العودة لوطنك الأوحد .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العودة لوطنك الأوحد ..

  نشر في 06 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 08 شتنبر 2019 .

تصاعدت أنفاس المحبة حتى وصلت عنان السماء , لم تتناثر على قلوبهم سوى لحظات السعادة , سعادة اللحظة حينها بدت وكأنها حياة أبدية وليست مجرد لحظة لا قيمة لها بزمنهم , تشابكت الأيادي في قوة عجيبة , وكأن القوة لم تُخلق وتُفطر إلا حينها , وكأن القوة إتضح معناها الأصلي عندما تلامست الأنامل واقترنت الكفوف , وصلت النشوة لذروتها , تغافلت القلوب عن العيوب ولم تجد أمامها إلا أن تتقاسم النبضات , تلاحمت الأرواح ولم تهب موعد التفرقة بينهم , كانت بتلاحمها تُنذر الحياة بأن الفراق هو الجاني على نفسه إن إقترب , وكأنها إقتطعت العهد الذي لا خذلان فيه .. لن يفترقا وإن إجتمعت كل قسوة الحياة حولهما وقطعت سعادتهما إرباً ..

تناغمت الأرواح .. ظلت الكفوف متماسكة , اطبقت الجفون جفونها على لحظات القسوة التي ظلت الحياة تقذفها على قلوبهم بلا هوادة , تارة تسلب بعضاً من أمنهم , وتارة تسحق جزءاً من إتزان نبضهم , بينما هم ظلوا على العهد , قابضين عليه كما يقبض الكفيف بعصاه الذي يتكئ عليه وحده ليهتدي سبيله , ودونه هو الهالك في طرقات الحياة , وحده أيضاً ..

ظلت الحياة تتقاذفهم , لم يكن في حسبانهم أن الحياة قد تصل في صبرها عليهم إلى المنتهى , ظلوا يُحاربون ويحاربون وظلت الحرب قائمة بينهم وبين صرامة اللحظة , وعند إشتداد الحرب لم يُخيل لهم أن أقدام محبتهم على وشك الضعف والسقوط , لم يضعوا ذلك ضمن خطتهم , وبالفعل , إشتدت رياح خريفهم , فتساقطت زهور ربيع حبهم رويداً رويداً ! , وأعلن الفصل عن إنتهاء إشراقه , وفصل السقيع سيطر بكل قوته على مشهد النهاية , فأما عنهم , فكانت لقوة حبهم طاقة خفية هم فقط يعلموها , طاقة لم تسلبها منهم الحياة بكل تقلباتها وسذاجة منطقها , طاقة لطالما حافظت على إتزان خطواتهم , فسبيل الحب لا يرتضي أن تسلكه أقدام مضطربة غير قادرة على مواجهة " مطبات " الرحلة .. رحلة , وما أجملها رحلة ! , إنها رحلة الخلود , رحلة الوصول .. رحلة الخلود بقرب الحبيب والوصول لأعتاب جنات ونعيم الأرض بجواره , بها يصل المحبين إلى ذواتهم .. الضائعة , فلا معنى يكتمل دون إيجاد كلاً منهما للأخر , وبطاقتهم السحرية يكتمل معنى الأبدية ..

إنه الوفاء .. إنه الإخلاص .. إنه الإصرار ..

لن تُقدم الحياة السعادة على طبق من ذهب , لن تمنحها دون إنتظار مقابل , ثمة ضريبة لقلوب المحبين , ثمة لهيب يشتعل بضلوعهم بين الحين والأخر , ثمة فراق ينتظرهم على أعتاب أبواب أرواحهم , ينتظر فقط الفرصة , مجرد فرصة ليغدو مسرعاً ويستقر بينهم , فجوة بسيطة .. تصبح كفارق السماء والأرض بين قلوبهم ! , وحده الفراق قادر على محو العشق , إزالة الفرصة ذاتها ولكنها فرصة التلاقي , فرصة عودة الروح لمسكنها , عودة اللاجئ لموطنه , وحده الفراق قادر على البناء ! , نعم .. هو يبني ولكنه يبني كل الحواجز التي هشمها العشق قديماً , يُعيد ترميم ! , نعم .. ولكنه يُرمم كل العقبات التي حطمها الود عندما أقسم على البقاء في قلوب محبيه , وحده الفراق قادر على إعادة النبض بقلوب البشر ! , نعم .. ولكن النبض المُعاد إحياؤه حينها هو نبض الحزن والبؤس , نبض الإنطفاء , نبض وكأنه لا نبض له من الأساس ! .. فأما عن المحبين , الصادقين , الموفين بالعهود , خسارتهم في معركة العشق لم تكن بهذا السوء , لم تُسمى خسارة بعد , لقد خسروا كل أسلحتهم أمام عذاب الحياة , أمام قسوتها , ولكن بقي سلاح أوحد لم يفرطوا به , ولن يفعلوا , فهو ملاذهم الوحيد .. هو الوفاء , وليس دونه شئ يمكن إبقاء حبال المحبة متصلة بين قلوبهم ..

تفترق القلوب , تضل سبيلها عن الأخر , يضيع نبض أحدهم عن الأخر , فلا يجد من يدله على مكانه , أين هو الآن ؟ , كيف حاله ؟ , كيف يشعر وهو مسلوب الحياة ؟ , وهل من لقاء واحد يروي الروح من جديد ؟ , هل من إلتقاء يزيح غبار التعاسة التي لم تكن في الحسبان ؟ , فقط لحظة تُعيد الحياة , لحظة وكأنها دهور وحيوات , فإن إفترقت الأجساد , وأصبح لكلاً منهما موضعه , شرقاً كان أو غرباً , أقصى البلاد أو أدناها , يظل الرابط قوياً , رابطاً روحياً وصل بين المحبين , فما من فراق يُهاب منه , وما من موت يُهرب بعيداً عنه , ثمة عودة , ثمة لقاء وإرتواء , ثمة شربة محبة لا ظمأ بعدها , ووحده الوفاء قادر على إحياء ما أماته الفراق فينا ..

فبعد أن إنطفأت شعلة المحبة , وبعد أن تناثرت الأجساد بأرض الحياة , وبدأت رحلتها في البحث عن سعادتها من جديد , " الحق أنها سعادتها المزيفة " , وتفرقت الأرواح , ثمة أمل ينبعث من بعيد , وبرغم بُعده إلا أنه أقرب إلى قلوب المحبين من صدى نبضهم المتأهب للحظة الإحياء , المُنتظر بشغف لعودة شغفه من جديد ..

احذر .. قد تصل بعشقك لما بعد معاني العشق , ولكن الحياة لا تقبل ضمانات , فلا ضمان لبقاء شعلة الحب متوهجة للأبد , ثمة عاصفة , ثمة أمطار , التوهج لن يدوم طويلاً , فتقلبات الحياة هي الضمان الوحيد بها , حب بلا أفعال فهو مجرد شعور مؤقت , وقبل قدوم العاصفة .. يُسحق ! , قبل إشتداد الأمطار .. ينطفئ ! , وأما عن صدقه فهو يتضح عند الإشتداد , عند تبدل كل لحظة سعادة إلى لحظات ملل , لحظات يأس , وعندما تجد رفيقك على هاوية السقوط , هنا يتضح من منا يحب بصدقاً خالصاً ومن يفتعل الحالة ..

أن تفي بعهدك فهو ليس بعيباً يُحسب ضدك يوماً , أردت أن تُبقي شعلة حبك منيرة لك وللكون بأكمله .. فما عليك سوى أن تمسك بسلاحك الأول والأخير في معركتك للحفاظ على حبك .. ومهما إقتلعت رياح الحياة جذور محبتك , قم بغرزها من جديد بأرض المحبة الخصبة , هي كانت خصبة وستظل مهما إنقطعت منابع المودة عنها .. اسقها بماء الإخلاص , العطاء , وتذكر أن ما من شيئاً تحارب من أجله إلا وكان يستحق ذلك , لا تدع مدخلاً للفراق , وإن حدث " تذكر أن الحياة لا تقبل ضمانات " , فالوفاء وحده هو سر إلقاء حبك على قيد الحياة , والآن .. هل تجد أجدر من الحب الصادق الحقيقي يستحق أن تُضحي من اجله , أن تُبقيه حياً برغم هلاكك أنت بلحظة ما ؟ , هو الباقي بعد كل حياة ..فإن وجدته , فخسارتك له هي خسارتك لذاتك أولاً ولمعنى حياتك أخيراً .. فلتعد لوطنك الأصلي الآن , ولا تدعه يتبدل لمنفى كبير بدونك ..


  • 7

   نشر في 06 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 08 شتنبر 2019 .

التعليقات

غيث القمر منذ 2 شهر
أحرف متدفقة متناثرة شكلت عقدا جميلا
بوركت وبورك مدادك الطيب
3
نورا محمد
كل الشكر لرقي كلماتك وجمال حروفك .. أسعدتني بحق ولي الشرف بأن كلماتي البسيطة نالت إعجاب عقلاً مبدعاً كعقلك .. متذوقاً للجمال .. أشكرك :)
Abdou Abdelgawad منذ 2 شهر
خاطرة جميلة بها مشاعر انسانية راقية ورقيقة، حقا الحب الحقيقى هو المعنى والجمال الحقيقى للحياة بأثرها .. تحياتى وأرجو لك التوفيق دائما .
3
نورا محمد
أسعدتني أستاذي بكلماتك الأجمل ذات الأثر الأطيب والأرقى .. أتمنى أن تنال كلماتي المتواضعة إعجابك دوماً , كل الشكر لك ولعقلك الفياض بالرقي :)
DALLASH BAKEER منذ 2 شهر
رائعة وبحق
3
نورا محمد
أشكرك جداً أستاذي لكلامك الجميل وتشجيعك .. كل الشكر لك :)
DALLASH BAKEER
على الرحب والسعة اختي ..دام حرفك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا