كُن بلسماً - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كُن بلسماً

سرّ الحياة السعيدة

  نشر في 06 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 08 أبريل 2018 .

أطول وأعمق دراسة ميدانية في تاريخ البشرية، تلك التي تجريها هارفارد منذ ثمانين عاماً، لاكتشاف السرّ وراء حياة أفضل لبني البشر. وتقوم على مراقبةٍ طبّيّة لأربعةٍ وعشرين وسبعمائة فرد، مازال بعضهم على قيد الحياة. تم انتقاء ثلثهم من طلاب السنة الثانية في الجامعة، فيما اختير الباقون من أفقر أحياء بوسطن وأكثر البيئات حرماناً.

تمّ فحصُهم بعناية، وزار الباحثون بيوتهم وتحدّثوا إلى أهاليهم. كبُر الصغار ودخلوا مضمار الحياة. صاروا عُمّالاً أو أطباء، حرفيين أو محامين. أحدهم أصبح رئيساً للولايات المتحدة، فيما أدمن بعضهم الكحول. تسلّق بعضهم السلّم الاجتماعي من أسفله إلى قمته، فيما قطع آخرون الرحلة ذاتها باتجاهٍ معاكس.

“لم يتخيل مؤسسو هذه الدراسة في أقصى طموحاتهم، أن أقف اليوم أمامكم بعد كلّ هذه السنوات لأحدّثكم عنها”. هذا ما قاله مدير الجيل الرابع للباحثين. إذ مازالت الدراسة مستمرة ولا يزال فحص أجسام الباقين منهم على قيد الحياة وأدمغتهم يتمّ كلّ عامين، من أجل تقييم نتائجها بعنايةٍ.

قدّم للناس أشد ما تتوق إليه - Robin Sharma

ثلاث نتائح مهمّة توصّل لها الباحثون: السعادة هي المصدر الأساسي للصحّة الجسميّة والنفسية، وليس العكس. وأنها لا تتحقّق بالمال ولا بالشهرة ولا بالإنجازات ولا بالسفر ولا بالعلاقات الغرامية، كما يتمنى أغلبهم. كما أنها لا تتحقق بالاجتهاد في العمل وطلب العلم بالضرورة. بل بالتواصل الإنساني. أعلم أن هذا قد يفاجئ بعضهم كما فاجأني. غير أن هذا ما توصل إليه العلم. وهو ما يتفق تماماً مع ما تقوله الأديان منذ آلاف السنين.

والنتيجة الثانية هي أن العلاقات الاجتماعية ليست ضروريةً لراحة النفس وسلامة الجسم وحسب، بل ولسلامة العقل أيضاً. أكثرُ المصابين بأعراض الشيخوخة وفقدان الذاكرة هم من المعزولين اجتماعياً. الوحدة سامّة. لا يمكن تبريرها بالانعزال بهدف طلب العلم أو العبادة. ولا تبرّر بمتابعة الأخبار ولا “التلفاز” بالطبع!

لكن المؤسف حقاً أنك قد تشعر بالوحدة ولو كنت محاطاً بالأصدقاء. وقد تشعر بالضياع ولو كنت محاطاً بزوجةٍ وأبناء. وقد تشعر بأنك منبوذٌ مهما شاركت في مواسم أو دُعيت إلى ولائم. توفّر العلاقات في حدّ ذاته لا يضمن صحّة صاحبها ولا يحقّق سعادته. بل المطلوب هو جودة العلاقات ودفئها وليس مُسمّاها. الفراق مثلاً خير من زواج تملؤه الخلافات. المطلوب هو أن تُحِبّ وتُحَب من قبل الناس. من كان راضياً عن علاقاته في سنّ الخمسين، بلغ الثمانين بصحةٍ أفضل. وتلك هي النتيجة الثالثة.

إذا أردت معرفة المزيد عن الدراسة، فعليك بالرابط:

Good genes are nice, but joy is better

اقرأ في هذا الصّدد: ما أبخل القلب؟!

كلّمت منذ يومين عزيزاً يكبرني. فشكا لي برودة أصغر أبنائه، طالب الدراسات العليا الذي مازال يعيش معه. استمعت له مليّاً وأبديت تعاطفي وتفهمي لمعاناته مع ولده “بارد المشاعر” حسب وصفه. ثم سألته في النهاية: لمَ تنتظر منه المبادرة؟ لمَ لا تكون أنت صديقه وحبيبه وطبيبه النّفسي فيما إذا كان محتاجاً إلى مَن يُطبّبه؟ الشيخ الدؤوب الذي أفنى حياته في العمل لبناء أسرةٍ ناجحة، عجز عن مدّ جسور الحب إلى أصغر أبنائه!

صديقي، عامل الناس بالحسنى وليس بالمِثل. هذا ينطوي على مثاليةٍ ومشقّة قد لا يُحسن أكثرنا تقديمها بلا مقابل. لكنّي أعلم أنك بالحبّ تجعل عدوّك صديقاً، وسيّء الخلق لطيفاً، وبارد المشاعر حميماً. ليكن لسانك بلسماً، تَصنّع الحبّ في عينيك وتشرّبه في نفسك، ليُزهر دفئاً في قلبك وينعكس بهجةً في حياتك. علّمت نفسي هذه الطريقة في تصنّع مشاعر الودّ حتى أتقنتها لأنعم بحياة هانئة. فليس المحظوظ من كان ذا جاه وأولاد، بل من أولى علاقاته الشخصية بأسرته وأصدقائه ومجتمعه أهميةً أكبر من تلك التي يوليها لعمله ومشاغله. وصدَق إيليا أبو ماضي إذ أنشد:

كُن بلسماً إن صار دهرُك أرقما        وحلاوةً إن صار غيرُك علقما

إنّ الحياة حبَتك كلَّ كنوزها        لا تبخلنَّ على الحياة ببعضِ ما

أحسنْ وإن لم تُجزَ حتى بالثنا، أيَّ الجزاء الغيثُ يبغي إنْ همى؟

مَنْ ذا يكافئُ زهرةً فواحةً؟           أو من يُثيبُ البلبل المترنّما؟

عُدّ الكرامَ المحسنين وقِسْهُمُ           بهما تجدْ هذينِ منهم أكرما

ياصاحِ خُذ عِلم المحبّة عنهما          إنّي وجدتُ الحبَّ  علما قيّما

لو لمْ تَفُحْ هذي، وهذا ما شدا         عاشتْ مذمّمةً وعاش مذمّما

فاعمل لإسعاد السّوى وهنائِهم، إن شئت تَسعدُ في الحياة وتنعما


هذا الموضوع منشورٌ أصلاً في "نافذتي": كن بلسماً

إن أعجبك الموضوع، فساهم في نشره. فإن عجزت عن ذلك، فشارة إعجاب تكفي.

اقرأ أيضاً: رسولُ الحب


  • 3

  • أقباس فخري
    لا أكتب للناس بل أكتب لذاتي. أحاول العثور على نفسي حين أكتب. لعلّي ألملم شتاتها المبعثرة فأجمعها، أو عساني أعيد تكويني.
   نشر في 06 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 08 أبريل 2018 .

التعليقات

فوزية لهلال منذ 2 أسبوع
فليس المحظوظ من كان ذا جاه وأولاد، بل من أولى علاقاته الشخصية بأسرته وأصدقائه ومجتمعه أهميةً أكبر من تلك التي يوليها لعمله ومشاغله. أحسنت..الأسرة أولا..أن تنسج حبل الود مع أحبابك،وان تفكر يوميا كيف تضيف للعلاقة..وتحسنها،وتجملها،فالحب رصيد إن لم تضف إليه،وآثرت الأخذ فقط،سينفذ..أبدعت أستاذ أقباس.
قرأت لك مقالا من أجمل وأرقى وأعذب ما كتبت سيدي الكريم:لهذا كله أستحيي من نفسي،هذا المقال جزأني إلى آلاف القطع،أرجوك قم بنشره على المنصة
دمت قلما لا ينضب أستاذ أقباس.
1
أقباس فخري
عفوك أختي فوزية، فهو بعض ما عندكم. كلماتك أضافت خاتمةً جميلة للموضوع. أسعدني كثيراً نيله استحسانك. إن كنت تعنين المقالة القصيرة حول "أبو فادي" المنشورة في الفيسبوك، فهي قديمة وتحتاج إلى تنقيح وإعادة صياغة. لكن لا أملك غير النزول عند طلبك في وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله.
تشجيعك راقٍ ونادر أمثاله. تقبّلي مودتي.
فوزية لهلال
لا أستاذ أقباس لا أعني مقالة أبو فادي،أعني مقالة لك تحت عنوان:لهذا كله أستحيي من نفسي، نشرتها في مدونتك نافذتي..إحساس عالي ،هذه المقالة قرأتها لمرات..دون أن ٱمل،وكلما قرأتها لاح لي معنى جديد،تساءلت حينها كيف لم تنشر هاته المقالة على أوسع نطاق؟
Salsabil beg منذ 2 أسبوع
مقال رائع وطريقة طرحه مميزة ،قدم للناس اشد ما تتوق اليه،معنى عميق ، فعلا ان العلاقات الانسانية العميقة تجعل الانسان اكثر سعادة و راحة نفسية وهو ما تثبته الدراسة ،سررت جدا بقراءة كلماتك ،تحياتي سيدي الكريم .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا