المسكوت عنه إعلاميا قبل عصر الثورات العربية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المسكوت عنه إعلاميا قبل عصر الثورات العربية

الجانب الديني في إعلام الثورات

  نشر في 15 فبراير 2016 .

ونحن في شهر فبراير/ فيفري، وبعد شهر يناير/ جانفي المنصرم، نستذكر آلاما وآمالا حملها حراك الشعوب العربية التي انساق بعضها على أثر ثورة الياسمين أو ثورة التونسيين الأحرار التي قامت في تونس بتاريخ 17 ديسمبر 2010، هي ثورات جاءت تترا بعضها على أثر بعض: ثورة 25 يناير 2011 أو ثورة الغضب للشعب المصري، ثورة الشباب اليمنية أو ثورة التغيير السلمية بتاريخ 11 فبراير 2011، ثورة الشعب الليبي في 17 فبراير/ شباط 2011 وهكذا الثورة في سوريا والعراق...

لا أريد أن أقف على ما طرح ويُطرح بخصوص هذه الثورات من إيجابيات أو سلبيات، وما نتج عنها من تداعيات خطيرة طالت الأخضر وأتت على اليابس، لا أريد أن أتهم الشرفاء من هذه الشعوب الذين رغبوا في التحرّر من براثن الإستبداد والتخلص من قيود الديكتاتورية، ولا أريد التشكيك في نوايا من يقف وراء إشعال أُوَارِ فتيل هذه الثورات، كما لا أريد أن أقول إن بعض هذه الثورات انقلبت على مبادئها فكانت الثورة المضادة لها بالمرصاد، لا أريد أن أقول إن هذه الثورات في بعض مشاهدها ربما حادت عن مسالك التغيير الصحيحة المرعية شرعا...هناك كلام لا طائل من ذكره فما كان قد كان، وأملنا أن تنتظم معايش مجتمعاتنا من جديد وتستقيم أحوالها، وأن لا تقوم فينا للدكتاتورية قائمة جديدة أو متجددة.

من خلال هذا المقال أودّ الحديث عن بعض ما كان الإعلام يخشى إثارته ويفتح ملفاته إنْ من منظور شرعي فضلا عن المنظور السياسي، إلى عهد قريب كان الحديث عن فقه الجهاد والقتال في الإسلام مسكوتا عنه إعلاميا، يتحدث الإعلام عبر فضاءاته المكتوبة والسمعية والبصرية (المرئية) عن قضايا المسلمين وعلاقاتهم مع الآخر (الغرب وغيره)، يتناول فقه الأقليات المسلمة في بلاد الغرب أو فقه الأقليات غير المسلمة في بلاد الإسلام المترامية المناكب والأطراف، يتطرق إلى فقه العبادات والمعاملات في حلقات متسلسلة، لكن يغيب الحديث أو يكاد يغيب عن فقه الجهاد في حلقات تأصيلية وتفصيلية توعوية موجهة إلى الشباب؛ خاصة حتى لا ينساقوا مع أطروحات الجماعات الإرهابية التي تستظلّ بمظلّة الإسلام وتتلفّع بمِرْطه وعباءته، والإسلام منها براء.

حتى مع الإرهاب الذي اجتاح منذ عقود عددا من بلاد المسلمين، وصار ظاهرة عالمية خطيرة لم تسلم منه حتى دول الغرب؛ ظلّ الإسلام لدى الغرب الرسمي شماعة لاتهام الإسلام ومشجبا لتعليق أخطائه وسياسته الراديكالية في التعامل مع الإسلام وأتباعه، مع تسبّبه بذلك في خلق كراهية لدى الشعوب الإسلامية التي لم تخنع للغرب يوم كان مستعمرا فكيف تفعل ذلك وهي تنعم باستقلاليتها (؟!). في خضمّ ذلك كله، ظلّ الإعلام أيضا غائبا (أو مُغيّبا) عن تعريف الأمة بأحكام الجهاد وضوابطه ومقتضياته الصحيحة؛ حتى لا يُتصوّر أن مطلق القتال في الإسلام هو قتال مشروع وجهادٌ لا جناح على من انتهجه كمنهج للتغيير، ومارسه في الإطاحة بأعناق وإهراق دماء وانتهاك أعراض وأموال لا تستحق ذلك شرعا.

ظلّ الحديث عن الجهاد بشكل تأصيلي وتفصيلي محلّ تهميش من وسائل الإعلام (دون تعميم)، وكأنّ باب (أو كتاب) الجهاد قد أُسقط من مضامين كتب الفقه الإسلامي، وأن مسائله ليست من مسائل الشرع المحمدي التي بُعث بها النبي صلى الله عليه وسلم داعيا ومُبشرا ونذيرا، مع أن الوضع كان يتطلب دخول الإعلام في معركة تصحيح العقيدة الإسلامية وتجريدها من معتقدات أهل الزيغان والضلال، الذين تسبّبوا في تشويه صورة الإسلام.

أقول، لست أعمّم، ولكنني أعني بكلامي إعلام دول مسّها ضرّ الإرهاب، لكنه ظلّ إعلاما مُوجّها لم ينتفض للإسهام في توجيه المنخرطين في الحركات الجهادية والجماعات الإرهابية، حتى اعتقدنا (وهو اعتقاد خاطئ) أن الكلام عن الجهاد صار من المحاذير والمحظورات الشرعية، حتى في إطار إستظهار مسائله ومعالجة واقعه من منظور وتصور إسلامي، أو ربما أُدرِج ضمن الممنوعات القانونية، أو بعيارة أخرى: لعله تحوّر وصار مُحرّما شرعا ومجرّما قانونا.

هذا الكلام أسوقه بالرغم من أهمية تدخل الإعلام بوسائله المؤثرة في صناعة المواقف وضبط التوجهات المجتمعية (المجتمعات)، وتسييرها السير الحسن المطلوب شرعا والمأمول إجتماعيا وسياسيا، ودوره أيضا في تعزيز الأمن الفكري للشعوب المسلمة؛ من خلال تصحيح عقيدتها الدينية وحفظها من كل لوثة فكرية ودخن عقدي ودخيل أيديولوجي، وتلقينها التعاليم الشرعية الصحيحة التي تصون سلوكياتها من أيّ شكل من أشكال الإعتساف والإنحراف.

لكن مع انطلاق الثورات العربية التي خلق بعضها جوا مناسبا لعمل الجماعات الإرهابية المسلحة وربما تفريخ بعضها الآخر، وتشويه صورة القائمين على هذه الثورات، بل والمساس حتى بمصداقيتها، وتهديد لحمة المجتمعات المسلمة ووحدتها؛ صار الحديث عن فقه الثورة من وجة نظر شرعية (الجهاد الإسلامي أو القتال أو الحرب في الإسلام) حتما لازما لا مناص منه، خاصة وأن التشويه قد طال هذه الأحكام حتى من الإعلام نفسه الذي أسهم في اعتماده على بعض المتعالمين في إذكاء فقه الجهاد في الإسلام، وإفراغه من مضامينه الصحيحة أو تجريده من مقاصده المرعية بنصوص الشريعة.

يعني حتى مع وجود ما يُعرف بالثورات التي تتطلّب النظر في مآلاتها ووسائلها نظرا صحيحا، واستشراف نتائجها وتقدير تداعياتها وتأثيراتها الوطنية والإقليمية؛ نجد أن من الإعلام من كانت له في ذلك سقطات وزلات، وأسهم بلعبه على الحبلين في إغراق العالم الإسلامي بفقه ثورة خداج حاق بالأمة وهوى بها إلى المهاوي والمهالك، ومن المعلوم أن الجهاد الشرعي لا يكون إلا لأهل الكفر والعصيان، أما مسائل الخروج على الحاكم والحرب الأهلية والطائفية والنزاعات الداخلية فهي من مطلق القتال الذي بحث أحكامه فقهاء الشريعة الإسلامية تأصيلا وتفصيلا حتى وإن كانوا قد فعلوا ذلك تحت عنوان الجهاد أيضا.

أحبتي، لا مسكوت عنه من أحكام الشريعة الإسلامية؛ طالما أنه يمثل جزء من منظومتها وأحكامها ومسائلها، ومن ثمّ فالواجب المتعيّن إعلاميا المساهمة في التعريف بفقه الجهاد والحرب والقتال في الإسلام بعيدا عن أيّ تهريج أو مزايدة أو مداهنة أو تغليط، والله تعالى حسيب القائمين على الإعلام على نواياهم ومقاصدهم ومع من يتعاملون من أهل الدين.

د/ عبد المنعم نعيمي

كلية الحقوق- جامعة الجزائر 1

في الجزائر العاصمة المحروسة، يوم الخميس 11 فيفري 2016 ميلادي الموافق لـ 02 جمادى الأولى 1437 هجري



  • 1

   نشر في 15 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا