المثقف مفهومه ودوره في بناء وتطوير وإصلاح المجتمع؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المثقف مفهومه ودوره في بناء وتطوير وإصلاح المجتمع؟

مفهوم المثقف

  نشر في 13 ديسمبر 2019 .

أولا، وقبل أن أستهل الحديث عن المثقف كشخصية مهمة ومؤثرة في المجتمع، دون أن أحدد أي نوع من المجتمعات، فيستجوب عليّ تحديد معنى الثقافة لأصل إلى معنى المثقف بالشكل المطلوب والكافي والشافي لأي قارئ.

الثقافة لغة تُشتق من فعل ثقف، وثقف الشيء يعني فهمه وأتقنه وصار حاذقا فيه. وبناء عليه فإن فعل ثقف يمكن أن يتناسب مع كل حرفة أو صنعة إذا ما أتقنها صاحبها وصار ماهرا فيها. أما اصطلاحا، فتختلف معاني الثقافة وفقا لكل حضارة ولكل أمة، بل وتختلف ثقافة أمة ما على ثقافة أمة أخرى، فنقول ثقافة غربية، ثقافة إسلامية، ثقافة عربية، ثقافة الموت، ثقافة الحياة إلخ...

فيستقيم معنى الثقافة الإسلامية عند الإلمام بعلوم الدين وأصوله وشتى فروعه. وفي هذا الصدد، تعتبر الثقافة الإسلامية "الصورة الحية للأمة الإسلامية، فهي التي تحدد ملامح شخصيتها وقوام وجودها، وهي تضبط سيرها في الحياة وتجدد اتجاهها فيه. إنها عقيدتها التي تؤمن بها ومبادئها، التي تحرص عليها، ونُظمها التي تعمل على التزامها، وتراثها الذي تخشى عليه من الضياع والاندثار، وفكرها الذي تود له الذيوع والانتشار" . وبناء عليه، فإن الثقافة الإسلامية هي باختصار الالتزام بكل ما تمليه هذه الثقافة على الإنسان المسلم، مما يعني أن هذه الثقافة لا تتكون من جملة الأمور التي تميز هذه الأمة عن غيرها من الأمم، من تقاليد، وطقوس أعراف شعبية ومميزات.. والتي عادة تُخلق قبل أن يخلق الإنسان فيجدها جاهزة فيلبسها كما يلبس الثوب، أو على الأقل ينخرط ضمنها تدريجيا طيلة سنوات حياته. وفي المقابل، هي جملة من القواعد التي عليه الالتزام بها وحمايتها بل ومحاولة نشرها خارج الأمة الإسلامية، حتى يكون ضمن هذه الثقافة.

أما أحد أقدم التعريفات المتداولة والشهيرة في العالم الغربي والعربي فهي تعريف الأنثروبولوجي البريطاني إدوارد تايلور (1832-1917) الذي قال إن "الثقافة بمعناها الإنساني الأوسع، هي ذلك كل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع". مما يعني أن إدوارد تايلور، يعتبر الثقافة هي نتاج لكل مركبات المجتمع وكل موروثاته وتفاصيله.

ولسائل أن يسأل، ما دامت الثقافة هي جملة من المركبات والتفاصيل التي تميز مجتمعا ما أو هي جملة من القواعد التي عليه أن يلتزم بها، فمن هو المثقف؟ هل هو شخصية زاخرة بمجموعة من التفاصيل والموروثات والطقوس والعادات والتقاليد أم هو صورة حيّة لفكر أمته؟ أم تراه فكرة مميزة، لا تخضع لأي عادات أو طقوس، بل وربما قد تتحرر من الأديان فتتجرأ على نقدها أو حتى على الكفر بها؟ من هو المثقف؟

ماهية المثقف

بداية، يمكنني القول إن المثقف ليس شخصا يلتزم بمكونات ثقافة بلاده أو أمته أو حتى قبيلته الصغيرة، بل قد يكون هو الشخص الذي يتحداها ويخالفها وربما يرفضها إن لزم الأمر. وقد يقول البعض، إن تحدي هذا الشخص للثقافة قد يسقط عنه صفة المثقف، لكن الأمر ليس بهذه السطحية، وإلا كنا أسقطنا صفة المثقف على غاليلي الذي كفر (بالنسبة لشعبه) عندما أعلن أن الأرض تدور.

وعلى الرغم من أن مصطلح مثقف هو مصطلح جديد نوعا ما، خاصة في العالم العربي، فإن الشخص المثقف اليوم، ليس الشخصية التي تلتزم بتعاليم ثقافة أمته بكل مكوناتها، الفلكلورية، الدينية، الوطنية... وإنما هو الشخصية القادرة على استيعاب المجتمع بعيوبه ومميزاته دون الانصهار في هذا المجتمع دون وعي وإدراك لأسباب ومسببات وخلفية أي أمر يقوم به المجتمع بصفة جماعية أو يدعو إليه أو ينساق خلفه. فيمكن القول إن الشخص المثقف هو الشخص القادر على الحفاظ على وعييه وإدراكه والتفريق بين الصحيح والخطأ والحقيقة والسراب، في زحمة الغوغائيين والمتعصبين والمتشددين في إيمانهم بما يدور في رؤوسهم حتى لو كانت خرافة لا أساس حقيقي لها.

وعليه فإن المثقف هو شخص يرى الأمور بنظرة خاصة ومميزة، قد تختلف وتضارب مع أساسيات ثقافة أمته، وفي هذا يعرف الفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي، المثقف بأنه "كل إنسان يمتلك رؤية معينة تجاه المحيط الذي يعيش أو ينشط فيه". أي قد يكون تميز الشخص، ورؤيته للأمور بطريقة مختلفة، حتى لو خالفت ما يعتبر مقدسا في ثقافة ما، هي أحد أهم سمات المثقف، بل وهي ما يجعله مثقفا.

ولتوضيح الأمر، اسمحوا لي أن أستعين بصورة لرمز المثقف شاهدتها في أحد السلاسل الأجنبية (See)، تروي حكاية عالم خيالي تمكن فيه الإنسان من النجاة بعد وباء طال جميع البشر، ليبقى على الكرة الأرضية ما يقارب مليوني إنسان فقط، فقدوا جميعا البصر. وتوارث الجميع هذه العاهة. وبعد مضي عدة قرون، بدأ الإنسان يعيش كما لو أنها لم تخلق له أبدا هذه الحاسة المهمة. وأول شخص مبصر خلق بينهم، أعلن ابصاره وقدرته على رؤية السماء والشمس والقمر والنجوم، وقراءة الكتب القديمة التي وجدها آثارا للإنسان القديم (الذي يمثل الإنسان الحالي)، اعتبر كافرا ومهرطقا. ولذلك فإن إبصار الحقيقة والعلم وسط مجتمع تحيط به ظلمات الجهل أو الانغلاق والإصرار على فكرة ما مهما طالت قدسيتها، يعتبر تحديا وهذا التحدي في حد ذاته، هو ما يميز المثقف.

أما الكاتب والفيلسوف والروائي الفرنسي جون بول سارتر فيعتبر أن المثقف "هو ذلك الذي يدس أنفه فيما لا يعنيه". وهنا تكمن وظيفة المثقف في بناء وتطوير وإصلاح المجتمع الذي يعيش ضمنه. فالمثقف بعد استيفاء جميع الشروط التي تجعله جديرا بهذه الصفة فإن عليه أن يحشر نفسه في كل ما يتعلق بالمجتمع، فيبدي رأيه وينقد ذاك النقد البناء الذي من شأنه أن يزعزع المجتمع ويثير في عتمة وعيه زلزالا حقيقيا، قد يفزعه. وفي هذه الحالة قد يقبل المجتمع أو بعض فئاته هذا النقد، ولكن في غالب الأحيان، ترفض المجتمعات خاصة تلك الأشد تعصبا وتعلقا بفكر ما أو طريقة عيش ما، أي نقد مهما كان يحاكي المنطق ويعكس الصواب. ونتيجة لذلك، قد يتحول المثقف إلى شخص منبوذ اجتماعيا.

اغتراب المثقف

وهنا يقع المثقف ضحية الاغتراب داخل مجتمعه. وتجدر الإشارة إلى وجود نوعين من "المثقف" الأول، يصارح باختلافه ويتجرأ على النقد والثاني يخادع ويخفي نفسه عن المجتمع، أي أن "أحدهما ظاهر للعيان وينتقد صراحة والآخر فبقدر ما هو مخادع ينكر من حيث المبدأ" . وفي كلا الحالتين يؤثر هذا الاغتراب على دور وتأثير المثقف داخل مجتمعه.

وفي هذا الصدد، يقول الكاتب والرسام والناقد الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا مفسرا كيف يكون المثقف مغتربا فيقول "فهو قد يكون مغتربا بغيابه عن الوطن، وقد يكون مغتربا وهو في قلب الوطن، قد يغترب بنفي نفسه عن وطنه طائعا، لاختلاف سياسي مع بلده، وقد ينفي نفسه لأسباب اجتماعية، لأنه ما عاد ينسجم مع تقاليد وأعراف بلده، مهما تكون أوضاعه السياسية، هناك من يغترب بسبب حسه القومي، بقدر ما هناك من يطلب الفناء في وطنه بسبب ذلك الحس بالذات" .

وبحسب جبرا إبراهيم جبرا قد يكون هذا الاغتراب دافعا للمثقف لمزيد الإبداع. ومن وجهة نظري الخاصة، قد يكون الاغتراب الذي يتعرض له المثقف بالفعل دافعا لمزيد الابداع والغوص أكثر من أعماق مجتمعه من أجل استخراج أسوأ ما فيه وتقديمها على طبق من فضة لهذا المجتمع، من خلال أغنية أو كتاب أو مقال أو فيلم سينمائي. وهنا إما يقبل المجتمع أو فلنقل المتلقي هذه المادة المقدمة إليه فيشعر أنها بمثابة المرآة التي تعكس خفاياه وسلبياته ونقاط ضعفه، أو يعتبر ما قدم إليه مجرد هرطقات.

وفي أحيان أخرى، قد يدفع الاغتراب المثقف لقاع الحضيض، فينسلخ عن نفسه ويتحول إلى مسخ في هيئة مثقف. والمثير للاهتمام أن هذا النوع من المثقفين، قد يكون هو الأشد تأثيرا خاصة في المجتمعات العربية. على سبيل المثال، عندما ينقد أحدهم السياسة أو الدولة أو السلطة أو فلنقل في بعض المجتمعات الدين، وخاصة إذا لاقت انتقاداته تأثيرا وتفاعلا من قبل المتلقي والذي عادة يكون من العوام. حينها ستحاول السلطة (هنا السلطة كرمز، أي يمكن أن تمثل سلطة سياسية، حزب، فكرة، منصة إعلامية، توجه ديني أو عرقي معين...) استقطابه لصفها وجعله بوقا خاصا بها، ليتكلم باسمها وينادي بما تريده وبما يخدم مصالحها. وهنا قبل تكليف "المثقف" من هذه المهمة، يجب التأكد من مدى تأثيره على العوام.

وعلى هذا الأساس، فإن المثقف إما يكون مصباحا ينير ظلمة العقول، ويوجه خيوط النور نحو دروب الوعي والعلم. وإما يكون قردا يلهي شعبه وينأى به بعيدا عن مشاغله وقضاياه الرئيسية التي قد تفيده وترقى به إلى مصافي المجتمعات المتقدمة أو فلنقل الواعية.

وفي كل الحالات، فإن المثقف يبتعد كل البعد عن ذاك الرجل أشعث الشعر، وئيد الحركات، مبهم الكلمات. ذاك الذي يخفي عيناه خلف نظارة عتيقة ورأسه تحت طربوش قديم. يتأبط صحيفة قديمة وكتابا سميكا أصفر الأوراق، قد قرأه مرات ومرات. يرتاد المقاهي والحانات نفسها ويجلس خلف الطاولة نفسها ليشرب القهوة أو الجعة. ويمارس بعض الطقوس اليومية المقيتة أمام الجموع، من لغو فائض عن الحاجة ونقاشات عقيمة وحركات استعراضية سيئة تشعره للحظات أنه شخص مهم. ثم يعود إلى منزله ثملا فيرمي بملابسه البالية وينام بضع ساعات ليذهب في اليوم التالي إلى عمله المكتبي الذي لا روح ولا نكهة فيه.

المثقف برأيي قد يكون شخصا أميا لم يقرأ كتابا، من تلك الكتب التجارية التي تزين المكتبات الفاخرة وتتحدث عنها الصحف ومحطات التلفزيون والإذاعة، إلا أنه قرأ الكون وفهم أسراره. بل ربما قد يكون فهم جزءا بسيطا من أسرار هذا الكون. سر صغير جدا، يتمثل في مفتاح بسيط، يديره المرء بشكل خفي فيجعل عقله يشتعل وينير كل الظلمات، ودون هذا المفتاح، حتى لو قرأ الفرد آلاف الكتب وطالع آلاف البحوث والدراسات والمقالات فإنه سيبقي على عتمة ذاك الشيء المحفوظ داخل جمجمته.  



   نشر في 13 ديسمبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا