كيف يغذينا الأدب ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كيف يغذينا الأدب ؟

الأدب والعلوم الإنسانية  في صناعة جيل يقاوم الاستبداد والجهل .

  نشر في 11 ماي 2022  وآخر تعديل بتاريخ 17 ماي 2022 .

بالرغم من أن علاقتي مع الأدب والفلسفة وما جاورهما نشأت مبكرا، إلا أنه لا زال يسألني الكثير لحد الساعة عن كيف أستطيع الموازنة بين المسار العلمي والمعرفة الأدبية .

ولعلي أظن أن المسألة لا تحتاج إلى كل هذا التفكير ، لأنني صراحة كائن يتغذى على الأدب ولا أتصور الحياة بدون هذا العنصر الحيوي  .

إلا أن السؤال المطروح دائما : كيف يصنعنا الأدب ؟ وهل يستطيع هذا الأخير الصمود في خضم هذه الثورات العلمية والتكنولوجية ؟ وأسئلة أخرى بنبرة تهكم واستهزاء تتردد على مسامعي : لماذا الأدب؟ لماذا الروايات و الحكايات أمام الدولار والدينار والذكاء الاصطناعي..؟

قبل سنوات ليست بالقليلة أجاب ماركيز على مثل هذه الأسئلة بقوله “لقد فعل الأدب كثيرا في التاريخ، كما جعل العالم أقل اكتئابا. إذا اختفى الشعر والرواية والقصة فلن تكون الحياة سوى زنزانة لا تطاق، تلك القاعة التي تدعى القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تكون مجللة بالستائر السوداء”  .

 

إن الأدب لا كما نتصوره في منظوماتنا التعليمية  طريق لمن لا طريق له وملجأ كل تلميذ غير  راغب في المعرفة ، إن تاريخ الأدب يثبت أنه كان دوما تلك المرآة العاكسة للشعوب والحضارات، وأنه في كثير من الأحيان كان سلاحا جبارا وفتاكا ضد الاستبداد والظلم والاستعباد ، ولعلي هنا أتذكر قول جون بول سارتر

(الكلمات مسدسات محشوة بالذخيرة، والكاتب متى تكلم فقد أطلق النار).

فقد أثبت التاريخ أن الأدب كان أكثر من وثق لمدى خبث المستعمر وكذا معاناة الشعوب ضد الاستعمار والاستعباد ، ولهذا فإن نظرية "ما بعد الكولونيالية Post-colonialism" "أو نظرية ما بعد الاستعمار" هي أكثر من أخذت الأعمال الأدبية على محمل الجد وأدركت أن هذه الأعمال لم تكن للتسلية والترفيه فقط بل كانت تعكس العديد من الرؤى والقناعات .

يذكرني حدث اليوم المؤلم لمقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة  من طرف المغتصب الصهيوني بدور الأدب في رسم الهوية الفلسطينية، أليست الرواية الفلسطينية وإن تعددت أقلامها وتياراتها أول من شد بيدنا وفتح أعيننا  على القضية وبلور في أذهاننا صورة متكاملة عن الوطن والهوية والانتماء .

وإن كانت فعلا هذه الرواية الفلسطينية وأدب القضية لا يكشف عورات هذا المغتصب ويعري أدواته وطرقه القذرة في التعامل مع الشعب الفلسطيني ما كان كل هذا الترهيب نحو المثقف الفلسطيني ، وما كان ليحدث اغتيال غسان كنفاني وأمثاله ظانين عبثا أنهم بذلك قتلوا معه فكرهم ووعيهم . هيهات ثم هيهات ليموت الحق أو ليموت قلم حي ينضخ بالحقيقة كقلم كنفاني !

إن الأدب يبقى أنجع الطريق لقراءة الواقع وللمجتمعات بجميع مكوناتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.. ، وبالتالي فإن المطالع للأدب أكثر فهما للواقع وللطبائع الاجتماعية والبشرية ، فقد تبدو لك الرواية منذ الوهلة الأولى أنها مجرد سرد لأحداث معينة في زمن ما إلا أنها في الحقيقة تقول وتوثق الكثير أكثر من ما قد توثقه كتب التاريخ  أو علوم الاجتماع. ولنأخذ روايات نجيب محفوظ على سبيل المثال،  إنني لا أستطيع تصور فضل محفوظ علي في فهم المجتمع المصري وتحليل تركيبته وسيكولوجية شعبه في محطات كثيرة من التاريخ .

وإن كان الأدب يساعدنا على فهم الواقع ، فإن له القدرة على جعلنا ننفصل عنه أيضا  ، الشيء الذي يكون مطلوبا في الكثير من الأحيان. إن الإنسان تأتي عليه لحظات يتمنى فيها الهروب من الواقع ولو لبضع دقائق ، ولعلي لا أجد أحسن من الأدب لتحقيق هذه النشوة اللحظية.

علاوة على هذا، فإن الأدب يصنع من الإنسان شخصية لا تقبل بالجاهز وتستهلكه كما يفعل العامة ، بل يذهب أبعد من هذا فيمكنه من بلورة نظرة نقدية تجعل منه يتسائل عن ما وراء السطور وما وراء الواقع ، الملكة أو القدرة التي لا يستطيع للأسف اللا مهتم بالأدب بلورتها وصقلها.

لقد أدركت القضية الفلسطينية ومفهوم الوطن والهوية بفضل كنفاني، وعشت مع المصريين في فترات عديدة من التاريخ بفضل محفوظ وطه حسين ، تعرفت على الأحياء الخلفية للمغرب المظلم مع زفزاف وشكري، عشت في بيروت لفترة مع غادة السمان، حدثتني رضوى عاشور عن نفسها في أثقل من رضوى، عايشت أوضاع المرأة المغربية على مر التاريخ مع المرنيسي، تعلمت مع كونديرا كيف تصبح الالام مادة دسمة للسخرية ، أقنعني كامو نسبيا بالعبث...وأشياء أخرى عشتها وعايشتها بفضل الأدب وأقلامه.

فالمجد كل المجد للأدب !

....


  • 1

   نشر في 11 ماي 2022  وآخر تعديل بتاريخ 17 ماي 2022 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا