لم أعد أصلي ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لم أعد أصلي !

  نشر في 26 غشت 2016 .


اليوم حضنني ملاك.

كمثل سيدنا محمد إذا كان تائها في كهفه ، مستوحشًا من أهله وعشيرته. ففاجأه جبريل ، وحضنه ، لينقله من الظلمات إلى النور.

انقطعتُ عن الصلاة شهورا.

لم أعد أشعر بشوق لها ، أو أفهمها ، أو أعرف لماذا أفعلها إلا لأني ورثتها من ضمن ما ورثت !

كنت أؤدّيها دونما إحساس ، ليس حبًا وشوقًا. إنما خوفا من وعيد الله ، وأحاديث النبي التي كانت تجرّدني من إسلامي.

وتوقّفت عندما لم أعد أخاف.

عندما استوتْ الجنة والنار في ناظري. فلم أعد أعرف فارقا بينهما.

واليوم خِفتُ.

شعرتُ فجأة أني أحتاج الله.

ضاقت عليّ نفسي بما رحبت. وانقطع رجائي في الدنيا.

غاب نَفَسي في صدري ودوّت دقات قلبي كطبول إفريقية ترتفع على غير هدى.

لم أكن أعاني نقصًا في المال ، وصحّتي جيّدة للغاية ، وأحبابي بخير ، والدنيا تفرش لي بساط نعمتها.

لم أكن أحتاج الله ليرفع عني ضيقًا ، أو يلبّي لي طلبًا من طلبات الدنيا كالعادة.

كنت أحتاج الله الطبيب ، الذي يداوي جرحًا غير مرئي ، لا يراه سواه ، ولا يشعر به غيره ، ولا يدري علّته إلاه.

توضّأت ، فأسبغت الوضوء ، كما لم أفعل.

كنت أرى أمام عيني مشهدًا واحدا فقط يلف ويدور ويتكرر كأبد. يرتسم مرة على مرآة الحمام ، ومرة في قطرات المياه التي تجري كأنما لن تتوقف ليومِ ألقاه : شرايين طينية طويلة عجفاء ميتة ، مليئة بحفر قبيحة. تجري فيها مادة منيرة مشرقة ، ربما تكون ماء ، وربما تكون خمرًا ، وربما تكون دم فاجر لم يترك موبقة إلا اقترفها !

كنتُ أُغرق في الماء كمجنون ، يفرّ من قميص العباسية. أريد الانتهاء .. الانتهاء .. الانتهاء ..

ثم رأيت رأس الجمل التي رآها أبو جهل يوم أكل حق الأعرابي ، فذهب لرسول الله يستصرخه ، فطمأنه ، وقال له اذهب لأبي جهل واطلب منه مالك ، وسوف يعطيه لك صاغرا ، وذهب الأعرابي ، ودون كلمة أعطاه أبو جهل ماله ، بعد أن رأى رأس جمل توشك أن تلتهمه لو لم يفعل !

رأيت رأس الجمل.

فأنهيت الوضوء أسرع من البرق !

لم أكن أنوي الصلاة.

توضأت دون نيّة الصلاة ، دون أي إحساس.

كنت فقط أريد أن أفعلها.

بدأتْ المرئيات تغيب عن عيني فجأة ، لم أعد أسمع صوت زوجتي الذي اشتبك بأصوات بعيدة لزملاء رحلوا في ريعان الشباب. فريده وفيروز تصرخان حولي ، ولا أراهما ، أمي تدعوني للطعام ، فتعرض الكاميرا في رأسي مشهدا لها وهي تبتعد تماما حتى تغيب عن الكادر ، وتصبح نقطة بيضاء في فضاء سرمدي يتقدم مني ببطء ، ليبتلعني أنا الآخر فألحق بها.

لقد تركوني وحدي جميعا ، كيوم خلقتُ وحدي ، ويوم أموتُ وحدي ، ويوم أبعثُ وحدي.

لذتُ بغرفتي.

أغلقتُ البابَ عليّ بالمفتاح.

انهرتُ أرضًا فجأة وأنا أردّد في هستيريا يا رب .. يا رب .. يا رب.

لم أجد كلمات أخرى على لساني.

ضاعت مأثورات الصلاة ، التي عكفتُ أردّدها كببغاء سبع وعشرين عاما ، لأنها لم تكن من القلب. أبدًا لم تكن من القلب.

كانت لهم ، وليست له.

للغارسين أقدامهم في وحل الدنيا ، لا المتلفّع بنوره فوق عرش الأرضين السبع والسموات السبع.

قالوا لي الصلاة صلة بين العبد ووربه. فلم أحسّها.

قال لي الشعرواي ، الذي كنت أحبّه ، إنني إذا وقفتُ بين يدي الله خمس مرات يوميا لن يصيبني عطب ، كمن يذهب إلى نهر قريب من بيته فيغتسل خمس مرات ، فأصبحتُ معطوبًا أغلب أيام حياتي ، لا أفهم حكمة شيء ، ولا أعرف لماذا خُلقت ، أو ما قيمتي في كون بهذه الضخامة حتى يدين لي ، ويكون في خدمتي !

أطلقتُ لحيتي ، وحلقتها ، لبستُ الجلابية القصيرة ، وخلعتها ، وبعتُ رأسي أحيانًا للشيوخ الذين أخذوا شيكا على بياض من الله ، ليتحدثوا باسمه. ويُدخلوا من يريدون الجنّة ، ويحرّموا ريحها على من يريدون. فكفرتُ بهم.

من أنا ؟

لماذا لم أعد أجد طعمًا لأي شيء ، مهما اجتهدتُ وحققتُ ووصلتُ.

لماذا لا أتوق لا لدنيا ولا لجنة ، ولا أهاب نارًا وقودها الناس والحجارة ؟

لماذا لا يرقّ قلبي إذ تتردد آيات الله ، التي خاض الرسول وصحابته والرعيل الأول مئات المعارك كي تصلني ؟!

أمِن صخر قٌدَّ هذا اللعين بين جنبي ؟!

لماذا لم أعد أشعر بتأنيب ضمير إذ أرتكب المعاصي والذنوب ، وأصنع منها مجلدات ، أعرف يقينا أنها ستُعرض على ملك الملوك ؟!

ما هذا الفراغ الذي أكاد إذا لمستُ قلبي ، أقبض عليه ، وأجد له طولا وعرضا وارتفاعا ؟!

لماذا خلقتني يا رب ؟

هل حقًا خيرتني في بدء الكون ، بما سألاقي وأجد ، وقلت لك نعم أريد ؟

أنا قلتُ فعلا لك إنني أريد هذه الحياة المرهقة ؟

أين الدليل ؟

أريد دليلا يا رب ، ليطمئن قلبي ؟ حتى إذا حاسبتني وأدخلتني جهنم لم أبالِ.

ألم يطلبها منك إبراهيم ، وهو النبي ؟

ألم يقل لك : أرني كيف تحيي الموتى ، فلم تسخطه قردا ، ولم تُحله حجرا أصم ، ورددتَ عليه ، عالمًا ببواطن الأمور ، وخبيرا بالطين الذي نفختَ فيه من روحك ، فاستوى بشرا ضعيفا عاجزا عن فهم حكمتك الكلية : أولم تؤمن ؟

فقال لك خجلا من جهله ، محاذرا أن يغضبك ، طامعا في كرمك ، آملا في الفهم : بلى ، ولكن ليطمئن قلبي ؟

فطمأنت قلبه.

بلى ليطمئن قلبي يا رب.

بلى ليطمئن قلبي يا رب.

اليوم .. حضنني ملاك.

فانهرتُ بين يديك.

وردّدت بيقين وتبتل وفهم واحتياج : يا رب .. يا رب .. يا رب.

اليوم صلّيتُ لك أرجى ركعة في حياتي.

اليوم رأيتكُ رأي العين.

والله العظيم يا رب رأيتك.

وعرفتك.

وكلما كانت قامتي ترتفع ، لألتزم بشكليات الصلاة ، أنهار للأرض ، في مزيد من السجود ، أمام النور الذي تجلّى ، فأخذني مني ، وجعلني منك.

وفهمت –لأول مرة- معنى قول الحلاج : "فما في الجُبّة غير الله" !

كنتَ هنا ، أمامي ، بجلالِك ، ووجهِك الحقيقي الذي أخفوه عني سنوات وراء المحظورات والممنوعات والزفت والقطران الذي دهنوا به عقولنا ، وحشوا به قلوبنا ، فاحتجبتَ ، واحتجبنا ، ولم نعد نفهم شيئا !!

كنتُ أبكي.

وأبكي.

ثم أضحك.

والله العظيم ضحكتُ يا رب بصوت مسموع.

كطفل بين يدي ملائكة !

كامرأة عاد حبيبها من الموت فجأة ، وطبع على جبينها قبلة !

كإبليس ، إذ وصله بريد إلكتروني منك أن قد عفوتَ عنه ، وباتت جنتك مفتوحة أمامه ، ليدخل من أي أبوابها شاء !

ثم غابت الرؤية ..

وسقطتُ مغشيا عليَّ.

أنا أحبك.

دون صلاة ..

ودون افعل ولا تفعل ..

دون ذقن وجلابية قصيرة ..

دون شيوخ ووسطاء وسماسرة وأفّاقين ..

ما زلتُ لا أفهم شيئا.

لكنني اليوم ، إذ رأيتك ، وإذ حضنني ملاك ، وإذا أبصرت طريقي ..

لم أعد أريد أن أفهم ..

وسأصلّي لك ..

بطريقتي ، وأسلوبي ، وطقوسي.

وأعلم أنك ستتقبلني كما أنا ، بعيوبي وسقطاتي ، وجهلي ، وبشريتي ، ورغبتي في الفهم والاكتشاف ..

لكن ..

بحق كل الأنبياء والمرسلين

بحق كتبك ورسالاتك ورحماتك التي وسعت كل شيء.

تجلِّ على عبادك.

وأظهر لهم نورك الذي أظهرتَ لي

فقد ابتعدوا ..

ابتعدوا كثيرا ..

ولم يعد أحدهم يراك إلا ظنًا.

أو يصلّي لك إلا إحراجا ، أو عادة ، أو رعبًا منك (وأنت الرحيم).

تجلّ لهم يا رب.

وأرسل ملاكك الذي أرسلت لي

ليحضنهم.



   نشر في 26 غشت 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا