اليمن والعُقدةِ اليَزنية: قراءة سيـــاسية للتـــــــــــــــاريخ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اليمن والعُقدةِ اليَزنية: قراءة سيـــاسية للتـــــــــــــــاريخ

  نشر في 24 مارس 2021 .

(*) نُشرت لأول مرة في صحيفة الحياة في يونيو 2012

(**) نُشرت في فيسبوك في 24 مارس 2014

...

مهداة الى روح الحسن بن أحمد الهمداني لسان اليمن وكاتب تاريخ الحقيقة التي اختطفتها أيادي الكهنوت..

**

عندما نقرأ في أي من كتب التاريخ، قصة سيف بن ذي يزن، وثورته ضد الأحباش وحروبه التي خاضها في سبيل طردهم من اليمن واستعادة عرش أجداده تبابعة سبأ العظام... سوف يجرفك الشعور بالفخر والحماسة بما قام به هذا الملك الثائر، ويُلهيك– مثل ابليس– عن قراءة ما وراء السطور واكتشاف حقيقة تلك القصة.. التي لم تكن لها أي حقيقة، إلا كونها مختلقة وملفقة..!!

دعونا أولاً نطرح تساؤلات من هذا النوع:

ما الذي قد يدفع سيف بن ذي يزن الى الاستعانة بقوى الخارج: الروم أو الفرس؟ وهل يعقل أن كل ما كان يحتاجه سيف لتنتصر ثورته ويستعيد عرشه لا يعدو أكثر من بضع مئات من المجرمين الفرس الذين اطلقوا من سجونهم لهذا الغرض؟ وفي النهاية هل انتصرت ثورة سيف وحققت أهدافها بتحرير اليمن واستعادة العرش الحميري؟

سوف تدرك الفرق في مغزى هذه التساؤلات، بمجرد أن تثبت لك حقيقة أن القصة التي ترد في كتب التاريخ ليست إلا قصة سيف وحده، وأن الأمر في كل ما اعتبر ثورة وبطولة لم يكن يتجاوز حدود الصراع الشخصي على السلطة وفي سبيلها؛ فالبحث عن المسكوت عنه داخل القصة سوف يقودك الى اجابات لاذعة وحقيقية – أو منطقية في أسوأ تقدير– للتساؤلات السابقة التي تنذرنا بأن القصة برمتها ملفقة ولا أساس لها إلا أوهام قريش..!!

لقد استعان سيف بالفرس لأنه لا أحد من اليمنيين (شعبه) كان يقف معه ويناصره.. أو لأنه لم يتمكن من اقناع أحد بذلك.. فهل يعقل هذا؟!! ونحن نعلم أن ألف أو الفين شخص من شعب بأكمله يعد عدداً صغيراً جداً، يسهل على قاطع طريق أن يؤلبهم حوله؛ فكيف لم يكن هذا بوسع سليل الملوك الذي كان له في سابق العهد دولة وشعب وجيش قوي؟!!

ومن ثم سيكون من السخافة أن نصدق بأن كل ما كان يحتاجه سيف في ثورته لا يعدو أكثر من (700 – 800) شخص جلبوا معه من سجون فارس، وحتى لو كانوا من خلاصة الجيش الفارسي المدرب والمجهز وهم بهذا العدد الذي تؤكده معظم الروايات التاريخية، فهل يعقل أنهم من دحروا الأحباش أولي القوة والبأس الشديد؟!!

لأن الأحباش في الحقيقة، هم بنو عمومتنا نحن اليمنيين ومن نفس أرومتنا.. ويمكن ألا نسمي حكمهم لليمن احتلالاً أبداً.

طبعاً، ما حصل بعد جلاء حكم الأحباش عن اليمن، هو جلوس سيف على العرش ولكن تحت الوصاية الفارسية: (عرش ملك الملوك تحت الوصاية)!!!!.. وبعد مقتل سيف أصبحت اليمن تحت حكم الفرس أنفسهم، وبدلاً من أن تقوم دولة التبابعة مجدداً قامت دولة الأبناء..؟!

عليك الآن، أن تلتفت بعناية الى حجم المفارقة بين ألقاب التبابعة (الأذواء) المهيبة، ولقب (الأبناء) المُعيب.. وعليك بعد هذا كله أن تتساءل عن شعب يمني كامل.. أين كان من هذا كله؟ وما هو نصيبه من كومة البطولات التي تضج بها تلك القصة؟!!

إنها القصة التي كتبت بعناية لتشعرنا بأننا شعب يقبل الإهانة التاريخية بهذا الشكل الذي يستخف بالعقول لا أكثر..!!

**

قصة سيف هذه لا تقدم لنا الثورة والبطولة بأي منطق عقلي يستحق التأمل، بل تقدم لنا نموذج الاستخفاف والسخرية بعقولنا نحن اليمنيين، وهو المذهب السائد في معظم الكتابات التاريخية، خاصة إذا ما فهمنا المعاني السابقة، والتي تستدعي أن نربط بعرى وثيقة بين كون "سيف" قد قضى على آخر فرصة لاستعادة حكم حمير لليمن من جهة، وكونه في ذات الوقت قد فتح الباب على مصراعيه لتصبح اليمن نهباً لقوى الخارج ورهنا لمشيئتها وحكم وصايتها، جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن وحتى يومنا الحالي من جهة أخرى.

هذا بالضبط ما أقصده هنا وأسميه بـ "العُقدة اليزنية": عقدة الاستقواء بالخارج، التي لم نتخلص منها حتى اليوم.. والتي لو نظرنا الى حقيقتها لوجدنا أنها تاريخياً والى اليوم ليست إلا عقدة إسلام قريش والطامعين في عرش اليمن باسم الإمامة أو الخلافة أو ما شئت سمها..

وإذن، فهذه العقدة الموهومة، لا علاقة لابن ذي يزن أو اليمنيين بها اطلاقاً..!!- وإنما هي ما أراد كتبة تاريخ إسلام قريش لنا أن نجترها هكذا كما تجتر البقر أُكُلها..

أفلا تعقلون؟!

**

تخبرنا كتب التاريخ، أن وفود القبائل الأعرابية سارت جميعها الى الحيرة لتهنئة ابن عمنا النعمان بن المنذر – ملك يمني كهلاني- على انتصاره العظيم على ملك الغساسنة – ملك يمني كهلاني آخر– خالعة عليه لقب "ملك العرب"، حينها كانت اليمن تحت حكم الأحباش، ولكنها نفس الكتب التي حرصت على أن تصور لنا المشهد نفسه بعد انتصار سيف بن ذي يزن، اذ جاءته وفود العرب قاطبة لتهنئته ومناداته بـ "ملك ملوك العرب" وهو الحد الأدنى من المعنى الحرفي للقب "تُبَّعْ"، ولكنها هذه المرة تختزل الأمر برمته، بلقاء هام وخطير حدث بين الملك سيف و"ابن اختنا" – نحن اليمنيون- "عبدالمطلب راعي الإبل في مكة، وهو اللقاء الذي أقر فيه سيف – انظر للسخرية – بالسر الذي لن تقوم من بعده لسبأ دولة!!!

**

هكذا يُراد منا أن نفهم التاريخ: خطة إلهية مسبقة، أكبر من قدرة اليمنيين على رفضها أو افشالها.. بل وينبغي أن يكون انصياعهم لها دليلاً على إيمانهم القوي وعلامة للحكمة اليمانية العتيدة..

هكذا وبمجرد أن تقلب عدة صفحات من كتاب التاريخ، ستجد أن اليمن كلها قد دخلت في عباءة الدولة الاسلامية، وستجد أن "النزعة التحررية والثورية" الغالبة على أهل اليمن ستحظى بتوصيفات مغايرة تماماً لما كان عليه الأمر بالنسبة لثورة سيف بن ذي يزن؟!

ثورة عبهلة تم ادراجها ضمن أسباب حروب الردة، وثورة محمد بن الأشعث وصفت بأنها خروج على دولة الخلافة، وثورة طالب الحق، وثورة الهيصم بن عبد الصمد وثورة "علي بن الفضل" ومن بعدها ثورة علي بن مهدي الرعيني وغيرها.. كل هذه الثورات وصفت بأنها ثورات معادية للإسلام، وهي في حقيقتها ثورات تحررية، ولأنها كذلك بالفعل لم يتوانى خلفاء دولة اسلام قريش عن قمعها واخمادها بأعنف الطرق وأكثرها دموية، ففي كل مرة انتهى الأمر بإبادة عرقية ومجازر جماعية عوقب فيها الشعب اليمني كله بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال، وكأنه لا اسلام هناك ولا هم يحزنون!!!

عدا عن ذلك، هل نجد في التاريخ أبلغ مما قاله– ابن أختنا الخيزران الحميرية- هارون الرشيد لقائده حمَّاد البربري: "اسمعوني أصوات أهل اليمن"..؟!!

وهل نجد أبلغ مما قام به "طغتكين" والي "صلاح الدين الأيوبي" على اليمن في حق أهل زبيد وغيرها من حواضر اليمن وبواديها؟!

وإذا ما أخذنا الأمر من زاوية السياسة، ونأينا بالدين/الاسلام بعيداً في هذا الشأن، فهل سنجد فرقاً بين هارون وقيصر أو بين كسرى وصلاح الدين..؟!

وعندما تحدثنا كتب التاريخ عن استقلال اليمن عن دولة الخلافة العباسية، ألا يحق لنا ان نتساءل: أي استقلال هذا الذي خرجت فيه اليمن من جلباب الخليفة العباسي الى جلباب "الإمام العلوي".. وما عساه الفرق بينهما؟! كلاهما هاشمي قرشي، اللاحق منهما كان أخس وألعن من السابق، فما عانته اليمن تحت حكم الأئمة أشد وأنكى!!

**

هذا هو التاريخ الذي كتب في دواوين الخلفاء والأئمة والسلاطين وكلهم لم يكونوا يمنيين، التاريخ نفسه الذي يظهر لنا مدى ما بلغته سخريتهم منا واستخفافهم بنا نحن أبناء اليمن، وهم ينظرون الى ما كنا عليه قبل سيف وما صرنا اليه من بعده، وسواء أسلمنا أو لم نسلم فالإسلام أو أي دين أخر لم يكن ليلغي شيء اسمه الوطن أو الوطنية، والاسلام لم يكن سبباً وجيهاً، بقدر ما استخدم كذريعة لتبرير أسوأ أنواع الإذلال والامتهان التي مورست ضد اليمنيين باسم الإسلام الذي لم يكن له أي علاقة إلا باعتباره موظفاً للتبرير وخلق الذرائع!!

وهكذا، خلال ما يقارب (1500) سنة مضت، لم يكن فيها لليمن تاريخ يذكر، إلا تاريخ التابع في ذيل المتبوع؟!!- لنقرأ التاريخ لمرة واحدة قراءة سياسية ولننظر إذا ما كنا سنفخر بأبي بكر وعثمان وعلي بن أبي طالب ومعاوية وهارون وصلاح الدين وغيرهم، بعد أن يتضح لنا ما قدمه كل واحد منهم لليمن؟!

لقد كان عقال بعير- مجرد حبل أو شترة- سبباً كافياً ليأمر أبو بكر وهو الرقيق الطيب بقتال أهل اليمن وقتلهم، ثم أن عثمان أمر بهدم قصر غمدان وبناء مسجد بأحجاره كرهاً في بقاء شيء من مآثر ملوك سبأ وحمير.. كما أن مشايعة جانب كبير من أهل اليمن لـ علي بن أبي طالب، لم تكن لتوجهه المسلك الصحيح بنقل عاصمته الى صنعاء، بل أقنعه خوفه القرشي المتوارث من عودة ملك العرب الى اليمن، بنقل عاصمته الى الكوفة وهو يعلم يقيناً بأن ما سيلقاه من أهلها ليس إلا الخيانة، فأن يؤول الأمر الى معاوية خير من أن يعود الى أهل اليمن ملك العرب..!!

ثم أن ما حدث في موقعة الحرَّة من حصار وقتل وسبي وإجلاء للأنصار، لم يكن شيئاً مهماً يستحق أن يذكر في كتب التاريخ، لكن قتل بضعة أشخاص من قريش في كربلاء، لابد أن يكون حدثاً كارثياً يستحق أن نبكيه حتى اليوم؟!- بالله عليكم.. مه؟!

أما حجات الرشيد وغزواته السنوية وركعاته المائة في كل ليلة لله، فلم تثنه عن منع ما فعله جيش حماد البربري في اليمن، وجهاد صلاح الدين وورعه وعبقريته التي قضت بأن يسجل للتاريخ أروع صفحات العفو والتسامح مع أعدائه الصليبيين، هي نفسها التي قضت بأن يفعل "طغتكين" بأمره ما فعل بأهل اليمن.. من حيث لم يكن للرجل دين أو أخلاق تردعه!! نعم، إنها السياسة وحسب، ولا داعي لإقحام الإسلام فيما حدث وما يحدث..!!

**

ختاماً؛ أتساءل أما آن لنا أن نعود الى موقعنا الصحيح: أقيال لا أذيال، تبابعة لا أتباع؟ أم أن عقدة بن ذي يزن المختلقة والموهومة ستظل تحكمنا؟

هناك أمل دائماً، فأمام هذا الكم الأسود مما حفظه لنا التاريخ يمكن أن ننظر الى تجربة الرئيس الراحل "ابراهيم الحمدي" بمثابة ومضة أمل بأنه بمقدورنا إذا شئنا أن نستعيد جذورنا وهويتنا ومكاننا الذي كنا فيه ملوك الدنيا..

وتعود اليمن كما كانت الأصل والمهد والمنبع..!!

..



  • 2

   نشر في 24 مارس 2021 .

التعليقات

رياض الفرح منذ 3 شهر
نعتبرها رؤية لاعاده كتابه تاريخنا سلمت يا قيل فكري
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا