منقطعة، حتى عادت لنا البنت على يدها رضيع، وتجر الآخر بعمر سنتين، طردها أهل زوجها بعد وفاته، ناعتين إياها بجالبة الشؤم، عاد يولول ويصرخ كالثكلى، زوجتها كي ارتاح من همها، فحمّلتني بأولادها ! "

كان صوتها قد ارتفع في ذروة الحكي، أخذها الشجن حتى أصاب معظم مسافري العربة، يتدخل أحدهم متمتمًا بين الحين والآخر " لا حول ولا وقوة إلا بالله" يعقب الآخر " لك الجنة على تحملك" عرض الغريب الجالس بجانبي" تؤمري بأي خدمة يا أمي ؟ أين ستذهبين الآن ؟!" أزرها الغرباء يمنحونها العطف، الذي فقدته يافعة.

استرسلت تتابع ما بدأته ونحن حولها، نتابع تنهيدات رحيل حتمي " سئمت تلك الحياة إن كانت كذلك حقًا، لم يبقى لي، سوى أيام معدودات أريد أن أقضيها في هدوء افتقدته منذ خمس وثلاثين سنة ماضية، أحضرت حقيبتي الصغيرة تلك- أشارت بيدها نحو حقيبة سوداء مهترئة كعمرها المنقضي- لدينا شقة في الاسكندرية، كنت قد استخرجت مفتاحًا على مفتاح زوجي منذ بضعة أيام، لن يبحثوا هناك، هم يعرفون أني عجوز استوطن المرض بها، لا أستطيع السفر وحدي، ففعلتها بغية السلام . "

استسلم الجميع للسكون، البعض غط في النوم، كان القطار قد قطع طريقه إلى "طنطا" أعلنت الرحيل تاركة خلفي امرأة مجهولة الهوية والمستقبل، وحبيب راحل خلف أسوار الجامعة.

                                                                 ****

انتهت اجازتي الاسبوعية رتبت حاجياتي للعودة إلى مدينة الزحام، تحرك القطار صباحًا، على رصيف الوصول، ناداني بائع الجرائد "أستفتح بك" ، ابتعت جريدة، تصفحتها سريعًا بينما استقل سيارة أجرة إلى سكني الجامعي، وقعت عيني على خبر العثور على جثة عجوز ستينية وحيدة في إحدى شقق مدينة الاسكندرية!.


  • 4

   نشر في 12 ديسمبر 2018 .

التعليقات

مريم منذ 2 شهر
آلمتينى....حد البكاء.كان الله فى عون أمهاتنا.
2
Nourhan essam
لا ألمك الله أبدًا
Menna Mohamed منذ 3 شهر
جميلة جدا اختي اتمني ليكي التوفيق ❤
2
Nourhan essam
تسلمي
Menna Mohamed
الله يسلمك من كل مكروه و شر اختي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا