يوميات كاتب في مركز المعلومات (فما رأيت معلما احسن منه) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يوميات كاتب في مركز المعلومات (فما رأيت معلما احسن منه)

  نشر في 21 أبريل 2017 .

بعد انقضاء الأسبوع الثاني ، كان الثلاثة على استعداد شبه كامل للبداية في مباشرة مهامهم المنوطة بهم ، و كان كل شيء معد لهذه الإنطلاقة ، كان يسيطر على قلب يعقوب إحساس فرح مشوب بخوف دفين ، كمثل الطفل المفطوم ، و كان السيد عمر مهران قد أعد العدة للإحتفال بانطلاق هذا المشروع الألماني الوليد ، و كان كل الزملاء بدون استثناء ، يترقبون هذه الإنطلاقة ، بشوق و فرح .

في صباح اليوم الموالي ، أتى يعقوب مبكرا ، و قد كان عليهم هم الثلاثة أن يقضوا بمكان العمل 12 ساعة متتالية ، تشوبها ساعة للراحة و تناول الغذاء ، استثناء ، لأن المشروع كان في بدايته ، و لكن على العموم ، كان الأمر مفرحا جدا ليعقوب فيما يخص توقيت العمل ، فقد كانت موزعة بين ثلاث حصص أسبوعية تتكون من 8 ساعات يوميا ، يتناوب عليها هم الثلاثة ، فالحصة الأولى كانت تبتدئ من الساعة السابعة صباحا و تنتهي على الساعة الرابعة زوالا ، و الثانية ابتداء من الساعة الثامنة صباحا إلى الخامسة مساء ، ثم الحصة الأخيرة ، من العاشرة صباحا إلى السابعة مساء ، موعد انتهاء الفترة المخصصة لمركز المعلومات في مدينته .

أخذ مكانه في أقصى الحجرة ، ثم استعد لاستقبال المكالمة الأولى .. مر كل شيء في سلام ، لم يكن الأمر صعبا كما توقع أن يكون ، كان الأمر سلسا للغاية ، خاصة أنهم أعفوا في البداية من حل المشاكل الكبيرة المستعصية لمدة شهر إلى أن يألفوا عملهم شيئا ما .

في الساعة العاشرة صباحا ، أتى السيد مهران بحلوى فاخرة كبيرة ، و قارورات عصير منوعة ، من أجل الإحتفال بانطلاقهم في العمل . و خففت تلك الأجواء وطأة ذلك الإحساس الغريب الذي يسيطر على المرء حينما يمارس عملا جديدا لوحده ، و يترك هو و شأنه في بحر متلاطم الأمواج ..

توالت الأيام سراعا فمر الأسبوع الأول مرور البرق .. الشيء الوحيد الذي نغص على يعقوب حياته هو عدم تمكنه من اللغة الإنجليزية بشكل كاف للتخاطب المباشر ، لكنه كان ينجح في إيصال المعلومات و استقبالها بشكل جيد ، كانت لغته الإنجليزية مهملة شيئا ما مقارنة باللغة العربية و الألمانية .

في زوال يوم من أواخر الصيف ، قرر السيد مهران ، أنه على الزملاء في العمل استقبال مكالمات من الفلبين و الهند و دول آسيا من أجل تخفيف الحمل عن مركز المعلومات في مانيلا بالفلبين ، و كان هذا يعني بالطبع أن المكالمات ستكون كلها باللغة الإنجليزية .. ، و كان السيد عز الدين و السيد ملاحي يتحدثون باللغة الإنجليزية بدون أي صعوبات تذكر ما شاء الله لا قوة بالله ، الشيء الذي جعله يغبطهم على هذه النعمة الي من الله عز و جل عليهم بها ، و كان مهندسوا الصوت في ظل استعدادهم و اختبارهم لخطوط الهاتف يجرون اتصالات مع الثلاثة الجدد ، من اجل اختبار كل شيء ، و أن كل الأمور معدة لاستقبال المكالمات الآسيوية .

رن هاتف يعقوب ، فأجاب ترحيبا باللغة الألمانية ، لكن المتصل حدثه باللغة الإنجليزية ، لم تكُ مفاجأة بالنسبة إليه ، اجابه ، و لكن الخط كان مشوشا بطريقة ، لم تجعل كلماته لتصل ، فطالبه المتصل بأن يصله بالسيد يونس محفوظ .. ففعل يعقوب .. أتى السيد محفوظ و جلس مكان يعقوب مجيبا المتصل بلغة فرنسية ..

ـ أهلا هنا السيد محفوظ

ـ أهلا ، سيد يونس كيف حالك

ـ بخير بخير ، شكرا سيد بن عيوش

ـ من ذلك الشخص الذي حدثني قبلك ؟

ـ هذا السيد يعقوب ، هو عضو من أعضاء المشروع الألماني الجديد ، يبدو أنك لم تفهمه ، على العموم العضوان الآخران يتحدثان اللغة الإنجليزية بشكل جيد ، أما هو فضعيف جدا ..

قالها هكذا بكل بساطة ، و التفت إليه إمعانا في أنه يتحدث عنه ، ابتسم يعقوب ابتسامة حزينة ، و نظر إلى الأرض التي تمنى في تلك اللحظة لو تنشق و تبتلعه إلى مكان آخر ، هكذا ، هكذا ، أمام كل الزملاء ، ينتقص منه ، و يستهزئ من قدراته ؟ هكذا ، أمام الناس ، يفضح وهنه و ضعف لغته ، ألا يعلم أنه هو أيضا يعاني من ضعف في شيئ ما ، فالكمال لله وحده ؟ هل كان ليروق له أن ينتقص أحد منه لضعف فيه و خلل ؟ تذكر في تلك الثواني القليلة ، كيف أن محمدا صلى الله عليه و سلم ، كان يعلم الأمي ، و يحلم على الجاهلين ، و يوجه الضال و المخطئ بشكل يحببه فيه ، و يفديه بروحه .. و ياتي به إلى الإسلام طوعا .. صلى الله على سيدي .. كيف طاب له أن ينتقص منه ، وكان هو كومة من أحاسيس تمشي على الأرض ، لم يكن يعقوب و لم ير إلا ضاحكا باشا ، طيب القلب من الكل في فضاء العمل .. و لكنها الدنيا

بعد انتهائه من المكالمة ، عاد يعقوب إلى مجلسه ، و كان يعقوب من النوع الذي تُرى احاسيسه على وجهه كما يرى الشخص نفسه في مرآة كبيرة ، كان مزيج من الحزن و الغضب و الإستياء يسيطران عليه في تلك اللحظة ، لم يفهم ، كيف لشخص يفترض فيه أن يعلم الآخرين أن ينتقص من تلميذ ضعيف عنده ، أمام تلاميذه و زملائه ؟ أمضى بقية اليوم مستسلما لأحاسيسه ، و ذهب إلى منزل والديه ، تغالبه العبرات فيغلبها بأن يخفيها عن عيني والدته التي كانت تحس بتغيره كما يحس مرصد الزلزال بأي هزة طفيفة ، و لكنه أقنعها بأن ما من شيء هنالك يستحق القلق ..

بعد أن تناول طعام عشائه ، دخل إلى غرفته ن و كان كل شيء ينذر بشلال دافق جدا من الأحرف و الكتابة ، أطلق العنان لأحاسيسه ، و أبى كبرياؤه إلا أن يجيب السيد محفوظ على صفحات التواصل الإجتماعي فكانت هذه التدوينة :

الأستاذ الناجح ، هو الذي لا ينتقص تلميذا ضعيفا عنده أمام زملائه ، ويكأن الأمر بيد الزمن ، فالتلميذ الضعيف ، سيتعلم ، و يغير من إخفاقه إلى نجاح .. لكنه سينقش ما فعله الأستاذ في قلبه كما يعري البحر الصخور ..

مباشرة بعد إرساله للتدوينة ، أعجب بها بعض زملائه الذين أضافهم على صفحته ، بالإضافة إلى عشرات الإعجابات ، و كانت السيدة الإدريسية ، من بينهم ، بعدها بدقائق ، كتبت إليه محادثة قائلة : لا تحزن سيد يعقوب ، هكذا هي الأحوال في بلاد متخلفة كالتي نعيش فيها ، أنا أعلم أنك جيد ، و ستكون ناجحا ، لا تابه بما قاله ..

شكرها من كل أعماقه ، خفف ما قالته من حدة توتره ، و عزم فيما بينه و بين نفسه أن يبرهن للسيد محفوظ أنه ليس ضعيفا ، و ليس هو ذلك الشخص الواهن ، بل شخص قوي ، قادر على التأقلم مع كل الظروف الطارئة .. و واعد نفسه بمستقبل واعد و هو يسلم رأسه للوسادة .. تذكر والده .. فأحس بسخونة على خدوده .. و استسلم لشلال الدمع .. و كانت هذه .. بداية بعض المواقف الحزينة في مشوار عمله .



   نشر في 21 أبريل 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا