The Run ..الركض داخل الدائرة للبقاء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

The Run ..الركض داخل الدائرة للبقاء

أمل ممدوح

  نشر في 05 غشت 2015  وآخر تعديل بتاريخ 04 غشت 2017 .

     البعض قد تمنحه الحياة عدة فرص للنجاة فإن ظنها مجانية دون مراجعة ابتلعته دائريتها ولا تتوقف إلا متى قرر هو كسر الدائرة ، هكذا تعرض بطل الفيلم الكوت ديفواري " The Run" لهذه التجربة في أول الأفلام الروائية للمخرج "فيليب لاكوت" ، والذي عرض ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الرابعة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية ، وذلك بعد مشاركته في المسابقة الرسمية لمهرجان "كان" الأخير، فالفيلم الذي كتبه وأخرجه " فيليب لاكوت " يدور حول الشاب " ران " الذي ينضم في مطلع شبابه لميليشيات يقوم من خلالها باغتيال رئيس وزراء البلاد إثر توتر وانقسام سياسي ، فيهرب مدعيا الجنون ويبدأ الفيلم من هذه النقطة وهو يركض بسرعة كبيرة في ملابس رثة ثم يروي متذكرا بدء حياته منذ طفولته حتى يصل في النهاية للحظة الحاضر ثم يتحرك بها وبنا معه ، " ران " تقدم له الحياة ثلاث فرص للنجاة من الموت أولها صغيرا في طفولته وثانيها في بدء شبابه ثم ثالثة في شبابه المتقدم ، كان حلمه وهو فتى أن يصبح " صانع المطر " وهو بمثابة وسيط لدى الآلهة لإسقاط المطر فيحظى بمكانة دينية واجتماعية عالية ، فهذه الصفة والدور شبه الألوهي هي أمل تغيير حياته ، إلا أنه يفشل في اختبار أخير قبل تتويجه حيث يعجز عن قتل أستاذه ، لكن رأس أستاذه لم تنج من حلم آخرحيث قطعها آخر يحلم بالتتويج ليفر "ران" هاربا راكضا لينجو بحياته، ليتعرض مرة أخرى للقتل حين فشلت المرأة التي كان يعمل معها في إحدى عروضها حيث كانت تمتهن إدهاش الناس بشهيتها الكبيرة والتهامها كميات كبيرة من الطعام أمامهم (فهي أيضا تنسحق لتحيا وإن سحقت غيرها)، ليهاجمها الناس ساخطين عليها ويهرب " ران "متخليا عنها .. راكضا أيضا ، ثم يتسبب من جديد في قتل من يرعاه .. وهنا كان والده الروحي "أسا " الذي كان يختبىء لديه بعد قتله رئيس الوزراء ، فيقتل أمامه وهو فار مختبىء لا يقو إلا على البكاء قهرا، يبدو " ران " نفعيا وصوليا لكنه في الحقيقة يعاني ، فالإحساس بالتلاشي قد يقود للنفعية بحثا عن الإحساس بالتواجد ، لكنه كان يدفع دائما جزءا من ذاته ليتواجد.. ففي كل مرة من مرات نجاته فقد جزءا منه .. من ذاته ، فالأولى وهو يا فع اضطر أن يكون تابعا تحت إمرة المرأة الكبيرة الضخمة في كل شيء حتى جسديا وحتى في رغباتها، والثانية ادعى الجنون بين الناس ورضي المهانة لينجو ، لكن في المرة الثالثة قرر "ران " التنفيس عن غضبه المكبوت وأن يكون في موضع الفعل .. وأن يحول هذا التلاشي القدر لواقع يستفيد منه من خلال تعويذة تحيله لا مرئيا بالفعل ليقتل قاتل" أسا" منتقما له ولذاته ولمن تخلى عنهم ، فالفيلم فيما أرى يناقش ذوبان الفرد وتهميشه بشكل ليس مباشرا ..بل من خلال ما رأيناه في " ران " من قهر وألم إزاء الاختيارات التي تفرض عليه التلاشي كل مرة بينما تسير داخله بشكل كبير رغبة الحياة والوجود ، بحيث يسير الخطان الداخلي والواقعي الخارجي المتناقضان في خطين متوازيين يشكلان صراعا متكررا، حتى يقرر أن يكون محرك الفعل لا رد الفعل ، فيأتي في النهاية هذا المهمش معلنا صرخته وسط كنيسة بقتل قاتل أستاذه وهو مخفي أيضا.. في صمت اختاره المخرج موفقا في تضاد السكون مع الكارثة أوالجريمة الواقعة .. تماما كحال صراعه وضوضائه الداخلية المكتومة طويلا .. وكأن المشهد يقول أيضا "طالما همشت ولم تروني .. سيوقظكم فعلي" .

اعتمد السيناريو في بنائه حبكة دائرية .. فيبدأ من حيث انتهى ثم يسير بنا لبداية انطلاق الفيلم لنصل جميعا للحظة جديدة في الحاضر حيث القرار ونتيجة الصراع ، والحقيقة أن اسم الفيلم The Run " والذي بدأ بركض " ران " الذي يجيد الركض مع معنى اسمه بالإنجليزية يشير بالفعل ويركز على حالة الفرار المتواصلة كرد فعل دائم ، حتى يكسر دائرة قدره بفعل ثائر يتوقف معه عن الفرار والركض ليذهب أخيرا لمركز خطره بنفسه، ليضعنا صمت المشهد في حالة تأملية لهذه النتيجة . أما الجانب السياسي في الفيلم وإن لم يكن مفسرا أو موضحا بشكل كاف إلا أنه قد تكمن أهميته في إظهار سهولة انقياد شخص مهمش لأن يكون جزءا من أحداث خطيرة وميليشيات سياسية دون وعي أو محرك داخلي أو فكري . وبالتوازي مع بناء الفيلم حضرت البيئة الإفريقية بطبيعتها الغنية وثقافتها وأساطيرها لتخلق صورة بصرية شاعرية أسطورية ممتعة وعمق داخل قتامة الصورة العامة .. فهناك القمر وضوئه والغابات الكثيفة مع الأسطورات الحية بين الناس بما في ذلك السحر ومنه السحر أو التعويذة المستخدمة في نهاية الفيلم لإخفاء " ران " ليحيلنا هذا لجملة وردت في الحوار في بدء الفيلم توحي باتحاد الطبيعة مع الإرادة الإنسانية " طالما القمر موجود والضوء سيظل الفيل واقفا " .. وكذلك كانت تعويذة انتقامه وسط الطبيعة وبموادها .

أما شخصيات الفيلم خاصة الرئيسية فنجدها تتماس غالبا مع الحد الفاصل بين الوجود أو الفناء فهم تحت شفرة خنجر يعفو أو يقتل .. تنحصر دائما بين قوسي " أكون أو لا أكون " ، فالبطل يغامر بحياته في حال إن لم ينجح في اختبارات صانع المطر .. ويغامر بحياة سيده ومعلمه ، وهذا المعلم أيضا يدفع حياته في مغامرته بمساندة " ران " ، وكذلك والده الروحي فيما بعد يفقد حياته لأنه آوى " ران " وحماه ، حتى " جلاديز " المرأة الشرهة .. تقع في أذى الناس وربما قتلهم لها لمجرد أنها فشلت مرة في فقرتها ولم تمتعهم  فالحياة والوجود في مجتمعهم مقامرة .

لعب المونتاج دورا هاما في الفيلم حيث ساد في بعض الأجزاء المونتاج المتوازي والتنقل من الماضي والحاضر والعكس ، بينما أضاف التصوير أيضا جماليات للصورة ودلالالتها حيث استطاع المخرج عبر مدير التصوير" دانيال ميلر " أن يوحي بالتوتر النفسي وتوتر الوضع العام كما هو الوضع السياسي في البلاد من خلال اللقطات السريعة المفاجئة في كثير من الأوقات ، كما تمكن من إبراز تعبيرات الممثلين بشكل جيد مع إضفاء جو أسطوري في بعض اللقطات نابع من ثقافة البيئة وجمال طبيعتها وأنهارها وغاباتها، مما أبرز بدوره أيضا التضاد مع عالم الواقع المليء بالعنف والقتل والصراعات والذي بالغ فيه الفيلم في بعض الأحيان ليوحي للمتفرج بمدى الانقسام داخل المنتمين لواقع هذا المكان ، وبالإضافة للتصوير والمونتاج يأتي التمثيل في مكانة متقدمة من إيجابيات الفيلم وأساسا لجمالياته وعلى وجه الخصوص كل من "ران "بطل الفيلم والذي قام بدوره الممثل " عبد الله كريم كوناتي " حيث قاد تناقضات الدور وأوحى بسلاسة بصراعاته النفسية مع رغبته في الحياة وإثبات وجوده ، كما تميزت بشكل كبير" جلاديز " المرأة الضخمة الشرهة (ريني سالي كوليبالي ) وخاصة في مشهد عجزها عن تناول الطعام كعادتها ومذلتها بعد الإمساك بها دون أن تشي ب "ران" بمشاعر داخلية أوحت بما تحمله امرأة محبة ، هذا بالإضافة لطبيعية وصدق أداء الممثل "ساش دي بانكولي" في دور " أسا " الأب الروحي ل " ران " الذي قتل لأنه يوما حماه .


  • 2

   نشر في 05 غشت 2015  وآخر تعديل بتاريخ 04 غشت 2017 .

التعليقات

شكرا جزيلا
1
أمل ممدوح
بل أشكرك .. تحياتي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا