الحق في الخصوصية و جاذبية التفاحة أبل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحق في الخصوصية و جاذبية التفاحة أبل

الحق في الخصوصية و جاذبية التفاحة أبل

  نشر في 05 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 30 ماي 2016 .


تقوم فكرة الحق في الخصوصية على حماية الجانب غير العلني في حياة الإنسان، إذ لا يحق لأي كان أن ينفذ إلى الحياة الخاصة للآخرين تحت أي ذريعة كانت . و هو الحق الواجب الاحترام من طرف الجميع، سواء تعلق الأمر بسلطة عامة أو بأشخاص خواص طبيعيين كانوا أو معنويين.

و إذا كانت جل التشريعات الوضعية الداخلية منها و الدولية، قد كرست مبدأ الحق في الخصوصية و أقرت حمايته – فان التشريعات السماوية المختلفة قد سبقتها إلى تكريس هذا الحق و ضمان حمايته - إلا أن هذه الحماية لا بد أن تعزز أكثر في ظل التطور التكنولوجي السريع،  و تحول انتهاك خصوصية الإنسان من انتهاك في إطار ضيق لا يتعدى غالبا القرية أو المدينة في أسوأ الأحوال، إلى انتهاك يعرض و يشهر هذه الخصوصية في كل أنحاء العالم في دقائق معدودة، بعد أن تحولت حياة اليوم إلى معطيات و بيانات رقمية .

و نظرا لهذا التحول السريع في حياة المجتمعات الذي تزيد سرعته الثورة الرقمية ، فانه ورغم تكريس القوانين الوطنية و المعاهدات و المواثيق الدولية لاسيما المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و المادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية للحق في الخصوصية وحمايته ، من خلال نصهما على عدم جواز إخضاع أي إنسان لتدخل تعسفي أو غير قانوني في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته. فان الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت شهر ديسمبر 2013 القرار  رقم 68/167 بشأن الحق في الخصوصية في العصر الرقمي. و هو القرار الذي أكدت فيه للمرة الأولى أن الحقوق المكفولة للانسان  يجب أن تكون محمية ومحفوظة ، ودعت جميع الدول إلى الالتزام بواجباتها في احترام وحماية الحق في الخصوصية و الحفاظ عليه في الاتصالات الرقمية عبر الانترنت، مع مراجعة الإجراءات و التشريعات الوطنية بما يضمن ذلك.

و إذا كانت القوانين الدولية قد أقرت حماية واضحة للخصوصية ، و الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اتخذت موقفا شجاعا بعد ما عرف بقضية سنودن شهر جوان 2014 ، فان الإنسان الذي تمسك بخصوصيته منذ فجر التاريخ و جعل منها فوق كل اعتبار، وقف- للأسف- موقف المتفرج على مسافة واحدة من الصراع القانوني القضائي الدائر بين شركة أبل و وكالة الأمن القومي الأمريكي بشأن فك تشفير هواتف ابل  .

إن صمت الأغلبية  لن يخدم الجميع، إذ في حين تواجه شركة ابل الحكومة الأمريكية و أقوى جهاز أمني في العالم من اجل حماية خصوصية مستخدميها، تصمت الأغلبية، من مثقفين و قانونيين و أكاديميين. إن معركة ابل القانونية و الأخلاقية من أجل حماية خصوصية الناس في كل أنحاء المعمورة من المحيط إلى المحيط أفقيا و عموديا، لا يمكن أن تكون قضية أبل و إنما هي قضيتنا جميعا.

إذا كنا نؤمن بحقنا في حفظ حقوقنا في إطار القانون ، فانه سيكون فرضا علينا استعمال حقنا في  التعبير و حقنا  في التظاهر من اجل حماية حقنا في الخصوصية . لان الأمر في نهاية المطاف ليس خصوصية أمريكية، و لكنها قضية عالمية، إذ لا توجد مدينة و قرية أو حتى بيت في الجهات الأربع العالم لا يوجد به هاتف ، لوحة أو كومبيوتر أبل، و في كل جهاز من هذه الأجهزة توجد  دون شك خصوصية قد تتعرض للانتهاك إذا ما خسرت ابل معركتها في مواجهة أف بي أي.

إن الوقوف إلى جانب ابل هو قبل كل شيء  وقوف بجانب أنفسنا ، وقوف بجانب حقوقنا من أجل حماية خصوصيتنا و حماية القوانين الدولية و الوطنية التي تحمينا، انه وقوف في وجه أف بي أي التي تريد باسم الأمن القومي لأمريكا أن تنفذ إلى خصوصية الجميع وجعل العالم بأسره بين يديها.

إن الأمر يخصنا جميعا مهما كانت تسمية الأجهزة الالكترونية التي نستعملها، و لا يمكن ربط الأمر بمشتركي ابل لأننا سنؤكل جميعا يوم تؤكل التفاحة الامريكية ، ليحق فينا قول أب حقوق الإنسان في إفريقيا نيلسون مانديلا :من انتهكت أمامه حقوق إنسان و لم يحرك ساكنا فانه لا يمكن أن يكون إنسانا.

إن انتصار وكالة الأمن القومي الأمريكي سيكون انتصار لفكرة أمركة العالم ، سيكون انتصار للقيد الأمني على الحقوق الفردية و الجماعية ، و سيكون انتصار للديكتاتوريات التي تنتظر هذا الانتصار كي تستغله في الانتصار أكثر على بقايا الحقوق التي يتمتع بها مواطنوها. ودون شك ستكون خسارة ابل خسارتنا جميعا، ستكون خسارة للإنسانية لأنه بعد أن تفض بكارة حياتنا الشخصية و تسقط تفاحة أبل سنعرف جميعا الجاذبية الجديدة نحو عالم لا يحفظ خصوصيتنا.

لذلك لا بد للمجتمعات و الأفراد أن يلعبوا دورا هاما في هذا العصر الرقمي التكنولوجي المتقدم سريعا من أجل المساعدة في حماية حق الفرد و المجتمع في الخصوصية و التغلب على انتهاك هذه الخصوصية. ولا بد للحكومات الحد من استخدام المراقبة الشاملة بما يتناسب مع الحق في الخصوصية. و لا بد للشركات أيضا أن تحمى بيانات المستخدم وتعمل بجد لتوفير الحماية اللازمة لها. ولمنظمات المجتمع المدني الاستمرار في مواصلة جهودها في رفع مستوى الوعي فيما يتعلق بالحق في الخصوصية في عصرنا الرقمي، و مساءلة الحكومات و الكيانات و الشركات الخاصة في حال خرق هذا الحق باعتباره من حقوق الإنسان الأساسية.


  • 1

   نشر في 05 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 30 ماي 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا