الرمزية المتموجة عند اسماعيل عزيز - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرمزية المتموجة عند اسماعيل عزيز

  نشر في 13 يوليوز 2016 .


لقد اوضحنا في مناسبات سابقة انّ الخطاب و الرسالة التي يريد ان يوصلها المؤلف قد تكون بلغة توصيلية او بلغة رمزية ، و في كلا الحالتين يكون هناك التقاط للمعنى الانساني العميق الذي اسميناه ( العامل التعبيري ) ، يعمد المؤلف الى اختار صورة و شكل نصّي للتعبير عنه وهو ما اسميناه بـ ( المعادل التعبيري ) .

في جميع الاحوال يستطيع القارئ و حسب استعداده و خلفيته و ذائقته ان يصل الى رسالة المؤلف ، الا انه قد يحتاج احيانا الى انظمة تعبيرية و جسور تصل بين المعادل التعبيري اي البناء النصي السطحي و بين الانظمة الجمالية اي العامل التعبيري و بينهما و بين البنية العميقة للنص اي الخطاب و الرسالة المستترة و المحمولة بالنص . تلك الانظمة و الجسور الوسطية هي ( الوسط التعبيري )

يحتلّ الوسط التعبيري مكانة متميزة كعنصر اشتغال و عامل فني في الرمزية التعبيرية ، و أحيانا قد يكون الوسط مركبا من أكثر من مستوى كياني رابط بين الرمز و ما يرمز اليه و بين الدال و المدلول التعبيري . فالوسط التعبيري كما انّه وسيط للفهم و التوصل الى رسالة النص فانه عنصر جمالي في النص و عامل ابهار و ادهاش لما يحققه من عجز في نفس القارئ لكشفه عن مخيلة و قدرة تأليفية لدى الكاتب .

من المعروف انّ اسماعيل عزيز يكتب بمجاز عال و يخلق في نصوصه ما يمكن ان نسميه بـ ( العالم النصّي الموازي ) حيث يتكون نظام زمكاني خيالي كامل تتحرك فيه الشخوص و الكيانات النصّية في عالم من المجاز و الانزياح مستقل كليا و لا يحتاج الى اية مرجعيات خارجية لبنائه و تحقّقه ، و هذا من مزايا الرمزية العالية ، و هي تختلف جدا عن اللغة التوصيلية التي تستدعيها الرسالة احيانا و عن اللغة المتموجة التي تحدثنا عنها كثيرا .

في قصيدة ( على حافّة الجسر ) تحضر السردية التعبيرية في قصيدة نثر نموذجية بادوات النثر الشكلية من حيث الافقية و الجمل و الفقرات و السرد و الانسيابية ، و من وسط هذا البناء النثري ينبثق الشعر بل الشعر العالي و المجاز و الخطاب الرمزي ، الذي يعصف بالنص و يحيل تلك النثرية الى جوّ من الشعر قاهر و فاتن .حيث يقول اسماعيل عزيز :-

( هُناك ، كنتُ أرتدي أقنعة الأشياء في رحلتها. وأنا أعلمُ أنّ الأرض بركان في هذا العالم السفلي . كيف لي أن أحمل الصورة أو آخذ من كل شيء بذرةً؟ خطوتي كانت ثقيلة في طريق موصلٍ بأعماق الزمان الداخلي . أدري أنّ الطرق التي ندخل في مراياها تسجل موتنا . لا نافذة بها فكيف نرى أنوثة الورود . كزهرة راحلة في سحب اللون وأطياف التداخل ، مازالت في نفسي همسة فجر ، وأرغب في سرير الملكة . جسدي يسترق السمع حول أبواب المدينة والجسر الذي بات منحنيا خجلا من عيون تُخبّئ سنبلا ، لا يؤرخ خرائط طفولتنا . وفي كتاب الاشتهاء خطوتي كانت حروفاً ، فكلما نقلتُ خطوة تتدلى كرمة الجوع ولا تمطر غيمة ، غير أني لم أزل هناك على حافة جسرٍ يبكي عابريه .)

نجد في هذا النص الرمزي و السردي كمّا هائلا من المعادلات التعبيري و الاشتغالات الشعرية و التي أقلّ ما يمكن الاشارة اليه هو المجاز العالي و على مستويات متعددة ، على مستوى الاسناد و على مستوى الجمل و على مستوى الحكاية و النص . لكنّ الأهم هنا هو العالم الموازي الذي خلقه النص ، و تحقق مستقلا في هذا البناء ، بحيث انّ الرسالة ما عادت تستفاد من ذات العبارات بل من جميع النص ، وهذا شكل متميز من الرمزية يتجاوز المجاز المعهود من حيث الاشارة و الدلالة الى المقاصد بالكلمات او على اكثر التقدير بالاسنادات في الجمل ، و أما انّ النص كله يتجه نحو مجال معنوي مستقل و بناء مستقل و يكون مرآة و هيئة مشعّة توصل الرسالة و الخطاب من خلال كتلة النص و ليس من خلال مفرداته .

لقد أجلّ المؤلف البوح و بيان رسالته ، و جعلها موزعة بشكل وحدات غير كاملة على النص بحيث يحتاج القارئ الى جميع النص و جميع وحداته التكوينية لاشتفاف الخطاب المحمول فيه . فالقصيدة تتحدث عن رحلة معرفة نحو العمق و دواخل النفس ، رحلة قسرية في بعض لحظاتها ، لم تحقق غاياتها كما أنها مشوبة بكثير من التشويش و التقاطعات و كثير من لحظاتها تشتمل على اللاجدوى و على الاطلاع و العلم المسبق مع تعذّر الرؤية أحيانا ليس لقلة الاستعدادات ، بل لان الاهداف و المقاصد عالية جدا تقصر عنها الامكانات . من الواضح انّ هذه الرسالة و هذا الخطاب لا يمكن ان يستفاد من كل كيان جزئي او وحدة كتابية في النص مستقلا ، بل لا بدّ من جميع النص للتوصل الى رسالة النص ، وهذا اسلوب من اساليب تأجيل البوح و هو كثير ما يحضر في نصوص اسماعيل عزيز ، و التي تعد من طبقة الرمزيات المؤجلة التي تحتاج الى جميع النص لفهم الدلالات و الرموز .

في القصيدة يحضر الوسط التعبيري كوسيط مهم بين معادلاتها التعبيرية النصيّة و العوامل التعبيرية الجمالية العميقة ،فكلمة ( هناك ) و هو معادل تعبيري نصّي مكاني ، يرتبط بعامل تعبيري عميق يشتمل على البعد و الانعزال و الذات و الاخر ، و يؤسس لعالم مستقل و منعزل ، و يكوّن لفضاء من الغياب و الحضور . انّ المتتبع للكتابات الشعرية المعاصر سيجد انّ كلمة ( هناك ) كمعادل تعبيري تحتل مكانة متميزة و تمثّل عنصرا تعبيريا مهما و تعكس هاجسا و وعيا بالغياب و أرادة الحضور ، كما انّها تمثل نقطة تبئيرية عند المؤلف و أدعاء معرفي ربما يرتبط كثيرا بالعولمة المعاصرة و بتطور الاتصالات و امتلاك الانسان احاطة متميزة بالعامل ، و ادراك متميزة بالاخر و بالغائب و بالغريب .

بعد أداة الغياب هذه يحضر المؤلف و بسلاسة و من دون قفز بتعبير ( كنتُ ) و الذي يعدّ عنصرا متوسطا بين الحضور و الغياب فهو بين كونه تعبيرا عن الذات و الأنا و المالكية و الخاصية و الاستحواذ و الأرادة ، فانّ الاحالة الى الماضي يجعله عنصرا غيابيا ، لذلك فانّ كلمة ( كنتُ ) لا تقل أهمية عن ( هناك ) من حيث القدرة التعبيرية . و من خلال ما تقدّم نفهم جيدا القدرة التعبيرية الهائلة للسرد التعبيري و الشعر السردي و الذي تمثل ( هناك ) و ( كنت ) من أهم أدواته و مكوناته .

بعد الانتقال من الغياب التام الى البرزخ الوسطي بين الغياب و الحضور يتجلّى الحضور التام بعبارة ( و أنا أعلم ) ، و هو حضور قوي للذات ، و قد بينّا انّ هذا البيان و التعبير من خصائص قصيدة ما بعد الحداثة بفعل تأثير العولمة و الاتصالات و تحول العالم الى قرية صغيرة يتميز بانتقال هائل السرعة للمعلومات .و بعد ان هيّأ المؤلف الفضاء المطلوب لبناء علمه النص بسرد قريب في عبارات :

(هُناك ، كنتُ أرتدي أقنعة الأشياء في رحلتها. وأنا أعلمُ أنّ الأرض بركان في هذا العالم السفلي . كيف لي أن أحمل الصورة أو آخذ من كل شيء بذرةً؟ خطوتي كانت ثقيلة في طريق موصلٍ بأعماق الزمان الداخلي . أدري أنّ الطرق التي ندخل في مراياها تسجل موتنا . )

ينتقل الى وحدات بنائية عالية المجاز و بعيدة الدلالات في عبارات :

(كزهرة راحلة في سحب اللون وأطياف التداخل ، مازالت في نفسي همسة فجر ، وأرغب في سرير الملكة . جسدي يسترق السمع حول أبواب المدينة والجسر الذي بات منحنيا خجلا من عيون تُخبّئ سنبلا ، لا يؤرخ خرائط طفولتنا .)

انّ هذا المقطع المجازي و الرمزي يحتاج الى وسط تعبيري أمين لأجل استقرار تلك المجازات معنويا ، و من خلال السرد السابق على هذا المقطع و السرد التالي له يكون كثير من الدلالات و القراءات جلية للقارئ ، اذ بعد هذا المقطع يقول المؤلف :

(وفي كتاب الاشتهاء خطوتي كانت حروفاً ، فكلما نقلتُ خطوة تتدلى كرمة الجوع ولا تمطر غيمة ، غير أني لم أزل هناك على حافة جسرٍ يبكي عابريه )

حيث يعود الشاعر في هذا المقطع الى لغته القريبة و سرده السلس . من هنا يكون واضحا انّ النص ينقسم ن حيث درجة الرمزية الى ثلاثة وحدات ، قريبة و بعيدة و قريبة ، و هذا النظام اي ( رمزية قريبة - رمزية بعيدة - رمزية قريبة ) هو من التموّج الرمزي ، و هو ما يدخل في اللغة المتموجة كما هو ظاهر .

لقد حقّق الشاعر غايات فنية و جمالية عديدة في القصيدة ، فاضافة الى نموذجية النص كقصيدة نثر نموذجية ، و اضافة الى السرد التعبيري و الشعر السردية ، و النثروشعرية بالشعر الكامل في النثر الكامل ، فانّه ايضا نموذج للعالم النصّي الموازي و الرمزية المتموجة .

انّ اقتران العالم النصي الموازي مع الرمزية المتموجة يكشف عن امكانيات شعرية و فنية للكاتب وهو معروف بها لكل أحد . ولقد كان مقرّرا تناول أكثر من نص للشاعر ، الا انّه بالبيان المتقدم يمكن جعلها نموذجا و مثالا لتلك العناصر و الاشتغالات في غيره ، و نترك للقارئ و المطلع متعة متابعتها في نصوص اسماعيل عزيز الأخرى.



   نشر في 13 يوليوز 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا