سيوران: نظرته للأناركية وللعصر الذهبي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سيوران: نظرته للأناركية وللعصر الذهبي

"لا وجود لشكل اجتماعيّ قادر على إنقاذ محاسن الشكل القديم. ونحن نعثر في كلّ أصناف المجتمعات على حصيلة من المساوئ تكاد تكون متساوية."

  نشر في 17 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 19 فبراير 2020 .

[ بادئ ذي بدء، وقبل كل شيء أود أن أُورد هذا التعريف الموجز للأناركية وذلك حتى لا يكون المقال متجاوزا أو ناقصا، وحتى يبلغ أقصى درجة ممكنة من الوضوح: 

الأناركية مصطلح مأخوذ من المصطلح الانجليزي Anarchism المشتقّ بدوره من اليونانية؛ والذي يعني غياب السلطة أو دون حاكم. فالأناركية أو اللاّسلطوية هي أيديولوجية اجتماعية وسياسية تنظر إلى الدولة باعتبارها غير ضرورية، بل ومؤذية وضارة، وتسعى إلى إزالتها وإقامة مجتمع بدون دولة قوامه الحرية وغياب أية سلطة خارجية؛ فهاجس الأناركية الرئيس هو الحرية والتوق إلى إزالة الدولة. هذا وتنطلق الرؤية الكونية الأناركية لدى معظم الأناركيين ابتداءً من الإيمان بخيرية الانسان و بطبيعته الطيبة أو على الأقل اللاّسيّئة. 

 وللأناركية مدارس ومذاهب متعددة ومتنوعة، تختلف في تصورها لطبيعة المجتمع الأناركي رغم اتفاقها وتواضعها على المبدإ الرئيسي؛ رفض الدولة والسلطة ( وفي هذا يقول موراي بوكتشين:"يمكن للمرء أن يعتبر نفسه أناركيا إذا كان يؤمن بأن المجتمع يمكن أن يدار بدون دولة.")، فهناك الأناركية الاشتراكية والأناركية الشيوعية والأناركية الجماعية والأناركية النقابية والأناركية النسوية والأناركية الفردية وغيرها... وعادة في الأدبيات السياسية ما يتم إدراج أو حصر هذه المذاهب المتعددة داخل بوتقتين أو مسمّيين؛ إما داخل بوتقة "الأناركية الاجتماعية" أو تحت مايسمّى "الأناركية الفردية". 

ومن أهم روّاد الأناركية - الذين يُطلق عليهم "الأناركيين الكلاسيكيين"- نذكر: وليم جودوين(1756-1836)، وبيير جوزيف برودون( 1809-1865) وكان أول من وصف نفسه بالأناركي أو اللاّسلطوي، والثائر الروسي ميخائيل باكونين( 1814-1876) الذي اشتهر بسجالاته مع ماركس وبحياته الثورية العملية، ثم بيتر كروبوتكين (1842-1921) وغيرهم.


الأناركية من وجهة نظر سيوران: 


"الأناركيين آخر البيلاجيين حتى الآن"، هكذا ينظر سيوران إلى الأناركية كأيديولوجية مشتقّة من بيلاجية مقنّعة بدرجة أو بأخرى؛ والبيلاجية هنا نسبة إلى الراهب البروتاني بيلاج أو بيلاجيوس(350-420) الذي كان ينفي فكرة امتداد الخظيئة الأصلية إلى باقي البشر، ويرى اقتصارها فقط على سلفنا الأول آدم باعتبارها "مأساة شخصية" خاصة به وحده. ففي اعتباره أن الانسان يولد بريئا خاليا من أية خطيئة، تماما مثل آدم في الجنة (قبل السقوط). يعتبر سيوران هذه الفكرة "هرطقة سخية وزائفة في نفس الوقت، خصبة لا لشيء إلاّ بفضل مغالاتها تحديدا ولا معقوليتها". ومن هنا ينسب سيوران الأناركية إلى البيلاجية، باعتبار أن الاناركية تعتقد بخيريّة الانسان وطيبيّته، أو على الأقل لا تعتقد بالفساد الأصلي/البدئي للطبيعة أو الفطرة أو الإرادة البشرية، ولا تنظر إليها على كونها ميّالة نحو الشر؛ أي أنها خالية من أي فساد بدئي. يرفض سيوران هذا الطرح ويعيب عليه تفاؤله المفرط في النظر إلى طبيعتنا؛ "لا برهان على أن الإرادة خيّرة، بل على الأرجح أنها ليست خيّرة البتة، لافي هيئتها القديمة ولافي هيئتها الحديثة."

يرى صاحب "تاريخ ويوتوبيا" أن الخطيئة لصيقة بالبشر ومرتبطة بهم، بل هي من صميم فطرتهم؛ "نحن غرقى في الشر، لا يعني ذلك أن أفعالنا كلها شريرة، لكن ما أن يحدث لنا أن نرتكب الخير حتى نتعذب، لأننا نتحرك في الاتجاه المعاكس لفطرتنا." وأنهم لن يصلوا لا شكّ إلى العصر الذهبي، إلى اليوتوبيا، ماداموا مرتبطين وموسومين بها، يجب تخليصهم منها أولا، وذلك ماحاولت الأنظمة البيلاجية المختلفة - ومن بينها الأناركية- القيام به عن طريق أساليب متحايلة، والحال أن كل نظام حاول تخليص البشر من خطيئتهم الأصلية، عمل على ذلك عن طريق منهجية بيلاجية مقنّعة؛ أي عن طريق محاولة إنكار الخطيئة الأصلية من الأصل، أو حصرها في شخص آدم. ومامن أناركي، من باكونين إلى بوب بلاك، إلاّ وينكر الخطيئة الأصلية ويعتبرها فكرة متجاوزة وأسطورة دينية عفا عليها الزمن.

نحن لم نولد أخياراً - يجادل سيوران - ولا صفحات بيضاء، بل على العكس ولدنا وفي داخلنا نزوع قوي نحو الشر والفعل؛ فالشر حسب سيوران غير منفصل عن الفعل، إن الخير والفضائل تدفعنا نحو الزهد في الفعل، عكس الشر والرذائل التي تدفعنا إلى اقترافه؛ "إن سلطان الفعل نابع من رذائلنا." - يقول سيوران-، أوَلم نخلق على صورة الآلهة؛ "فمن المستحيل التصديق بأن الإله الطيّب قد تورط في عار الخلق، الإله الخيّر والخير لا يخلق، يفتقر للخيال، يلزمه أن يكون شريراً حتى يكون قادراً على ذلك، أو على الأقل يتطلبه الأمر مزيجا من الخير والشر." هكذا كتب في كتابه "الخالق السيء Le Mauvais Démiurge". 

إن تحررنا من الخطيئة الأصلية يقضي بأن نكون فاقدي الإرادة؛ لكي نكون أخيارا بشكل تلقائي، وحتى تكون/تصير طبيعتنا البشرية خيّرة وطيّبة يجب أن تعوزنا الإرادة وأن نفقدها؛ "وحدهم فاقدوا الإرادة أخيار بشكل تلقائي." يُخاطب سيوران المثاليين واليوتوبيين قائلا: "هل تريدون بناء مجتمع لا يسيء فيه البشر بعض إلى بعض؟ إذن فعليكم ألّا تدخلوا إليه إلا فاقدي الإرادة." ولا يخفى أن مجتمعا كهذا يتعارض مع مبدإ الأناركية الأول ألا وهو الحرية و نبذ والتخلص من كل سلطة، فالأناركية إذن - حسب سيوران ورؤيته هذه- تتعارض مع المجتمع الفاضل. هذا الولع بالحرية لدى الأناركية هو ماأشاد به "النبي المضاد أو عدو النبي" واعتبره نوعا جديدا من الأوهام هو أكثر تألّقا من سابقيه، كما أنّه أُعجب بفكرة تدمير ومحق كل السّلط، واعتبرها واحدة من أجمل الأفكار التي تم ابتداعها يوما. إلا أن كاتب "مقايسات المرارة" يرى أن ولع الأناركيين هذا بالحرية قد دفعهم إلى أن يغفلوا أمرا مهما عن طبيعتنا، "مظهرا آخر من مظاهر انحطاطنا"؛ وهو أنّ افتقارنا للهموم والكوابح التي تكبحنا وتُلجم حريتنا يقودنا ويُسلمنا إلى أنفسنا وإلى ذواتنا، في مواجهتها مباشرة ممّا يُولّد دواراً "قد يجعلنا أسوأ ألف مرة مما تفعل عبوديتنا."

ولمّا كانت فكرة الإرادة الطيبة أو الطبيعة البشرية الخيّرة فكرةً طوباوية، لا سند ولا صحة لها في الواقع؛ فإن الدولة ليست عقبة في طريق إرادة طيبة - كما يدعي بعض الأناركيين-، لأنه لا وجود لمثل هذه الإرادة أصلا، وإنما هي "(الدولة) ماوُلدت إلا لكون تلك الإرادة سيئةتحديداً" ومائلة نحو الشر، ولكون الحرية التي تُسلمنا إلى أنفسنا لن تجعلها إلا أشدّ سوءاً وأكثر تمرّغاً في الشر. ولذلك لا يأسف (ولن يأسف) رسول العدم - في سخرية واضحة- على ندرة أو انقراض جنس الأناركيّين، ماداموا قد سعوا بأنفسهم إلى تطبيق فكرتهم! كما أنه يرى بأنهم كان يجدر بهم الانسحاب والغياب عن الساحة السياسية والأيديولوجية، مادامت الفجوة بين طموحاتهم والتاريخ الفعلي للقرن العشرين مؤشراً لحماقة آمالهم المستحيلة، وكفيلة بتكذيب رؤاهم ونظرياتهم؛ "لقد بشّروا بأفول الدولة وهاهي أقوى وأكثر حضورا من أي وقت مضى، وبعصر المساواة وهاهو عصر الرعب يجيء" ومادام "أن لا أحد في وسعه اليوم أن يعمل بواسطة القنابل على تحقيق الوئام الكوني" في إشارة من سيوران هنا إلى تلك الاغتيالات وأعمال العنف التي كان يقوم بها بعض الأناركيين، وكذلك في إشارة منه إلى ذلك الإحساس السائد بالتجرد من كل وهم ومن كل أمل أو حلم أو طموح؛ "إذا لم يعد في طاقتنا حتى الإيمان بمزايا الدمار، فلأنّنا كفوضويين (أناركيين) أُبعدوا عن مهمتهم الأولى، قد فهمنا ضرورته العاجلة ولاجدواه."

يبدو نقد سيوران للأناركية نقداً محافظاً، لكنّ تلك الحجج والتعليلات السيورانية تضفي عليه من الجدّة مايجعله مغايراً ومختلفاً عن نقد المحافظين، وأبعد ممّا يرمون إليه. هذا ورغم فشل الأناركية - حتى الآن- في سبيل تطبيق أيديولوجيتها، فإنها - ومن منظور إصلاحيّ واهتماميّ بالمجتمع- قد ابتدعت أفكارا إثرائية عن طريق مفكّريها أدت إلى إصلاحات وتغييرات بسيطة ومتعددة في مجالات مختلفة، كالتعليم والصحة والشغل والتجريم والعقاب وغيرها..


سيوران والعصر الذهبي أو الفردوس:


بالنسبة إلى سيوران، لا وجود لعصر ذهبي، أو يوتوبيا، أو فردوس دنيوي (خارجي) بشري، بوُسعنا أن نصل إليه في المستقبل ولو عن طريق عبادة التّقدّم، كلها مجرّد أحلام زائفة وأوهام. {وحتّى لو حدث ووصلنا إلى مجتمعات فاضلة من قبيل مدينة أفلاطون، والفالانستيرز( نموذج فورييه لمجتمعه الفاضل وهو عبارة عن تجمعات عمالية إنتاجية مشتركة)، وطوباويات توماس مور؛ فإنها لن تكون سوى نُسخ مُصغّرة عن الجحيم، مجتمعات لا تُطاق؛ حيث يكون كل فرد تقيّاً وتُملى عليه أفعاله، حتى الأطفال؛ "المجتمع الفاضل مجتمع من الدّمى المتحركة."  " إن فكرة المدينة الفاضلة في حد ذاتها عذاب للعقل."} 

رسمة لفالانستير فورييه

الفردوس خلفنا، لا أمامنا، ليس في المستقبل، وليس في إمكاننا أن نخلقه، بل هو وراءنا، ولم يعد بمقدورنا إلا أن نتحسّر عليه، أوأن نحنّ إليه؛ "لم يمرّ عليّ يوم دون أن أحسّ بأنني خارج الفردوس." هكذا كتب في "مثالب الولادة" بنبرة تحسّرية واضحة، فما أن نولد حتّى يكتمل سقوطنا من الفردوس بداخل الزمن ونحسّ بثقله، "وبقدر ما نبتعد من الحياة النباتية، بقدر مانقترب من الجحيم"، هذه هي الخطوط الأوّلية العريضة لفلسفة سيوران عن الوجود.

لكن رغم كل شيء، وأمام عدم إمكانية العودة أو استرجاع الفردوس القديم، واستحالة مسخه ونسخه، أو إقامة فردوس أو عصر ذهبي جديد، ولمّا كان الفردوس موضوعا حنينيّا مُستفحلا فينا، فإنّنا ومهما رفضناه ودحضناه غير قادرين على تحطيمه تماماً و القضاء عليه بصفة نهائية، لكونه راسخاً فينا مثل "بُعد من أبعاد ذاتنا الأصلية"، وما علينا إلا أن نكتشفه؛ ف "ليس من فردوس إلا في أعمق أعماق كياننا، حتّى لكأنّه في أنا الأنا"، يظلّ أمامنا أن نوجّه جهودنا وحنيننا وانتظاراتنا إلى داخلنا، فينا، لأنها ستكون مُحبطة بالضرورة إذا مانحن وجّهناها إلى الخارج (خارجنا). ألم يكن المسيح يُلحّ "على أن مملكة الرب ليست من هذا العالم، بل هي في داخلنا" ولمّا كان سيوران "باطنيا من الصنف المفجع" و"آخر مُلحد توحيدي" - كما وصفه فتحي المسكيني في عنوان أحد مقالاته- فإنّه كان يرى في تعليم المسيح هذا كثيراً من الصواب إن لم يكن يرى فيه عين الصّواب ، ورأى في التعاليم المسيحية التي أعقبته انحرافاً، انحرافاً أفسد التعليم الحقيقي ليمدّه وليُبقيه، أفسده ليُؤمّن له أسباب النجاح. والمسيح نفسه - في رأي سيوران- غذّى هذا الالتباس من أجل إنجاح رسالته. فالحقّ أنّه لو أخذنا بتعليم المسيح ذاك، وسعينا إليه ونجحنا فيه، لوقفنا حينئذ "وجهاً لوجه مع الحاضر الأبدي"، ذلك الحاضر الذي طردنا وأسقطنا منه بروميثيوس بهباته وخدماته التطوّعية اللّامشكور بل المُلام عنها، ولما كان/صار للتاريخ أهمية بعد ذلك، ولتعذّر عليه أن يحدث؛ "يمّحي الماضي والمستقبل. تتلاشى القرون وتستسلم المادّة وتنفق الظّلمات. يبدو الموت تافهاً وتبدو الحياة نفسها تافهة." 

يختم سيوران كتابه"تاريخ ويوتوبيا" بهذه الفقرة التي يسخر فيها من العصر الذهبي  أو اليوتوبيا مقابل الحاضر الأبدي، ومن التاريخ في مقابل الخواء والفراغ، حيثُ يمكننا التصالح والتماهي مع خزينا وبؤسنا: "هل يُقال إننا نستبدل شبحاً بشبح، وإن أُمثولات العصر الذهبي لا تقلّ قيمة عن الحاضر الأبديّ الذي نحلم به، وإنّ الأنا التي نبني عليها كلّ آمالنا تُذكّر بالخواء وتتماهى به في المُحصّلة؟ ليكُن! لكن ألا يحتوي الخواء الذي يمنح الغبطة على حقيقة أكثر من تلك التي يمتلكها التاريخ في جملته؟        


  • 5

   نشر في 17 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 19 فبراير 2020 .

التعليقات

فاضل منذ 9 شهر
جميل موفق في اختيارك وطرحك للموضوع رغم فلسفة اميل سيوران المتشائمة الا انك قدمت لنا موضوع جديى بالقراءة والبحث فيه
0
أشرف رضى
شكرا صديقي ... سعيد أن المقال قد أعجبك، وأثار اهتمامك٠

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا