هل السعادة في التضحية !! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل السعادة في التضحية !!

  نشر في 08 يناير 2016 .

سألته ذات يوم إن كان سعيدا في حياته، أجابني بطيبة قلبه التي عهدتها فيه دوما: " لقد تجاوزت نقطة اللاعودة منذ أمد بعيد جدا، أنا لا أفكر في الأمر بهذه الطريقة على الإطلاق، كل سعادتي الآن تنحصر في اسعاد من حولي، لا أندم على شيء، لذا نعم، أنا سعيد و الحمد لله".

لم أرى شخصا مثله أبدا و على الأرجح لن أفعل، أجبرته الحياة مبكرا جدا على التخلي عن أحلامه (ربما كالكثير غيره)، كان في السابعة عشر عندما توفي والده و ترك له أما و أختين ليعتني بهن، اضطر للتوقف عن الدراسة و البدء بالعمل و منذ ذلك الحين أو قبله حتى و هو يعيش من أجل المحيطين به، تزوج و أنشأ عائلة و ملك المال لكنه لم يتغير، مازال ذلك الشخص الذي يعيش من أجل الآخرين.

أبي إنسان ليس كغيره، أبي كائن مجرد من الأنانية، أفنى عمره في سعيه الدائم لإسعادنا، رغم كل التناقضات التي أعيشها في داخلي و جدالي الدائم معه لم أره يغضب أبدا مني أو ينزعج حتى، أبي علمني أن أعبر عن ذاتي و أقول ما يجول في خاطري، علمني ألا أركع أو أنحني لإنسان مهما كانت الظروف، علمني ببساطة أن أكون أنا و أن أفعل دائما ما يسعدني، فقد كان يقول لي " ضحيت بعمري فداء سعادتكم، كل ما يمكنكم أن تفعلوه من أجلي هو أن تسعدوا"

ربما ستقولون هو ككل أب، و لكن هذا غير صحيح، و أنا لا أتحدث هنا بعيون طفلة صغيرة لم تعرف رجلا آخر و لا أتحدث كذلك بقلبٍ فَقد عزيزا فلا يذكر إلا محاسنه، أبي مازال هنا و أنا أبلغ من العمر ما يكفي لأعرف. أبي يملك قلبا أكبر من الزمان و المكان، خفف عني انكساراتي و حمل معي ألامي و شاركني أكبر أفراحي و لم يجبرني يوما على فعل شيء يعاكس رغبتي و لو قليلا.

كنت كثيرا ما أسأله إن كان سعيدا لأني كنت أرى في لحظات تيهه ومضات ألم في عينه رغم الرضى الذي لا يفارق محياه. لقد كان علي أن أنتبه أكثر، اليوم رأيت أبي منكسرا، سمعت أنين قلبه و همسات ألمه، لم أره هكذا في حياتي، اليوم رأيته مجردا من درعه و نادما، ولو للحظات، على عمر أفناه. لقد اختنق أبي اليوم ولم أستطع أن أخفف عنه ألمه كما كان يفعل معي دائما، لم أستطع أن أفعل له أي شيء. لذا لجأت الى بياض الورق.

في تلك اللحظات لم يسعني إلا أن أتذكر دعاء سيدنا زكرياء في أحب الأيات لقلبي في قوله تعالى :"ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) ". لم يكن لي إلا أن اهمس في قلبي لمن يسمعني ليخفف عنه و يرأف بقلبه ولن تكون رحمتي به أكبر من رحمة الله عز و جّل به. فيا ربي و عزتك وجلالك أُلطف به و خذ بيديه و أرضى عنه في الدنيا و الآخرة.



  • 15

  • Sunrise
    أحب الكتابة بالإضافة للكثير من الأشياء، أحبها فقط و لا أحترفها ... أكتب لأكون أنا ... أحلم بوطن و الوطن غائب غير موجود ... طالبة دكتوراه - ذكاء اصطناعي ...
   نشر في 08 يناير 2016 .

التعليقات

أتدري الأروع في الكتابة، أن يحس القارئ بعمق احساسك الجميل ، هذا الاحساس نبع من قلب مرهف وفكر لا بدّ أنه ثمرة من تربية والدك الّذي عرف الحياه، و فهمها و عاشها و ما يزال يناضل فيها، كل ما ذكرتيه في السطور الأولى أوحى لي أنّه هو أيضا من صنف الرجال الّذين لا يتعبون و لا ييأسون حتى لو رأيت البؤس في أعينهم و الوهن حتّى و لو مرضوا... هم يتبعون نور الله ولن يشقى أبدا من يسعى وراء نور الله...
1
Sunrise
شكرا لكلماتك التي هدهت قلبي ... أعتقد أنك تعرف أبي الآن أكثر مني و أعتقد أنه سيكون بخير لأن الله في قلبه ... ممتنة لك
عادل الحسين منذ 11 شهر
يا لروعة هذا اليراع. بوركتِ وبورك مدادكِ..
1
Sunrise
شكرا لمرورك الجميل كالعادة ...
نسأل الله أن يبارك لنا في نعمة الأب و الأم فوجودهما سر السعادة .. خاطرة رائعة
1
Sunrise
آمين يا صديقي ... فهي نعمة لا ندرك قيمتها إلا بفقدها، فيا رب أدمهم لنا و جزاهم الله عنا كل خير في الدنيا و الآخرة ... شكرر لمرورك الرائع ...
فاطمة أحمد منذ 11 شهر
الله يسعد قلب والدك ، لقد وصلني عمق ما كتبتي وروعته احسنتي
1
Sunrise
أمين يا رب، فانكساره يكسر سعادتي ... شكرا لمرورك عزيزتي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا