المياه الأزلية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المياه الأزلية

في الدين وأساطير الأولين

  نشر في 26 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2016 .

إن التشابه الملحوظ بين الأساطير الميثولوجية التي تناولت قصة بداية الكون وبين ما ورد في الكتب السماوية لم يكن محض الصدفة وإنما يعكس لنا الارتباط الوثيق بين تلك الأساطير وبين النصوص الدينية ، فالأدب الميثولوجي يحمل إرثاً ثميناً من الأساطير المتضمنة نشأة الكون وبداية الحياة الأرضية وهذا ما دفع المؤرخون إلي البحث والتنقيب وراء العلاقة بين ما ورد في كلاهما.

فإذا نظرنا إلي غالبية الحضارات القديمة كالفرعونية والسومرية والبابلية والفينيقية نجد أنها جميعاً قد أخبرتنا بحيثيات بداية الكون وأن كل الحياه مصدرها الماء أو ما أطلق عليه في علم الأساطير "البحر الأعظم" أو "المياه الأزلية" ليس مقصوداً بها مياه بحار الأرض ومحيطاتها ، ولا يقاس زمنها بمقاييس زمننا الأرضي البائد ، وإنما هي مياه أبدية خارج حدود كوننا وزمانه.

فعلي سبيل المثال نجد أن الحضارة الفرعونية قد وصفت لنا بداية الكون فقالت أنه انبثق من بحر هائج تعيش فيه قوي الخير والشر ، ومع الوقت خرج الإله "آتوم" من أعماق هذا البحر رافعاً معه الأرض من رحم البحر ، ويقر الإغريق أيضاً بأن المياه الأزلية هي أصل الكون ، وأن الأرض ماهي إلا قرص طافٍ علي سطح هذا الماء تطوف حوله النجوم.

أما عن اسطورة الخلق عند هنود المايا فتشير إلي أن البداية كانت من بحر مظلم وهادئ تعيش داخله الآلهه الأولي "تساكول" ، كما يذكر لنا الهندوس أن القوة المقدسة الأولي كانت تعيش في بيضة جيلاتينية داخل هذا البحر الأعظم الذي خلقه الإله الأول "براهما".

ومن أقدم الألواح التاريخية التي تحدثت عن خلق الكون هي ملحمة الخلق السومرية "إينوما إليش" التي كُتبت قبل 3000 عام ق.م ، والتي اكتشفها هنري لايارد 1849م في آثار مكتبة آشور بانيبال في نينوي "العراق" ، حيث تخبرنا الأسطورة أنه في البدء كانت الآلهة "نمو" أو "إبسو" ولا أحد معها وهي المياه الأولي التي خرجت عنها الآلهه "آن" إله السماء المذكر ، و "كي" آلهة الأرض المؤنثة.

حيث تبدأ ملحمة الخلق البابلية "إينوما إليش" مؤكدة علي أزلية البحر الأعظم فتقول:

عندما في الأعالي لم تكن هناك سماء

وفي الأسفل لم يكن هناك أرض

لم يكن من الآلهه سوي إبسو "البحر الأعظم" أباهم

حتي اسطورة الخلق لدي شعب الهورن "السكان الأصليون للولايات المتحدة" قد أقرت بإنبثاق الحياة من المياة الأزلية حيث تقول أنه في البدء لم يكن هناك إلا الماء ، وبها كانت تعيش كل الحيوانات المائية.

أما ما وُرد عن المياه الأزلية في الكتب السماوية وبداية الكون ، فقد رسمت جميعها لوحة فنية واحدة لبداية الخلق نري فيها الله عز وجل جالساً علي العرش ، وهذا العرش محمولاً علي تلك المياه الأزلية ، فعلي سبيل المثال يتناول سفر التكوين هذه الحقيقة بالآتي:

"وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلي وجه الغمر ظلمة ، وروح الله يرف علي وجه المياه"

(التكوين : اصحاح1)

وهذا معناه أن المياه الأزلية كانت تغطي الأرض تماماً ، والخالق علي سطحها.

ولم ينكر القرآن الكريم تلك الحقيقة الكونية وإنما أقرها في سورة (هود : 7) حيث قال عز وجل:

"وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه علي الماء"

ومن بين تفاسير هذه الآية ، هو التفسير المتفق مع علم الوجوه والنظائر ، والذي يقول بأن الماء المقصود في الآية ليس هو المعني الحقيقي المتعارف عليه في الماء "ماء البحر او النهر" ، لان الماء لم يُخلق وقتها بعد وإنما خُلق في مرحلة لاحقة بعد خلق الأرض ، فالسياق اللغوي لن يجيبنا بما يحسم المعني المادي للمياه الأزلية ، وذلك لعدم توفر الجانب الواقعي له ، حتي العلم الفيزيائي والعلوم الكونية لم تتوصل للبداية المائية للكون ، وإنما كانت أحدث التفسيرات الفيزيائية لبداية الكون تشير إلي أنه بدأ من مجموعة من الـ quarks وفقاً لما ورد بنظرية الانفجار العظيم المعروفة.

حتي الحديث الشريف أقر هذا في نصه :

"كان الله ولم يكن شئ غيره ، وكان عرشه علي الماء ، وكتب في الذكر كل شئ ، وخلق السموات والأرض".

أيضاً قال عليه أفضل الصلاة والسلام

"إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه علي الماء"

وليس هذا فحسب ، وإنما يقر الحديث الشريف أيضاً بآنية وجود المياة الأزلية إلي وقتنا هذا في الكون ، وذلك في قوله:

"إن يمين الله ملأي لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه ، وعرشه علي الماء ، وبيده الأخري القبض يرفع ويخفض"

وبعد البحث والتنقيب في ميثولوجيا الحضارات القديمة وما وُرد في النصوص الدينية بشأن بداية الكون ، وجدت أن جميعها تشترك في نفس الوصف لأحداث البداية حتي وإن اختلفت في تفسير أحداث النهاية ، فجميعها يقر بأن الخالق واحد وإن اختلفت أسماؤه ، يجلس علي العرش متربعاً علي "المياه الأزلية" ، ومن هنا ظهر المستشرقين بسؤالهم الساذج :

"كيف للكتب السماوية ألا تكون أساطير الأولين وقد أخذت نصوصها من أساطير الحضارات القديمة التي جاءت قبل نزول التوراه والإنجيل والقرآن؟"

أقول لهم إن الله عز وجل لم يرسل موسي وعيسي ومحمد عليهم الصلاة والسلام جميعا فقط للبشرية ، بل أرسل قبلهم نحو مائة وأربعة وعشرون ألفاً من الأنبياء ، لكل منهم شريعته وكتبه ، ولكل منهم وحي قد أُنزل بنصوص سماوية تحمل بين طياتها بعض التفاصيل عن نشأة الكون وبدايته ، بل منهم الذي أرسل فيه خمسون كتاباً سماوياً كالنبي "شيت بن آدم" عليه السلام ، وثلاثون كتاباً كالتي نزلت علي إدريس عليه السلام ، وهم من أوائل الأنبياء قبل نشأة تلك الحضارات  .

إن انبثاق الكون من المياه الأزلية سيظل لغزاً محيراً لعقولنا جميعاً ، ومن الخطأ أن نأخذ معاني المصطلحات الواردة في الكتب السماوية من المعاجم اللغوية أخذاً مجرداً ، حيث أن اللفظ الواحد قد يخضع لعدة معاني ، وقد لا يمت بصلة للمعني الواقعي ، فهناك المصطلحات حمالة الأوجه والتي من بينها لفظة "الماء" ، فالمعاجم اللغوية لم تجيبنا بما يحسم ماهية المياه الأزلية في الكون ، لذا .. سيظل المعني غامضاً إلي أن يكشف لنا عز وجل حجابه عنه .. والله أعلم ...


كتبته : فاطمة عبد الحكيم


  • 4

   نشر في 26 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2016 .

التعليقات

Hashem Ahmed منذ 3 يوم
موضوع جميل جدا يستحق القراءة والمتابعة
1
Fatma Abd Elhakim
مروركم الأجمل أ/ هاشم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا