المرعى أخضر لكن القطيع عليل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المرعى أخضر لكن القطيع عليل

المرعى أخضر لكن القطيع عليل...

  نشر في 18 غشت 2017 .

المرعى أخضر لكن القطيع عليل...

هيام فؤاد ضمرة...

من رحمة الله أن خلق الله البشر مختلفين كسنة طبيعية فيهم لحاجة ماسة إلى إعمار الأرض واختراق الكون، وجعل في اختلافهم النفع والتنوع، كما جعل في نفوسهم وشخصياتهم ومشاعرهم ومداركهم فوارق تصنع ذلك الاختلاف بحيث لا يستطيعون إلا العيش في جماعات ضمن مجتمعات ليكونوا باختلافهم مكملين لبعضهم في الميول والقدرات والمواهب والأعمال، وقد تتقارب الأفكار والحالات النفسية إلى حد ما وقد تتباعد كذلك، وقد يكتفي البعض بقدراته البسيطة فيرضى بما تيسر له من امكانات، وقد يألف البعض حالة التحدي واختراق حدود العادي إلى غير العادي فينجح بالاختراع والابداع وينال فرص التميز.. إنما الانسان كذلك يختلف في ردود أفعاله وحالته العصبية، وكأن بعض الحالات تفقد قدرتها على ضبط نفسها والتحكم بردود أفعالها بسبب ما قد يتهيأ لهم من وضع نفسي ليس بيدهم القدرة على ضبط مفاهيمهم والسيطرة على أنفسهم تحت جلدات الغضب

ومن هنا كان اختيار العنوان ليؤدي مدلوله حول الحالة النفسية التي تجعل الانسان تتلبسه الحالة السلبية للعصبية والتوتر والخروج عن حدود الاعتدال والتحكم بالذات

البعض من الناس سريع الغضب بطيء الفيء إلى حدود التطرف بالمعاملة، إذ يبدو أنهم سرعان ما يفقدون بوصلة ردود أفعالهم ويتفلتون عن حدود الأدب والتخلق بخلق العاقل والمؤمن، أي يفقدون الأخلاق على دروب ملتوية لحياة مرهقة غير اعتيادية يكون لها أثر غير عادي في احداث الضغط على النفس وانقلابها السريع إلى العنف، فيطلقون الأعنة لمنطوقهم لأنْ يفحش بالقول أمام أبسط استفزاز، ويستخدمون أسلوب القدح والذم والبلطجة وفي بعض الأحيان انفلات الذات نحو العنف في مواجهة الاستفزاز، لأنهم لم يجدوا من يقوِّم لهم أنفسهم ويهذب اعوجاجهم في ضبط اللسان وتحكيم العقل واتزان الفكر وتجميد رد الفعل العنيف من خلال التحكم بالأعصاب الثائرة

والانسان يكاد يتعرض يوميا لمواقف الاستفزاز، تلك التي لا توافق المزاج ولا تناسب مجمل المواقف، وقد تثير غضبه وتستفز مشاعره فيتأهب بسرعة للانفجار غير المنضبط، ويتحول فاهه إلى قاذف للعبارات المسيئة، فتأتي استجابته المنفعلة على قدر كبير من التهيج، يشقُّ على البعض منع نفسه من الانسياق إلى الغضب الثائر، فإذا به بوقاً أرعن لإلقاء مقذوفات جارحة وغير منضبطة أخلاقيا

(إنَّ أكملَ المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقا )

ارتباط الإيمان بالأخلاق هو ارتباط متوازي تماما في مواقع ومتقاطع في مواقع أخرى، فكلما حسنت الأخلاق كان للإيمان تواجداً قوياً، فالإيمان مقوِّم فاعل للأخلاق، يُجمِّل ويهذّب التصرف، فالراحمون يرحمهم الله ويؤجرون على رحمتهم، والمؤمنون بصدق أقدر على ضبط أعصابهم ولجم ذاتهم عن الانفعال، فتعودهم على المجاهدة يجعلهم أقدر على الصبر أمام هجمات الاستفزاز وتحكيم العقل في رد الفعل، ففي لحظة الغضب يلجأ الحكيم إلى الصمت والالتجاء إلى الله في استخراج رد فعل غير ثائر، وأيضا الالتجاء إلى الدعاء طلبا للثبات على طاعة الله ومخافة رد فعل الغضب، فالغضب فعل شيطاني يتلبس الانسان الضعيف في نفسه وإيمانه، ولصرف مشاعر الغضب بعيدا والتخلص من مظاهره، على الغاضب الاستعاذة بالهل والاشتغال بأمر من أمور العبادة والتسبيح حتى تهدأ النفس من انفعالها الملتهب، ويلهمها الله تقواها ويستدل من خلالها إلى السكينة، فمن كف غضبه عن الناس ستر الله عورته، وكف الله عنه شرور الاساءة وردات الفعل المتسرعة، فالاستبصار بحقيقة الثواب يصنع للنفس حدود لا يمكن تجاوزها إلا اضطرارًا

( وقلْ لعبادي يقولوا التي هي أحسن)

ثم إن.. (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)

فالتعبيرات الخارجية للوجه ولغة الجسد تعبر عن استجابات ظاهرة للحالة النفسية التي تكون عليها النفس، ولهذا فللغضب مظاهر ظاهرة ترسل رسالتها الأولى قبل التهيؤ لأن يفتح الشخص فمه مخرجًا ترجمة اللا يمكن وغير المأمون

وليس أبلغ من تحديد حالة المسلم ذلك الذي لا يؤذي الناس بلسانه وبتعامله ويحرص على احترام حقوقهم ويؤديها بكل حبية وتطوع تلقائي، القناعة الذاتية بحقوق الغير تضع الانسان أي انسان في وضع التوازن والاتزان في تحكيم العقل

من أسباب الحالات العصبية شعور يترسخ بالذات بأن الآخرين يتقصدون اهانته ويقللون من احترامة أو يستهينون بكلامه ويرفضون مقترحاته استهتارا، فيقابل ذلك بالعصبية الشديدة وانفلات الكلام وتطاول اليد، ويصب جام غضبه بطريقة غير لائقة، وكثير من الجرائم ترتكب لأسباب سخيفة أو لتهيؤات غير صحيحة، فالعقل تلك الآلة العجيبة التي قد تكون في حالة صحية منضبطة وحكيمة، وقد تأخذ صاحبها إلى التهيؤ والتخيل والتقدير غير المتوازن وهنا تدخل صاحبها في متاهات غير صحيحة تأخذه مبعداً كثيراً عن نفسه، أي أنَّ العقل يُخادعه، وأصل الشرّ خديعة تؤدي إلى وهم سلبي فيرى ذلك المبتلي بالحالة الصالح والطالح في غير حقيقتهما، فيَمسك الانسان ببعض الأمور خطأ وببعضها صوابًا،

من الصعب تبني خيار منطقي لموقف ما دون الإدراك بأنَّ الخير والشر شخصانيان، وأنه شعور مسبق نملكة تجاه الأمر نفسه، لا يجب أبداً فقد القدرة على ممارسة الخيار بين فعلين ممكنين، فتجاوز الازدواجية الأخلاقية من أجل الوصول إلى الحيادية واتخاذ التصرف الهادئ السليم أمر محتمل

ومن أسباب العصبيات الجُنوح نحو الفعل الاستفزازي والكِبر وشُوفة الحال، فالقلوب تميلُ مع ميل الأرواح وتشذُّ بشذوذ الأرواح نفسها لتصبح المشكلة معضلة مقلقة، والكِبَر ظاهرة ذهنية غير مرغوبة، فالحبّ والكره متضادان أخلاقيا، لكن الكِبر ينتمي لحالة نفسية ذاتية المنشأ تجعل صاحبها يرى بنفسه ما لا يراه به الآخرين فتصيبه العظمة وتكبر فيه الأنا حدودًا غير سليمة، فينسى الآخر بوجوده هو شخصيا، لأنه ينظر إلى العالم حوله عبر وسط مموه مرتبط برغبته الشخصية المتعجرفة

الخير والتوازن في التصرفات ذلك الذي نستطيع صنعه بقناعاتنا هو نوع من الجزم الذاتي أن السعي الانساني يمنحنا علاقة ثابتة مع الذات، وحميمية مع العالم الخارجي، فيحدد العقل اما هذا الانسان صديق أو عدو.. (فلا تُصَعِّر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحًا إنَّ الله لا يحبُّ كلّ مُختال فخور، واقْصُد في مشيك واغضُض من صوتِك إنَّ أنكَر الأصوات لصوتِ الحمير) فاخلع عنك الغرور وتواضع واغضض بصرك ولا تتطفل على ما لا يعنيك فالتلصص عادة وطيئة بالبعض تحرج الآخرين وتغضبهم وتعرض سرهم للانكشاف

( لا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تحاسدوا)

( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)

فاصفح الصفح الجميل إذا ما وجدت في المكنون قوة واصبرْ على الأذى، واهمل ذي السوء بالطبع لتأمن على نفسك أذاه، فإن الله لا يضوِّع أجر من أحسن وصبر على أذى من هم فيهم السوء

فرط العصبية في بعض حالاتها تعود للعامل الوراثي أو للبيئة، فالوالدان ناقلان للأبناء طبائعهما وعاداتهما بالأغلب الطبيعي، فبيت يكتسحه التوتر والعصبية الزائدة سيؤدي بالطبيعة إلى إدمانها عند الأبناء والتعود عليها وتمثلها لأنه بات يرى بها أمراً اعتيادياً تلبي احتياجاته،

التوجع بسبب مرض أو عطب صحي بأحد الأعضاء، أو الارهاق الجسدي والضغط النفسي يؤديان إلى التوتر والعصبية، المشاكل الزوجية والغيرة تؤدي إلى التوتر والغضب والعصبية لزيادة افراز هرمون الأدرينالين الذي يزيد حالة التوتر والعصبية، الأمراض المزمنة التي يصاحبها الألم والوجع كلها مسببات تؤدي إلى العصبية والتوتر وسرعة الغضب..

ويعتمد العلاج على الشخص نفسه في كيفية تقبل واقعه وكيفية التحكم بأعصابه وتغيير قناعاته تجاه الحياة نفسها وتجاه حظه منها، فالقبول والرضى وتعويد النفس على التروي وضبط الأعصاب أمور صحية للنفس البشرية، فالمشكلة التي تبدو الآن كبيرة سرعان ما تصغر وتصبح في نظر صاحبها سخيفة، فلاتتفوه ولا تتخذ قرارًا وأنت غاضب ، أعطي نفسك الوقت الكافي ومرن أنفاسك على الشهيق والزفير لتملأ رئتيك بالأوكسجين الصافي، توضأ وصلي وسبح واقرأ وردك إن أمكن، فسيمنحك الله السكينة والهدوء.. عوِّد نفسك على عدم التلفظ بالعبارات الجارحة والسفيهة ولا تستخدم أبدا السبّ والقدح والشتم انها عبارات لا تليق بالمحترمين والكبار الواعين.. مقياس حسن تربيتك يتبدى من مستوى عباراتك فلا تحط من قدر نفسك ولا تهنها فتجعلها في أدنى المراتب


  • 1

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 18 غشت 2017 .

التعليقات

Abdou Abdelgawad منذ 8 شهر
الموضوع جيد يتعرض للاختلاف بين البشر وطبائعهم خيرهم وشرهم- احسنت
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا