علم اجتماع ما بعد الحداثة : علم الاجتماع الجديد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علم اجتماع ما بعد الحداثة : علم الاجتماع الجديد

نحو علمجة الحياة

  نشر في 04 ديسمبر 2016 .

حينما صغت مصطلح ( العلمجة ) أي علمجة الحياة ، فإنني عنيت بذلك إخضاع الحياة الانسانية لمنطق الاجتماعي تحت مضلة ( علم اجتماع ما بعد الحداثة ) ، فمسائل السياسة و الاقتصاد و الثقافة و غيرها لابد أن تخضع اليوم لقوة السوسيولوجيا ، فإذا كان عالم الاجتماع الفرنسي ( ألان توران ) صاحب الحركات الاجتماعية الجديدة يرى بأن عصور خضوع الحياة الانسانية لتفسيرات الفلسفة السياسية ( عصر ما قبل الصناعة ) ثم للتفسيرات الاقتصادية ( عصر الصناعة ) قد ولت ، فعصر اليوم ( ما بعد الصناعة ) لا بد أن يخضع لسلطة السوسيولوجي ! ، حقا ، لا نود أن نفكر حتى في مقولة ( نهاية المجتمعات ) تلك ، فعالم الاجتماع و الفاعل الاجتماعي سواء كان فردا أو حركة اجتماعية أو مؤسسة اجتماعية لم ينتهي بعد ، علم الاجتماع اليوم هو العلم القادر على فهم الواقع بكل مؤسساته الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية .. فلا ينبغي لنا أن نستسلم كلية لمقولة نهاية المجتمعات التي زجر بها ألان توران من فرط آلامه و إحباطاته كعالم اجتماع بخصوص الدور السلبي و الهامشي الذي لعبه علماء الاجتماع في عصر الحداثة ، ما أفضى عن سلبية الفاعل الاجتماعي و المؤسسات الاجتماعية التي جرت بدورها المجتمع إلى الإنتهاء الحتماني ! ، فهو أراد ببساطة أن يكون لعلم الاجتماع مكان قوي في تفسير الواقع الاجتماعي الراهن ، و لقد صدق في ذلك ، كما أراد للفاعل الاجتماعي و الحركات الاجتماعية الجديدة و المؤسسات الاجتماعية أن تؤدي دورها الاجتماعي في التغيير و إلا فهي قد أعلنت موتها ! ، فعلا ، لا بد أن يكون السوسيولوجي هو الفاعل اليوم في إطار ( علم اجتماع ما بعد الحداثة ) خاصة و نحن على أعتاب هذه الحداثة المتأخرة ، إذ أثبتت لنا التجارب الواقعية اليوم أن التغيير الاجتماعي الحاصل لن تفهم حيثياته و لن تفسر بواعثه إلا بالاجتماعي ، لا سيما تلك التغيُّرات الاجتماعية و السياسيَّة التي حدثت مؤخرا تحت مسمى الربيع العربي بكل حيثياتها و بواعثها . فما هو إجتماعي لا يفسر إلا بما هو اجتماعي ، كما قال دوركايم بالأمس ..

و عودة إلى الخلف ، نذكر بأن علم الاجتماع قد جاء نتيجة للحداثة ، كما كانت الحداثة كذلك موضوع علم الاجتماع لعقود طويلة ، فبواعث الثورتين الفرنسية و الصناعية جسدت مخبرا اجتماعيا للبحث و التنقيب في موضوعات الحداثة المتفرقة و التي غيرت ملامح المجتمع الاوروبي نحو قناعات : ( الوضعية ، العلم ، العقلانية ، الاعتقاد القوي بضرورة التقدم ، التأكيد على الانتاج و الربحية ، الدولة القومية ...الخ ) . و هو ما جعل علم الاجتماع يبرز على أنه ( علم وضعي يبحث في القوانين التي تحكم سيرورة المجتمع ، يدرس الظواهر الاجتماعية بموضوعية ، ذو مدخل عقلاني يؤمن بالفعل الأداتي / الانتاجي ، يعتقد و يرسخ فكرة التقدم و التحضر و يسعى إلى فهم و حل إشكالات الحداثة ، موجه لخدمة السياسة و دعم الدَولة القومية ..) .

إلا أن علم الاجتماع الجديد ( علم اجتماع ما بعد الحداثة ) قد ارتبط  بقضايا جديدة لمجتمعات ما بعد الحداثة postmodernity societies ، فلم تعد الدَولة القومية ذات صيت بل حل محلها العالم المعولم ( قرية كونية ) أو بيت صغير يتزاحم بين جدرانه سكان العالم بمختلف جنسياتهم ، أعراقهم ، أنواعهم ، هوياتهم .. الأمر الذي حذا بعالم الاجتماع الألماني المعاصر و أهم أقطاب الاتجاه النقدي اليوم ( يورغن هابرماس ) إلى القول بالمواطنة الكوزموبوليتية ! في إطار رؤيته الشمولية للفعل الاجتماعي على أنه فعل تواصلي . كما لم يعد النظام أو السياسة الموجه الوحيد للحياة الاجتماعية بل ظهر ما يسمى بسياسة الحياة ( أنتوني جيدنز ) و التي تسيرها حركات اجتماعية جديدة مثل : النسوية ( و المرتبطة بالجندرية و الجسدانية ) والتي جعلت شعارها معبرا عن ذلك ( the personal is political ) ، و غيرها من الحركات الأخرى المحاذية كأنصار البيئة ، حقوق المثليين ، حقوق الحيوان و غيرها ..

كما تراجع الاهتمام أيضا بسحر النمو الاقتصادي ( الصناعي ) مقابل تفشي ثقافة الاستهلاك و الخدمات ، خاصة بعدما لاحت في أفق الحداثة و تربعت على عتبة ما بعد الحداثة جمة من المشكلات كان السبب المباشر فيها هو سياسة التصنيع و فلسفة الرجل الأبيض المغامر ! ، و كان أبرز مشكل هو الدمار البيئي ( إنسان - حيوان - نبات - أرض - هواء - مياه جوفية - بحار و محيطات - غابات - طبقة الأوزن ) و كل ما تعرضت له الأرض من اعتداءات الرجل الأبيض المغامر الذي آثر الربح السريع و تحقيق اللذة و المنفعة القصوى على حساب الأجيال المستقبلية ، الأمر الذي استدعى إيجاد بديل تنموي و هو ( التنمية المستدامة ) .  و مما لا شك فيه أن هذا الموضوع الجديد الذي بات يطرح بقوة في عصر الحداثة المتأخرة كما يسميها جيدنز ( أي ما بعد الحداثة ) لهو من الموضوعات الرئيسة التي حضيت باهتمام علم الاجتماع الجديد ( علم اجتماع ما بعد الحداثة ) ، فخرج من رحمه ما يسمى ( علم اجتماع المخاطر ) كفرع جديد ليسلط الضوء على مختلف المخاطر التي نجمت عن الحداثة الغربية سواء كانت بيئية ككارثة ثقب الأوزون ، أو غيرها مثل الاٍرهاب الدولي و الدمار الشامل و الحروب الكيمياوية و المفاعلات النووية و  التكنولوجيا الحيوية للاستنساخ و  السيدا و  الوباءات كجنون البقر و غيرها .. ، و أثر هذه المخاطر على الانسان الذي هو وسيلة التنمية و غايتها و أهم عنصر من عناصر النظام الإيكولوجي دون ريب ، ما جعل مجتمع اليوم يطلق عليه ما سماه عالم الاجتماع الألماني ( أولريش بيك ) : مجتمع المخاطر .

أضف الى ذلك ، تحول الأنظار في عصر ما بعد للحداثة نحو الثقافة بدل الاقتصاد ، فالمجتمع المعولم بات خاضعا لسلطة تكنولوجيا الاتصال التي جعلت منه قرية كونية على حد تعبير ( مارشال ماكلوهان ) ، هذه التكنولوجيا مكنت من توسيع نطاق التبادل الثقافي بين الأفراد و الجماعات و المجتمعات رغم تباعد المسافات ، فحدث ما يسمى بالانفجار الثقافي ، كما مكنت أيضا من تَوسيع نطاق تبادل المعلومات و المعرفة خاصة و نحن نعيش اليوم في كنف عصر المعلومات تحت مضلة إقتصاد جديد و هو : إقتصاد المعرفة ، فلا الزراعة ولا الصناعة من يحرك مجتمع اليوم ( مجتمع المعلومات) بل قوة المعلومة هي المحرك ، و هي الأساس الداعم اليوم لقطاعات الاقتصاد المختلفة من ريع و زراعة و صناعة و خدمات ..

من جهة أخرى ، نجد مقولة ( نهاية التاريخ ) لعالم السياسة و الدبلوماسي الأمريكي / الياباني فوكوياما التي راجت في التسعينيات من الألفية الماضية ، منحت لأمريكا فسحة من الوقت لتمد رجليها نحو أفق الجنوب في غفوة استراحة لم تدم طويلا ! ، حيث استفاقت من تلك الغفوة على وقع صرير قلم أستاذه و الخبير الأمني هانتنجتون الذي أعلن عن ( صدام الحضارات ) ، فعلى أمريكا إذن أن تتجهز لنوع جديد من الصدام ليس صداما ايديولوجيا و إنما هو صدام ثقافي - ديني .. و هنا بدأ عنصر الثقافة يلعب دورا حاسما في اللعبة السياسية العالمية مما جعل القوى المسيطرة تصنف الجماعات و الدول بناء على الثقافة - الدين ، على حد قول ( جورج بوش ) آنذاك : من يسير على خطى أمريكا فهو معنا و من يتخلف عنها فهو ضدنا ! فتم تصنيف المتخلفين عن سياستها الخارجية من الدول المستضعفة في خانة ( الدول المارقة ) أو المارقون ، تبعه إنتاج ظاهرة الاٍرهاب الدولي و ما صاحبها من تغيرات جيو-سياسية ،  لتغذي بذلك نعرة راعي البقر المغامر .. و إنه من الأهمية بمكان ها هنا أن أشير إلى عالم الاجتماع الامريكي المعاصر ( هوارد بيكر ) استدلالا به ، و الذي قد سبق و تحدث عن معايير الانحراف في كتابه الموسوم ب Outsiders ( الخارجون : دراسات في علم اجتماع الانحراف ) و الذي قال فيه أن القواعد و القوانين هي من توصم الأفراد بوصمة الانحراف أو الخروج عن القانون ، فقد تكون في نظر القانون مجرما منحرفا مارقا في حين أنك غير ذلك ، و لكن لأن القانون هو من صنف فعلك على أنه غير قانوني ! ، و كذلك نرى القانون الدولي يصنف الجماعات بما تهواه عصاه فيجعلك مارقا لأنك ببساطة لم تخضع للقانون الذي صممته الفئة الغالبة و فرضته عليك ، و في ذات السياق يجادل ( نعوم تشومسكي ) في مناضرة له مقابل ( ميشيل فوكو ) حول مسألة العدالة ضد السلطة : قد يخترق أحدهم الإشارة المرورية الحمراء ليس لأنه خارج عن القانون و لكنه اخترقها لينقذ شخصا ما ، فيوصم بعدها بنص القانون على أنه منحرف اخترق القانون و لكن في الحقيقة هو شخص نبيل ! فليس من المعقول أن يجرم الفرد على فعل انساني لمجرد أنه لا يتماشى مع قانون الغالب .. هكذا لعب القانون الدولي كذلك دوره في تنميط المجتمعات و حسم الصراعات و إخضاع الثقافات . 

كل هذه التغيرات الجيو- سياسية والثّقافية و التكنولوجية الاتصالية والاقتصادية و البيئية و الاجتماعية التي تحدثت عنها للتو ، و غيرها ، شكلت الأرضيّة المجتمعية التي ينطلق منها علم اجتماع ما بعد للحداثة ، فبات لزاما على علم الاجتماع الجديد أن يضطلع بالدور الحقيقي فيما أسماه جيدنز بالانعكاسية أي الوعي النقدي ، فعالم الاجتماع وفق خارطة علم الاجتماع الجديد هو ذو وعي نقدي بالمخلفات السلبية لعصر الحداثة ، وعي نقدي بالقضايا الشائكة لعصر ما بعد الحداثة ، وعي نقدي بكل ما دار و يدور في العالم .. و لذلك أقول أن عالم الاجتماع اليوم لا بد ان يتحرر من سلطة الفكر البنائي الشمولي ، سواء الوظيفية أو الماركسية ، و ارتباطهما المستميت بالايديولوجيا و النظام السياسي ، بل عالم الاجتماع اليوم هو ذلك المنشغل بقضايا جديدة ، سبق و أن ذكرتها ، جعلت كل الطبقات و كل المجتمعات على حد سواء تعاني المعاناة نفسها ! و تطرح الإنشغال نفسه ! و تتكاتف لبحث الحلول المشتركة ! ، إنها التغيرات الكونية التي وقفت على عتبة مجتمع ما بعد للحداثة ، و التي جعلت كل المجتمعات ( غنية كانت أم فقيرة ) تتقاسم الخوف حول مصير العالم ( المصير البيئي على وجه الخصوص ) . و يمكنني أن أخاطب أصحاب النزعة البراغماتية في الاقتصاد بلسانهم فأقول أن الطبيعة نفسها التي بررتم بها مغامرات الرجل الأبيض هي نفسها من عاقبتكم ، فأرغمتكم على تقاسم الخوف مع فقراء العالم بعد أن رفضتم تقاسم (الثروة - الموارد - التكنولوجيا ) معهم لعقود طويلة من الزمن ..

حينما بزغ نجم الاجتماعية التي لا زال لم يكتب عنها الكثير( ميشيل باريت ) michelle barett مؤخرا ، و التي تميزت بأعمالها النسوية ذات النزعة الماركسية مع ماري ماكينتوش Mary MacIntosh ، خرجت على الساحة الأكاديمية لعلم الاجتماع لتعلن عن خارطة طريق لما يسمى : علم الاجتماع الجديد ، فبينت الموضوعات الجديدة لعلم الاجتماع ، و هي حول مسائل الهوية و الذات و الجندرية و الثقافة و الكونية و التعددية .. بعيدا عن تلك المسألة التي لطالما طبعت علم الاجتماع من قبل و هي ثنائيات ( الفرد / المجتمع ، الفعل / البنية ، الذات / الموضوع ، الطوعية / الجبرية ، الحرية / الحتمانية ، الفاعل الاجتماعي / البناء الاجتماعي ..) ، حتى أن علماء التفاعلية الرمزية اليوم قد أصبحوا يفضلون استخدام مفهوم الهوية بدل مفهوم الذات ( الذّات هنا تعني الفرد ) . . و لعل أن من أبرز الوجوه السوسيولوجيّة التي اهتمت بدراسة قضايا شائكة في عِلْمُ اجتماع ما بعد الحداثة كل حسب توجهه و مشاربه ، هم : أنتوني جيدنز ، جيفري ألكسندر ، أولريش بيك ، ألان توران ، نيكلاس لومان ، يورغن هابرماس ، بيتر برغر ، راندال كولينز ، باتريشيا هيل كولينز ، أرلي رسل هوشيلد .. في المقابل لا يفوتني القول كذلك ، أن خارج بيت علم الاجتماع نجد ( ميشيل فوكو ) المنظر المابعد حداثي الأكثر تأثيرا في علم الاجتماع ، من خلال أطروحاته المتنوعة في مجالات الفلسفة و التاريخ و علم النفس و الابستيمولوجيا و التي لامس من خلالها علم الاجتماع ، لا سيما منظوره ( مابعد البنيوية ) الذي استفاد منه عِلْمُ الاجتماع المعاصر و الجديد بشكل واضح .

إذن ، فعلم اجتماع ما بعد الحداثة قد تخطى الفصل بين هذه الثنائيات نحو الربط بينها ، و النظر للبناء الاجتماعي و الفاعل الاجتماعي على أنهما مكملان لا يتعارضان .. فعلا ، لقد تجاوز اليوم علم اجتماع ما بعد الحداثة ذلك التشرذم الحاصل بين ( الماكرو سوسيولوجي ) و ( المايكرو سوسيولوجي ) الذي أودى بمكانة علم الاجتماع إلى التراجع ، و هو الأمر الذي حذا بالبعض من علماء الاجتماع المعاصرين إلى الانتفاض ضد هذا الانقسام النظري ليعلنوا عن ميلاد علم اجتماع جديد يرفض الثنائيات المتشرذمة و يؤمن بالازدواجية و التكامل بين الماكرو و المايكرو ، البناء و الفاعل .. هو علم اجتماع مابعد الحداثة الذي يضطلع بالدور الحقيقي في محاكاة و مشاكلة الواقع الجديد بكل قضاياه في عصر المابعديات ( ما بعد الحداثة ، ما بعد الصّناعة ، ما بعد البنيوية .. الخ ) .

 و رغم أن هناك من يزعم أن نظرية ما بعد الحداثة هي حالة متقدمة من نظرية الحداثة ، في حين يرى البعض الآخر أنها منفصلة عنها ، إلا أننا نؤكد بأن نظرية ما بعد الحداثة تختلف عن نظرية الحداثة في كونها ليست نظرية شمولية كليانية ، و إنما هي نظرية تعددية ، كما أنها أيضا ليست نظرية ثابتة ذات نسق جامد و إنما هي نظرية متغيرة دينامية تتماشى مع تغيرات النسق العام ، و بالتالي فهناك فرق واضح جلي بين النظريات الشمولية التي كانت بالأمس و بين نظرية ما بعد الحداثة كنظرية دينامية مرنة تؤمن بالفردانية و الذاتية و التنوع ، كما تؤمن بتعدد الرؤى و اختلاف المنظورات ، و هو تماما ما جاءت من أجله المدرسة التفكيكية ( جاك دريدا ) و التي غالبا ما توصف على أنها ما بعد البنيوية ، و هي من دون شك كتيار فلسفي أثرت في عِلْمُ الاجتماع الجديد إذ تعتقد جازمة بتعدد الرؤى و القراءات للمشهد الواحد فالمعنى ليس ثابتا و ليس حياديا بالنسبة لها و إنما لكل قراءته و فهمه للنص أو المشهد ، فما يراه أحدهم صحيحا قد يراه الآخر غير ذلك ! ، أو لنقل أنه ليس هناك حزب واحد حاكم ، و ليس هناك جنس واحد مسيطر ، و ليس هناك ثقافة واحدة غالبة ! ، فهذا هو منطق مجتمعات ما بعد الحداثة .

و بعيدا عن تلك المزاعم التي تجادل في ما إذا كنا قد دخلنا عصر ما بعد الحداثة أم لم ندخله بعد ، و تجاوزا أيضا لتلك الانتقادات الليبرالية و الماركسية لتيار مابعد الحداثة و رفض الاعتراف بخصيصة المرحلة الراهنة المابعد حداثية ، نقول أن الفيلسوف و عالم الاجتماع ( جان فرانسوا ليوتار ) منذ سنوات قريبة مضت قد فتح بابا لبزوغ نجم نظرية ما بعد الحداثة بنقده للحداثة كما كشف أسطورة النظريات الكبرى ، و صدر مفهوم ما بعد الحداثة نحو العلوم الاجتماعية ، و بات جليا أن التغيُّرات المجتمعية قد أظهرت أن هناك منظورا جديدا غير شمولي ، لا يؤمن لا بالتفسيرات الشمولية للواقع الاجتماعي و لا بدوغمائية الفكر الأوحد ، كما أنه يشكك في مقدرة المنهج العلمي و التطبيقي في تفسير الحياة الاجتماعية فخط لنفسه فجًّا ذاتيا وجدانيا ، جماليا و أخلاقيا ، تواصليا بعيدا عن العقلانية الأداتية  .. و انتقل بعلم الاجتماع من مرحلة إلى أخرى جديدة جعلته يركب موجة مابعد الحداثة فصار لزاما علينا أن نتلفظ و نقول : عِلْمُ اجتماع مابعد الحداثة ، هذا العلم الجديد الذي بدأ ينزع نحو بديل نظري جديد ، نحو نظريات سوسيولوجية تعددية منفتحة و مرنة ، بعدما تربعت على عرشه لسنين طوال تلك النظريات الكليانية ذات الفكر الشمولي و الأوحد .

د / لبنى لطيف 


  • 1

  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 04 ديسمبر 2016 .

التعليقات

sami yamine منذ 6 شهر
هل الانعكاسية جيدنز القول بوعي نقدي تجاه سلبيات الحداثة تشبه نظريةالتحديث الانعكاسي وشكرا لك ياستاذة بالتوفيق
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا