في مسائل المعتزلة ، القانون الكلي ،الدلائل العقلية والأصول الخمسة : بقلم إحسان طالب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في مسائل المعتزلة ، القانون الكلي ،الدلائل العقلية والأصول الخمسة : بقلم إحسان طالب

الاعتزال رائد الإصلاح الديني :

  نشر في 08 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

بصفة مستمرة يؤكد المعتزلة انتسابهم لمدرسة السلف، وينهجون منهج الاستدلال على مذهبهم بأدلة سمعية، يدعمون بها استدلالاتهم العقلية، ولم يكونوا مدعين أو مبتدعين حسب اعتقادهم، بل حملوا راية الدفاع عن الدين منطلقين من تقرير أصالة دعواهم وصوابيتها العقلية والمرجعية، وبهذا المنطق كانوا مجددين، وبتقريرهم لسلطة العقل ووصايته على النقل وفق نسق تجديدي فقد بدؤوا بتأسيس مدرسة الإصلاح النموذجية بعد انتهاء عصر الأنوار بوفاة النبي وانقطاع الوحي، مفتتحين عصر التنوير بإقرار قطعية الدلالة العقلية، وبحصر العصمة بالنبي والوحي، فتحوا باب النقد المعرفي للمنقول وأدواته، فكان منهجهم في رد الأحاديث على رواتها بقرائن عقلية أو نصية مبتدأ التأسيس لنظرية معرفية بأدوات أرضية تفكك الغيب وتنحاز لمقاربات أساسها الإنسان العاقل وركزوا على الإنسان والإنسانية كمعنى مجرد " إنا نعلم بالضرورة أن أشخاص الناس مشتركة في مفهوم الإنسانية، ومتباينة بخصوصياتها وتعيناتها، وما به المشاركة غير ما به الممايزة، وهذا يقتضي أن يقال : قال أبو عبدالله الرازي الرابع إنا نعلم بالضرورة أن أشخاص الناس مشتركة في مفهوم الإنسانية ومتباينة بخصوصياتها وتعيناتها وما به المشاركة غير ما به الممايزة وهذا يقتضي أن يقال الإنسانية من حيث هي إنسانية مجرد عن الشكل المعين فالإنسانية من حيث هي هي معقول مجرد فقد أخرج البحث والتفتيش عن المحسوس ما هو معقول مجرد وإذا كان كذلك فكيف يستبعد في العقل أن يكون خالق المحسوسات منزها عن لواحق الحس وعلائق الخيال ؟( 1 ) في هذا النموذج من الاستدلال والتحليل برع المعتزلة؛ فالإنسان هو حامل العقل و إليه يرجع الأمر في التحقيق والتدقيق، والناس تشترك في مفهوم الإنسانية المجرد وتختلف في صفاتها وأجناسها وأماكنها، وما يميز شخصا عن غيره، غير ما يجمعهما، فالمفهوم إذن مجرد متعين الوجود بالعقل، ولا يتعين المفهوم بالصورة أو التحديد المكاني أو الزماني، من هنا كانت المعقولية تفرض تجريد خالق الحواس والمحسوسات عن انطباعات الحواس وتصورات الخيال، فوجود الله مدرك بالعقل بعدما تحقق الحكم بالمفهوم المجرد. ربما كان في جدل المعتزلة رد على الفلسفة الريبية – السفسطائية – التي لا تنفي ولا تثبت على الرغم من ميل أصحاب البصري إلى التفويض والتعليق وهو ما اشتركوا فيه مع الريبين، فالتوقف عن الحكم نتيجة نهائية عند عدم الوصول إلى نتيجة، وطبقوا ذلك المبدأ في النصوص التي لم يتمكنوا من تحقيق مطابقتها أو توافقها للدلالة العقلية القطعية.

كما برع تلاميذ النّظام في التفكير التأملي المنطقي، فكان تحليل المقدمات والحكم عليها سبيل الوصول إلى النتائج، بنسق عقلي فلسفي سخر علوم اليونان لخدمة تصورات منطقية تدافع عن الرابطة الاجتماعية للدولة والمجتمع – الدين الإسلامي – محذرة من هدم بنيوية الرسالة تحت معاول الديانات الشرقية في فارس وما جاورها، تلك النظريات الدينية الغيبية التي رسخت في أرضها وتمكنت من نظَريتها؛ شكل صراعها الجدلي مع الدين الوافد خطر عليه، وكان لا بد من سلاح معرفي علمي يتحلى به أهل الفتح لمنع ذوبان الفكر الفتي تحت سنابك عتاولة الأديان القديمة. ساعدت السلطة السياسية في بادئ الأمر التوجهات الجديدة للسرد الديني وأيدت النسق العلقي في تمييز عقيدتها عما سواها، إلا أن الاستقرار السياسي المهيمن جعل من ضرورة استمرار نسق التجديد للذود عن اللحمة الفكرية والاجتماعية للدولة أمر غير ضروري، فيما خشي مجددو الإحْياء ـ الحنابلة الأصوليون ـ من تغيير في طبيعة البنية الكلية لتلك اللحمة الدينية الاجتماعية السياسية القائمة على أساس قطبية أحادية للنص المنقول ـ الكتاب والسنة ـ ووجدوا في الاعتصام بالنقل والأدلة السمعية وجاءً يصون ويكفل الديمومة، فحاربوا الإصلاحيين وانتصروا عليهم هذه المرة بفعل الدعم السياسي السلطوي وللقرب التاريخي من زمن نزول النص . وبالرغم من نجاح النقليين وتراجع العقليين تتابعت مسيرة الإصلاح نظريا وتتالت سلسلة التنوير، في مستويات نخبوية محجوبة إلى حد بعيد عن الأجواء العامة ودواوين السلطة ومؤسساتها التعليمية. لم يكن غريبا أو طارئا تقهقر التنوير الإصلاحي، فالطبيعة الداخلية للمسموع متناغمة مع الطبيعة البيئة للسامع، ولما كان العرب هم سادة الدولة وأركان نظامها وجب على الأيديولوجيا النامية أن تُصاغ انطلاقا من توافقات تشابه الأنساق البدوية الاجتماعية والثقافية في مكة والمدينة التي أنتشت ونمت فيها بذرة الفكر الجديد – الإسلام – وسيظل القمر الإصلاحي الاعتزالي مؤهلا لمعاونة النهضة وتحقيق الانتقال من حالة السكون النوراني إلى حال الحركة التنويري.

من مسائل الاعتزال الأصول الخمسة:

! ـ العدل 2 ـ والتوحيد 3 ـ والوعد والوعيد 4 ـ والمنزلة بين المنزلتين 5 ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هي أصول الدين الخمسة عند المعتزلة من خالفها فسق. أجملوا فيها نظريتهم الدينية، مستندين إلى أدلة ومناظرات عقلية مطولة لإثبات نظريتهم، ولم يكتفوا بالأدلة القطعية بل رجعوا إلى الأدلة النقلية واستخلصوا منها الحجج والبراهين لتفنيد دعاوى مخالفيهم. نقف هنا عند نقطة عالجها المعتزلة عند شرحهم لأصل العدل: يقول القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة: فإن قيل فما قولكم في تعذيب أطفال المشركين أتجوزونه على الله عز وجل أم لا ؟

قيل له معاذ الله أن نجوز عليه ذلك لأنه ظلم وسفه، ويتعالى الله عن ذلك، ويدل على ذلك قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) سورة الأنعام 164 ( لتجزى كل نفس بما تسعى ) طه 15 (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) الأنعام 164( قال تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء 15 - والطفل لم تبعث إليه رسالة وقال (ص ) رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق ) ومن رفع عنه القلم لا ذنب له فيعذب. وأيضا فإن العذاب إنما يحسن لمن أذنب كما يعاقب في الشاهد من أساء والطفل لا ذنب له فكيف يقال أنه تعالى يعذبه، فإن قيل يعذبه بذنب أبيه، قيل لا يجوز أن يعذب أحد بذنب غيره كما لا يحسن أن نعاقب الرجل ونضربه لأنه ما أساء ولا ظلم فإن قيل أليس الله قال ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) نوح 27 – قيل له أنه أراد عز وجل أنهم لا يلدون إلا من إذا بلغ صار فاجرا كفارا ولم يرد أنه في حال ما ولد يولد بهذه الصفة ) ( 2)

هذه معالجة متقدمة للنص يمكن اعتمادها كمعيار لمعالجة أدلة سمعية، دارت حولها إشكالات ولم يتمكن المتقدمون ولا المعاصرون من حل إشكالها، ولعل مثل تلك المجادلة تكون وسيلة لإقرار منهج إصلاحي يساهم في تثبيت دعائمه، فيرجع إليه كحامل علمي لنظرية معرفية نهضوية .

ميزة هذا النص المنقول عن القاضي عبد الجبار، أكثر علماء المعتزلة تصنيفا وتأليفا، هو معالجته لإشكالية إصلاحية مرتبطة بالشواهد الدالة في ظاهرها على العنف وقتل الأطفال، فالآية في سورة نوح ولا يلدوا إلا فاجرا كفار استند إليها متطرفون في جواز قتل الكفار بمن فيهم الأطفال و النساء. جاء في صحيح مسلم : باب

جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد، الحديث رقم 3281 : سئل النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عن ‏ ‏الذراري ‏ ‏من المشركين ‏ ‏يبيتون ‏ ‏فيصيبون من نسائهم ‏ ‏وذراريهم ‏ ‏فقال هم منهم" وشرحه النووي بالقول: وَالْمُرَاد بِالذَّرَارِيِّ هُنَا النِّسَاء الصِّبْيَان . ‏

‏وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلِيل لِجَوَازِ الْبَيَات , وَجَوَاز الإغَارَة عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَة مِنْ غَيْر إِعْلامهمْ بِذَلِكَ . ‏

‏وَفِيهِ : أَنَّ أَوْلاد الْكُفَّار حُكْمهمْ فِي الدُّنْيَا حُكْم آبَائِهِمْ , وَأَمَّا فِي الآخرة فَفِيهِمْ إِذَا مَاتُوا قَبْل الْبُلُوغ ثَلاثَة مَذَاهِب : ‏

‏الصَّحِيح : أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة . ‏

‏وَالثَّانِي : فِي النَّار . ‏

‏وَالثَّالِث : لا يُجْزَم فِيهِمْ بِشَيْءٍ . وَاَللَّه أَعْلَم" انتهى كلام النووي

بين المحدثين والفقهاء جدل طويل حول المسألة يدور في حدود عدم جواز تعمد قتل النساء والأطفال من المشركين استنادا لأدلة كثيرة منها عن حنظلة الكاتب، قال: غزونا مع رسول الله فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناسُ، فأفرجوا له،أي للرسول (ص) فقال:" ما كانت هذه تُقاتِلُ فيمن يُقاتِلُ "، ثم قال لرجل:" انطلق إلى خالدِ بن الوليد، فقل له: إن رسولَ الله يأمرُك، يقول: لا تقتلَ ذُرِّيَّةً ولا عَسِيفاً" . لكن المشكلة تبقى في استمرار الجدل كلما كان المسلمون في حالة ضعف أو لم يجدوا سبيلا للانتقام من عدوهم. علماء الحديث والفقهاء من أهل السنة وأهل البيت في أكثريتهم ميالون لمنع قتل الأطفال و النساء وترك مآلهم في الآخرة إلى الله، وإن كان البعض يميل لاعتبارهم بمنزلة آبائهم، في حين قطع المعتزلة الجدل وأنهوا المسألة بالدلالة العقلية القطعية كما مر معنا في نص القاضي عبد الجبار. هذا منهج إصلاحي بحت فأصحاب القاضي الأسد أبادي يردون أحاديث تخالف منطق العقل، فلا يجوز تعذيب الطفل في الأخرة بجريرة ما فعل والده، كما لا يجوز الظلم في حقه تعالى، كما لا يحسن أن نعاقب الرجل ونضربه لأنه ما أساء ولا ظلم، فلا يصح بأي حال من الأحوال في ميزان العدل والعقل ما ذهب إليه النووي في شرح حديث مسلم: سئل النبي عن ذراري .. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلِيل لِجَوَازِ الْبَيَات , وَجَوَاز الإغَارَة عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَة مِنْ غَيْر إِعْلامهمْ بِذَلِكَ. لقد استند متطرفون ومتشددون إلى تحليل عمليات قتل المدنيين من غير المسلمين وحتى من المسلمين المخالفين دون توفر حالة حرب أو عداء مباشر،بحجة بلوغ الدعوة إليهم، اعتمادا على اجتهاد النووي ومن تبعه في تفسير الحديث. يرد المعتزلة الأحاديث التي تخالف مفردات الأصول الخمسة للدين كما شرحها القاضي عبد الجبار ولا يلتفتون لدلالاتها الظاهرة،أي الدلالة الظاهرة للحديث النبوي فلقد كذب إبراهيم النظّام أبا هريرة ولم يأخذ بحديثه في خروج واضح عن إجماع أهل السنة على عدالة أبي هريرة وضبطه. ويعد الجاحظ من أشهر المعتزلة وأكثرهم رواجا بين المتتبعين، وله مذهبة في الرواية والنقل : ‏ " العقل هو المستدل، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل وكون الاستدلال مع عدم الدليل‏.‏ والعقل مضمن بالدليل والدليل مضمن بالعقل ولا بد لكل واحد منهما من صاحبه وليس لإبطال أحدهما وجه مع إيجاب الآخر.

والعقل نوع واحد والدليل نوعان‏:‏ أحدهما شاهد عيان يدل على غائب والآخر مجيء خبر يدل على صدق‏." ( 3 )

يشرح الجاحظ في العثمانية : إن الأخبار لابد فيها من التصادق كما لابد في درج العقول من التعارف، فإن في عدم التعارف في حجج العقول، والتصادق في حجج السمع، عدم الإنصاف وبطلان الكلام.

كلام الجاحظ يقدم لطريقة علمية في تحقيق الأخبار ومنها المرويات عن الأقدمين وله فيها شرح مطول عن أسلوب وطريقة التفحص والتحقيق، حيث لا يعتبر السند وحده دليلا على صحة النقل، إذا لا بد من النظر في التواريخ واعتماد معدلاتها الوسطى: ولعلنا لا نخطأ في استنتاج قواعد الجاحظ في الحكم على النقل اعتمادا على النقاط التالية :

1 – (التصادق) في الروايات المسموعة ومبدأ (التعارف) في حجج العقول

2 - الرواية الموثقة التي يتم فيها (الإجماع) ويمتنع فيها (العمد) و (الاتفاق) والتواطؤ: هي الرواية التي تم الاتفاق عليها، على اختلاف الزمن وتفاوت المدة، وانتفاء المصلحة والغرض والمعرفة

3 - قاعدة :الحق لا يتناقض

4 - تجريح وتعديل الخبر دون الاكتفاء بالسند، و الدخول في مضمون الخبر قبل اعتماده كدليل (4 )

وربما كان اعتماد طريقة الجاحظ في تحقيق الخبر ومن ثمة طريقته في الاستدلال به، وسيلة لمعالجة مرويات مسندة ومشهورة تشتمل على متعارضات ومتناقضات، كما لا تخلوا من إشارات ينكرها العقل والفكر السليم ، فتثبيت القواعد وإقرار لوائح في تحقيق الإثبات والقبول والاستدلال أساس آخر، مختلف عن المنهاج التقليدي القائم على السند وعلم الجرح والتعديل دون مقاربات عقلية للمتون ودون تحليل تاريخي للخبر، يعد من أسس بناء النظرية المعرفية الدينية العقلية التنويرية.

الاعتزال مدارس متعددة تتفق في مسائل أصولية وتفترق في فروع كلامية وفلسفية:

أبو الهذيل العلاف ( 135-227 هجرية/ 751-842 م ) أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء الغزال واختلف معهم في عشر مسائل تتصل بالإلهيات والأخلاق والاستطاعة، فأثبت أن لله صفات هي عين ذاته، وكان المعتزلة ينكرون هذه الصفات. قال كالمعتزلة بالإرادة الحرة للإنسان وخالفهم بقوله بأن أفعال الإنسان في الآخرة جبرية، وعنده أن الإرادة لا تكون تامة إلا إذا كانت للجوارح قدرة على تنفيذ الفعال، وأن الإنسان المكلف العاقل تجب عليه معرفة الله ومبادئ الأخلاق معرفة عقلية، وإلا استحق العقاب، بمعنى أن الإنسان يجب أن يميز بفطرته وعقله بين الحسن والقبيح، وأن يفعل الحسن ويتجنب القبيح. كذلك هو الحال مع تلميذ العلاف وابن أخته إبراهيم بن سيار النظّام ( 185-221 هجرية/ 799-853 م ( يقال أنه لقب بالنظّام لأنه كان يشتغل بنظم الخرز في سوق البصرة) حيث قال العلاف بأن المادة تتكون في وحدتها الصغرى من " الجزء الذي لا يتجزأ " وأن الجسم يقف عند نهاية في التجزئة، في حين ذهب إبراهيم بن سيار النظام إلى إنكار " الجزء الذي لا يتجزأ " وقال بأن الجسم يتكون من أجزاء غير متناهية صغارا لا تنقسم أصلا وأنه يتجزأ بلا نهاية، وهو ما عرف بنظرية الجوهر الفرد، ولعل النًظام من أجرأ علماء المعتزلة على صغر سنة فقد مات ابن 34 سنة وترك كتبا كثيرة بلغت تسعين كتابا لم يبقى من إلا ما ندر، حيث أنكر الجماع والقياس وقال بأن الأمة قد تجتمع على خطأ وأنكر المعجزات المنسوبة للرسول، واعتبر حادثة شق القمر غير صحيحة وعلل رأيه بأن الله لا يشق القمر له وحده - أي للنبي - ولا لآخر معه ولكن يشقه ليكون آية للعالمين وحجة للمرسلين ومزجرة للعباد وبرهانا في جميع البلاد، فكيف لم يعرف به العامة ولم يؤرخ الناس بذلك العام ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر ولم يحتج به مسلم على ملحد، وانفرد النظام بالقول بخلق العالم دفعة واحدة وكذلك الأمر في البشر" خلق الله الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن, معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا، ولم يتقدم خلق آدم عليه السلام خلق أولاده، غير أن الله أكمن بعضا في بعض. فالتقدم والتأخر يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها" فالوجود موجود كله وإنما الظهور متعلق بالزمان والمكان. (5) ونفى العصمة عن الصحابة والأئمة وثبتها فقط للرسول محمد.

يدين المعتزلة بالفضل لوجود مدرستهم لأبي حذيفة واصل بن عطاء (700 - 748- 131 هـ توفي في المدينة المنورة )، الملقب بالغزال الألثغ لأنه برع في اللغة وكان يلثغ بحرف الراء ، كان تلميذاً للحسن البصري،. حصل الخلاف بينه وبين الحسن في حكم مرتكب الكبيرة، فاعتزل حلقة الحسن، وقال بالمنزلة بين المنزلتين – فقال الحسن "اعتزلنا واصل" فاتسمت فرقته بالمعتزلة وانضم إليه عمرو بن عبيد. كانت زوجته هي أخت عمرو بن عبيد، مات الأخير بطريق مكة سنة 143 اشتهر عنه القول إن كانت تبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ فما لله على ابن ادم حجة، وعده علماء الجرح والتعديل غير ثقة رغم زهده وتقواه وكان قدريا وله عدة كتب : العدل والتوحيد وكتاب الرد على القدرية، يريد السنة، ومن تلامذته عثمان بن خالد الطويل شيخ العلاف وأبو حفص عمر بن أبي عثمان الشمزي.

لاحظ بعض الباحثين تداخلا بين البيئة الاجتماعية التي نشأ في مذهب الاعتزال ورؤوا بأن الظلم الاجتماعي كان احد أسباب ظهور الاعتزال، فرؤوس المعتزلة من الموالي، كما رد أخرون ظهور المذهب لانفتاح المسلمين على الديانات الأخرى وتعرفهم على الديانات الشرقية القديمة المانوية، المزدكية، الزرادشتية، فتصدوا للرد عليها وناقشوا الملاحدة والدهريين.

قامت مدرسة الاعتزال على الإقرار بأن كل علوم الشريعة ومقاصدها تدور حول مبدأين : العدل والتوحيد كما أفاد القاضي أبي الحسن عبد الجبار الأسد آبادي المتوفي سنة 415 هـ في كتاب المغني في العدل والتوحيد وهو مؤلف ضخم ضم عشرين جزءا ضاع قسم وفير منها وطبع أربعة عشر جزء ، وجعل الوعد والوعيد ، والمنزلة بين منزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، داخلة في أصلي العدل والتوحيد، وهذه الخمسة هي ما أطلقوا عليه الأصول الخمسة تسهيلا لتعلم وتدريس مذهبهم، واشتهر عن المعتزلة تقديم العقل على النقل وخلق أفعال العباد وخلق القرآن ونفي الصفات، ونفي العلو والاستواء والجوهر والعرض. فالله قائم بذاته لا حاجة به للصفات كما نفوا القدم في حق الله ونفي عذاب القبر. والطريف في تاريخ التدوين وجود أحاديث تعلي من منزلة العقل وترفع شأنه وتجعله أساس الدين، نسبها رواة للنبي في حين أقر علماء الحديث بوضعها أي بكذبها على النبي أو وصموها بالضعف الشديد الذي لا تفيده كثرة الطرق ، فتخفف من ضعفه :

(الدين هو العقل , و من لا دين له لا عقل له)

قال الألباني في المجلد الأول من السلسلة الضعيفة في تخريج الحديث برقم 52 : و مما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء , و هي تدور بين الضعف و الوضع , و قد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه " العقل و فضله" فوجدتها كما ذكرت لا يصح منها شيء.

(لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال: ما خلقت خلقا أكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي): حديث موضوع بحسب ابن القيم. كذلك حديث (أول ما خلق الله العقل قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال الله عز وجل : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي ، وبك أثيب وبك أعاقب) حديث موضوع بحسب الألباني (6 ) لكن المعتزلة أفاضوا في الاستدلال على مكانة العقل من القرآن واستدل على أولوية العقل بالدلالة العقلية القطعية.

القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات:

وللعقل عند المعتزلة مكانة رفيعة كونه الأساس المعتبر ، وما النصوص المنقولة - السمعيات- إلا تأييد وتأكيد لمدركات العقل وأحكامه، وما جاء من الأدلة النقلية مخالفا للعقل يؤول أو يرد أو يفوض وفق مرئيات العقول. القرينة الصارفة للنصوص عما دل عليه الخطاب هو العقل.

يقول الرازي :اعلم : أن الدلائل القطعية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربع: إما أن يصدق مقتضى العقل و النقل – فيلزم تصديق النقيضين وهذا محال – وإما أن نبطلهما فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال، وإما أن نصدق الظواهر النقلية ونكذب الظواهر العقلية وذلك باطل ؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية: إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول (ص) وظهور المعجزات على يد محمد (ص) ولو صار القدح في الدلائل العقلية، صار العقل متهما، غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلالة النقلية عن كونها مفيدة.

نثبت : أن القدح في صحيح العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل وإنه باطل، ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبقى ( بمقتضى القطع ) أن الدلائل القطعية القاطعة : بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال أنها غير صحيحة أو يقال أنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها ثم إن جوزنا التأويل، اشتغالنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى: فهذا القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات وبالله التوفيق ( 7)

الحالات الأربع في القانون الكلي : يعتبر الرازي أن الدلائل العقلية هي الدلائل القطعية، أي أنها الأصل في الاستدلال والدليل، فإذا أثبتت أمر أو شيئا وجب الأخذ به، فإذا جاءت أدلة نقلية تدل على خلاف ما أثبتته الأدلة العقلية القطعية فالأمر على أربعة أحوال: تصديق العقل أو تصديق النقل أو تكذيب العقل أو تكذيب النقل 1 – أن يكون كل من الأدلة العقلية والنقلية صحيحا حال تعارضهما، وهذا يعني صواب النقيضين وهذا أمر مستحيل فلابد أن يكون أحد النقيضين خطأ والأخر صوابا. 2 – أو أن يكون كل من المنقول والمعقول متعارضان أو متناقضان في الموضوع واحد ويكونا معا خطأ أو كذبا أو باطلا وهذا يعني تكذيب النقيضين وهذا مستحيل أيضا. 3 – أن نكذب الأدلة العقلية ونصدق الأدلة النقلية المعارضة لها، وهذا باطل، لأن القدح في الدلائل العقلية تعني اتهام العقل، وهذا يبطل النقل لأننا لا نستطيع معرفة صحة الظواهر النقلية إلا بواسطة العقل فإذا اتهمنا العقل أداة إثبات النقل وواسطة معرفة صحته، والذي به نثبت الخالق وصفاته ونثبت صدق الرسول ورسالته، نكون قد هدمنا أساس الدين الذي جعل العقل مناط التكليف والإدراك والفهم، فالأصول تقتضي إثبات الإيمان والغيب والمعجزات بالعقل وهو السبيل الوحيد للإثبات والإفادة وعلية فاتهام العقل باطل، فالقدح في الدلائل القطعية يفضي إلى خروج الدلالة النقلية عن كونها مفيدة، فالغاية من الاستدلال بالعقل كدلالة قطيعة هو إثبات النقل وتحقيق الفائدة منه، واتهام الدلالة العقلية يفضي إلى اتهام كلي للنقل وذلك باطل، واليقين لا يأتي إلا بالعقل لا بصحيح النقل فلا يؤكد صحة الثاني إلا الأول . 4 – أن نكذب الأدلة النقلية دون تفنيد وتمحيص وتفحص وهذا غير مطلوب، وباعتبار هذه الاحتمالات الأربعة هي الاحتمالات الممكنة في حال تعارض الدلالة العقلية القطعية مع الدلالة النقلية تثبت أن الأدلة النقلية هي على وجهين صحيحة أو باطلة ونحن لا نريد اعتبارها باطلة لذا نقول إنها صحيحة على غير ظاهرها ونحن هنا أمام حلين اثنين إما أن نؤول النص السمعي على التفصيل أو نترك التفسير والتأويل ونفوض العلم بمراد ه إليه إي إلى الله.

تعارض القطعيّين لا بد أن يعطي أحدهما صفة الظني، ولما كان السمعي يعتمد في إثباته ونفية وفهمه على القطعي وجب أن يكون القطعي مقدما على الظني، والشك بقدرة الدليل القطعي – العقلي – مؤداه نقض النقل، وهذا مرفوض، وإزالة الشك عن اليقين لا يكون إلا بالعقل، فتحقيق الوثوقية للمسموع لا يتأتى إلا بالدلائل القطعية العقلية، وعليه فالأدلة السمعية لدى المعتزلة لا تثبت إلا بقرائن قطعية عقلية..

هوامش : مصادر، مراجع، أعلام

1 - أساس التقديس للإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن الحسين المتوفي سنة 606 هجرية تحقيق الدكتور احمد حجازي السقا مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة: المقدمة الأولى : إثيات موجود لا يشار إليه بالحس صفحة 18

2 – شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار بن أحمد الأسد أبادي 320هـ 415 هـ حققه وقدم له الدكتورفيصل بدير عون مطبوعات جامعة الكويت 1998 : صفحة 82 – 83

3 - كتاب الرسائل للجاحظ: فصل من صدر كتاب حجج النبوة رسائل الجاحظ

الجزء الأول ( 15 من 23 ) نسحة ألكترونية

4 – انظر كتاب (العثمانية) للجاحظ الذي حققه عبدالسلام هارون وطبعه في القاهرة عام 1955: قراءة جديدة في كتاب (العثمانية) الجاحظ مُفَكّراً مُعَاصرا: نسخة الكترونية

5 - راجع الملل والنحل للشهرستاني

6 – سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني (المجلد السادس برقم 152)

7 – أساس التقديس للإمام فخر الدين الرازي : الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية فكيف يكون الحال فيها : صفحة 221


  • 1

  • Ehsan Taleb
    احسان طالب كاتب وباحث في الدراسات الإسلامية من دمشق ، سوريا. مواليد 1956 ولد في عائلة مسلمة تلقى تعليما متعدد التوجهات والده هو الشيخ بهجت طالب ، كان واحدا من أئمة المساجد الشهيرة في دمشق في مرحلة المراهقة المبكرة ، تعلم ا ...
   نشر في 08 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا