من سيقرأ هذا؟! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

من سيقرأ هذا؟!

فكري آل هير

  نشر في 10 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 أبريل 2016 .

فكري آل هير

**

ماذا يجري بالضبط؟! ولماذا لا يسعنا فهم ما يجري في واقعنا اليوم؟! ولماذا تبدو الصورة ضبابية ومشوشة كلما حاولنا أن نستوعب وندرك حقيقة ما يجري؟!

قادتني مثل هذه الأسئلة بعد جهد مضني الى تكوين قناعة ما لدي، مفادها أن هذه الحرب وكل هذه الفوضى التي تظهر على سطح منطقتنا العربية، ما هي إلا الظاهر السطحي على قشرة الواقع، لحدث أو مجموعة أحداث عميقة جداً لم نراها، لأن أبصارنا مشغولة فقط بالحوادث الطافية على سطح الواقع، أما بصائرنا فمرفوعة على ما يبدو من الخدمة.. ومن المؤكد أن الأمر نفسه ينسحب على ضمائرنا التي فقدت وظيفتها أيضاً..!!

لازلت أتذكر جيداً جداً أني وقبل أكثر من عقد من اليوم، قرأت للمفكر الفرنسي المعاصر "سيرج لاتوش" ما موجزه أن أي تغير عميق يمكن أن نلمسه في واقع اليوم، إنما يعزى الى مثلث متصل ومتواصل لا يقبل الانفصال عن نفسه، ولكنه يقبل بأن ننفصل نحن عن واقعنا، إنه مثلث [الأيديولوجيا، الإعلام، الأخلاق]- وأن ما حصل ويحصل بالضبط هو أننا تخلينا عن أخلاقياتنا.

وفق رؤية "لاتوش" هذه، فإن الأيديولوجيات المتطاحنة (دينية، طائفية، عرقية، قومية، يسارية، يمينية، أصولية.. الخ)، وجدت لنفسها في ثورة المعلومات والاتصال والإعلام، مجال استثمار مربح مادياً ومعنوياً، فبالإضافة الى ترويج أفكارها وممارسة أشد أنواع القولبة والنمذجة والبرمجة على العقول والأذهان، فهي تعمل على تزييف الحقائق وذر الرماد والبارود على العيون بحيث لا ترى الناس إلا ما تروج له خطاباتها، وأن هذا بقدر ما ساهم في شحن متغيرات الواقع صوب العنف والإقصاء بالقوة للآخر، بالقدر نفسه الذي خلق فيه كل هذه الأجواء المشحونة على نحو بالغ التعقيد، حتى لا يكاد المتفكر فيها يجد منها فكاكاً أو خلاص.

البعد الأهم في هذه الرؤية، وهو أن كل هذا جرى ويجري، في اتجاه موازي سعت فيه هذه القوى المتطاحنة الى محق ونسف الأخلاق والقيم الإنسانية الأصيلة والمشتركة، التي لم يكن ليختلف عليها الجميع في كل العهود السابقة.

لقد فقدت الأيديولوجيات مصداقيتها، كما نثق كثيراً بأن وسائل الإعلام هي الأخرى باتت أبعد ما تكون عن المصداقية، وهذا هو الخط العريض لعنوان الواقع الراهن من المنظور الأخلاقي. إذ أصبحت تكنولوجيا الإعلام معادلاً موضوعياً للأيديولوجيات التي شعرت بإفلاسها وافتقادها لعنصر الجذب، فلجأت الى الولوغ أكثر في مواعين الزيف والتضليل والخداع والتحريف، فضلاً عن ممارساتها التحريضية ومنطقها التبريري والذرائعي المريض.

ولعل أبلغ دليل على ذلك أن تجد أتباع كل طائفة على قناعة تامة بمشروعية الحرب التي تحرض عليها طائفتهم، بل وأنهم لا يرون سوى الحرب حلاً ومخرجاً، في حين لا يكون الحوار مطلباً إلا عند الضرورة أو كنوع من الالتفاف على الواقع بغية العودة للحرب مجدداً، حتى صارت الحرب نفسها بين المسلمين والمسلمين وبين أبناء الوطن الواحد وأبناء الأمة الواحدة جهاداً وقتالاً مشروعاً، وكل طرف فيها يمارس القتل والتدمير تحت راية "لا إله إلا الله والله أكبر"..!!- وهنا لا يتساءل أحد: متى كان للحروب وأعمال القتل والقتال مشروعيتها الأخلاقية؟! وهل هذا ما أراده الله فعلاً؟!- هذا ملمح خطير من ملامح الانحطاط الذي أتحدث عنه، ولا تكاد الأغلبية اليوم تلتفت إليه.

ومن جانب آخر، فقد سعت وحرصت هذه المنظومة اللاأخلاقية من الطوائف والفئات المؤدلجة، الى تدمير القيم والأخلاق الوطنية، لذا فلا غرابة أن ينحو الواقع قسراً نحو الإيغال أكثر في التشرذم وتفتيت وتمزيق الذات والهوية الوطنية، فمعظم الصراعات الحالية اليوم في العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، بل وحتى في مصر أيضاً، بقدر ما تكشف عن فظاعاتها، بالقدر نفسه الذي يتضح أنها لا تعمل إلا على تدمير الهويات الوطنية، وتحطيم قيم الوحدة والتلاحم الوطني لصالح الأيديولوجيا الطائفية أو المذهبية، أو أياً ما كان توصيفها.

اقترن الأمر دوماً برأس المال، فمن يملك المال يملك الإعلام، ويشتري الضمائر والنفوس، لذا لا يمكن - في هذه المقالة التي لن يقرأها إلا قلة قليلة، قد لا يتجاوز عددهم عدد أصابعي كلها- أن نتجاهل المثال السيء والمنحط للغاية، ذاك الذي تضربه لنا دول المجموعة الخليجية، في كل ممارساتها وتدخلاتها السياسية واللاسياسية في شؤون دول المنطقة، والتي بات واضحاً أنها تصب إفي اتجاه المزيد من الفوضى في المناطق المشتعلة، وتدخلها العسكري في اليمن رغم فشله وعجزه عن تحقيق أي نتيجة، لازال محط أنظار الجميع.

بيد أن الصفعة اليمنية التي تلقتها هذه الدول وتحالفها النفعي، لازالت غير كافية لتستيقظ هذه الدول من أوهامها. ذلك أن واقع الحال يقول أن هذه الدول بما تمتلكه من أموال اتجهت منذ اللحظة التي استوعبت فيها اتجاه ومغزى وغايات موجة الثورات العربية، نحو تشكيل تكتل لمناهضة وإفشال كل مطالب التغيير التي طالبت بها الشعوب الثائرة، لكي لا تصل الموجة الى بلدانها، فضلاً عن كونها مركز الأيديولوجيا الدينية الأكثر تطرفاً– أقصد الأيديولوجيا الوهابية- والتي تستخدم اليوم بشكل أو بآخر في مقابلة ما يسمى بــ "الخطر الإيراني الشيعي"، وهي ثنائية ذرائعية لتبرير استمرار القتل وتدمير الأوطان.

وبينما يتنامى ويتضاعف عدد القنوات الفضائية التي تمتلكها القوى الدينية المتطرفة، نجد في المقابل أن الأصوات الحكيمة والمستيقظة والعادلة لا تمتلك حتى مجرد مساحة لبضعة سطور في مجلة ذائعة الصيت، أو لبضعة مشاهد في قناة فضائية تحترم الحقيقة- وهذا فقط وفقط فقط- في حال وجدت هذه القناة التي تحترم الحقيقة؟!

خلاصة الأمر، إننا نعيش انحطاطاً أخلاقياً، نجم عن الكثير من الأخطاء والتجاوزات المتطرفة، التي سمحنا لها بالحدوث، ولا نزال مكتوفي الأيدي إزاءها وإزاء عواقبها الوخيمة التي تحدث على مسمع ومرأى من العالم اليوم، دون أن نجد لها في ضمائرنا أو عقولنا رقيباً أو حسيب، وهذا ما يجعل المرء يرى العالم من حوله ممتلئاً بما لا أمل يرجى منه، أو بما لا رغبة له فيه.. الأمر الذي ينتهي بدوره الى الاستغراق في حالة من التشاؤم.

وإذن، فإن المسألة برمتها "أخلاقية"..!!


  • 1

   نشر في 10 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا